
ماذا بعد…!.؟
قراءات للباحثين عن ما هو الجديد الذي يحمله معه الرئيس الشرع إلى نيويورك ..!!؟
يعتزم الرئيس السوري أحمد الشرع المشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لتكون مشاركته الثانية على التوالي بعد ظهوره الأول أمام الجمعية العامة في أيلول/ سبتمبر 2025 .
ثمة فارق كبير بين الزيارتين، ففي المشاركة الأولى كان الهدف السوري الأساسي تكريس عودة دمشق إلى المجتمع الدولي وإنهاء العزلة والعقوبات، بينما يأتي الشرع هذه المرة حاملاً مجموعة من التحولات التي تحققت خلال عام واحد، بما يسمح له بمحاولة نقل العلاقة مع المجتمع الدولي من مرحلة الاعتراف بالحكومة الجديدة إلى مرحلة تحصيل نتائج سياسية واقتصادية وأمنية من هذا الاعتراف، ويمكن تلخيص أبرز التحولات التي حدثت بين المشاركتين في 4 ملفات رئيسية :
1. سوريا خارج سياسة المحاور الإقليمية والدولية : تسعى دمشق إلى تكريس نفسها دولة غير منخرطة في المحاور الإقليمية والدولية، بعدما خرجت من موقعها السابق داخل المحور الإيراني دون الانتقال إلى محور بديل، وقد ظهر هذا النهج بوضوح في تجنب التورط في الحرب “الأمريكية – الإسرائيلية” مع إيران، وفي رفض الانخراط العسكري في لبنان، فضلاً عن تجنُّب سوريا الإعلان عن موقف رسمي من اتفاق مكة للدفاع المشترك، بما ينسجم مع رغبتها في الابتعاد عن الالتزامات الدفاعية التي قد تعيدها إلى سياسة الأحلاف والمحاور .
في السياق ذاته، حافظت دمشق على علاقة متوازنة مع روسيا رغم الحرب الأوكرانية والخلافات “الروسية – الغربية”، وأعادت تعريف شكل الوجود الروسي في سوريا بحيث لم تَعُد موسكو تتمتع بمستوى النفوذ السياسي والعسكري الذي امتلكته خلال عهد الأسد، مع استمرار وجودها العسكري ضمن ترتيبات جديدة مع الدولة السورية .
2. سوريا تخرج من منظومة العقوبات والعزلة الدولية : وذلك لأول مرة منذ عام 1979، حيث أنهت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من منظومة العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا، وأُلغي قانون قيصر في كانون الأول/ ديسمبر 2025، قبل أن تزيل واشنطن سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب/ أغسطس 2026. كما رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا وأعاد تفعيل التعاون والشراكة معها، فيما قررت جامعة الدول العربية في أيلول/ سبتمبر 2026 رفع العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفروضة على الدولة السورية ومؤسساتها، مع استمرار بعض الإجراءات الفردية بحق أشخاص وكيانات مرتبطة بنظام الأسد. وبذلك انتقلت سوريا من مرحلة العقوبات الشاملة التي كانت تقيد حركة الدولة والاقتصاد إلى مرحلة أصبحت فيها القيود المتبقية أكثر ارتباطاً بأفراد وكيانات محددة .
يتيح هذا التحول إعادة الربط المالي والتجاري ودخول الاستثمارات وتمويل مشاريع التعافي وإعادة الإعمار، لكنه يضع في الوقت ذاته عبئاً أكبر على الحكومة لإثبات قدرتها على تحويل رفع العقوبات إلى تحسن اقتصادي ومعيشي ملموس، خصوصاً مع اتساع الاحتقان الشعبي على خلفية الأسعار والخدمات والمحروقات .
3. سوريا تخرج لأول مرة من ملفات أسلحة الدمار الشامل : أعادت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تموز/ يوليو 2026 كامل حقوق سوريا وامتيازاتها التي كانت معلقة منذ عام 2021، بعد التقدم في التعاون والكشف والتحقق من البرنامج الكيميائي الموروث عن نظام الأسد، بالتوازي مع بدء عمليات لتسريع التخلص من بقايا هذا البرنامج ومكوناته داخل الأراضي السورية. كما أنهى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيلول/ سبتمبر 2026 ملف عدم امتثال سوريا المفتوح منذ عام 2011، بعد تعاون دمشق مع عمليات التحقق ووضع المواد المكتشفة تحت ضمانات الوكالة .
يبقى التصديق على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية، التي وقّعتها سوريا عام 1972 دون أن تصبح طرفاً كاملاً فيها، خطوة مكملة لمسار إغلاق ملفات أسلحة الدمار الشامل .
ويمنح هذا المسار دمشق فرصة لتقديم نفسها كدولة تتعاون مع مؤسسات الرقابة الدولية، ويقلص في الوقت ذاته مساحة الحُجَج التي تستخدمها إسرائيل لتبرير بعض عملياتها العسكرية داخل سوريا بمخاوف تتعلق بالأسلحة غير التقليدية .
4. سوريا أصبحت شريكاً في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب : انضمت سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، لتصبح العضو رقم 90 فيه، ثم شاركت في اجتماعاته الرسمية خلال عام 2026 .
ينقل هذا التطور الحكومة السورية من موقع الدولة التي كانت العمليات الدولية لمكافحة الإرهاب تُنفذ داخل أراضيها من دون شراكتها، إلى شريك رسمي في المنظومة الدولية لمكافحة داعش، بما يرتب عليها مسؤوليات أكبر في ملاحقة خلايا التنظيم، وضبط أمن السجون والمخيمات، ومعالجة ملف المقاتلين الأجانب، والتعاون مع الدول لاستعادة مواطنيها المحتجزين في سوريا. ويمكن للشرع الاستفادة من هذا التحول في نيويورك لتأكيد أن سوريا أصبحت شريكاً أمنياً للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب .
إلى جانب هذه التحولات الأربعة، سيعيد الرئيس الشرع طرح ملفين أساسيين سبق أن طالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاههما، لكن التطورات التي حدثت خلال العام الماضي تمنحه هذه المرة أدوات إضافية لطرحهما، وهما :
أولاً: وقف الاعتداءات الإسرائيلية واستعادة السيادة السورية: ستطالب دمشق المجتمع الدولي مجدداً بالضغط لوقف الضربات والتوغلات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية، والتأكيد على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك وخطوطه لعام 1974، مع التمسك بوحدة الأراضي السورية وعدم شرعية أي تغيير تفرضه إسرائيل بالقوة في المنطقة الجنوبية .
لكن الجديد هذه المرة أن هذه المطالب تتزامن مع مسار تفاوضي أمني قائم بوساطة أمريكية، ما يسمح لدمشق بمحاولة استخدام الموقف الأممي والدولي لتعزيز موقعها داخل المفاوضات نفسها، وليس استبدالها . كما يمكن للشرع التذكير بقرار الجمعية العامة رقم 80/82 المتعلق بالجولان السوري المحتل، والذي أُقر بأغلبية 146 دولة، والاستفادة من تعاون سوريا في الملفات الكيميائية والنووية ومكافحة الإرهاب للتأكيد أن المبررات الأمنية التي تستند إليها إسرائيل في تدخلها العسكري داخل سوريا أصبحت أضعف من السابق .
ثانياً: تحويل الانفتاح الدولي إلى دعم اقتصادي وإعادة إعمار : سيحاول الشرع دفع المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة رفع العقوبات إلى مرحلة دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، من خلال مطالبة الدول المانحة بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمساعدات الإنسانية، وتوجيه جزء أكبر من التمويل نحو مشاريع التعافي المبكر والبنية التحتية والخدمات الأساسية، إلى جانب طلب الخبرات الدولية للمساعدة في الإصلاح المالي والإداري وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين إدارة الموارد العامة .
كما ستسعى دمشق إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية بعد زوال الجزء الأكبر من القيود القانونية والمصرفية التي كانت تعرقل دخول رؤوس الأموال إلى سوريا، وعرض فرص واتفاقيات إستراتيجية في قطاعات النفط والغاز والمعادن والموانئ والزراعة والصناعة والبنية التحتية . وفي هذا السياق، سيكون على الحكومة التأكيد أن رفع العقوبات ليس نتيجة اقتصادية بحد ذاته، وأن نجاحه سيُقاس بقدرتها على تحويل الانفتاح السياسي والقانوني إلى نمو وفرص عمل وتحسُّن في مستوى الخدمات والدخل .
هناك أيضاً قضايا أخرى أنجزتها الحكومة يُتوقع أن تكون حاضرة أيضاً في خطاب الشرع، وفي مقدمتها تشكيل مجلس الشعب وبدء عمله خلال عام 2026، والتقدم في تنفيذ اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى جانب الإجراءات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، وبرامج تعزيز التماسك الاجتماعي، وخطوات الإصلاح وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة .
بذلك تختلف زيارة الشرع الثانية إلى نيويورك عن الأولى في طبيعة الرسالة التي يحملها؛ ففي عام 2025 كان يسعى بصورة أساسية إلى فكّ العزلة وإقناع العالم بالتعامل مع السلطة الجديدة، أما في عام 2026 فسيسعى إلى القول : إن دمشق نفذت جزءاً مهماً من الالتزامات التي طالب بها المجتمعُ الدولي .
عاشق الوطن ..



