
الحرب الأمريكية ـ الإيرانية تدخل مرحلة جديدة
المسيّرات ومراكز القيادة…
واتساع دائرة الحرب نحو الطاقة والنفط
سعيد فارس السعيد
25/9/2026
لم تعد الحرب الأمريكية ـ الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية مباشرة بين طرفين، بل بدأت تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الطائرات المسيّرة، ومراكز القيادة والسيطرة، والقواعد العسكرية، والممرات البحرية، ومنشآت الطاقة والنفط، بما يفتح الباب أمام اتساع جغرافي واقتصادي وسياسي للحرب.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن المواجهة بدأت تلامس بصورة متزايدة قطاع الطاقة والملاحة. فقد تعرضت منشآت وخطوط نقل نفطية في المنطقة لهجمات، كما شهد مضيق هرمز اضطرابات متكررة في حركة الملاحة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار النفط والأسواق العالمية.
والأخطر أن تطور أدوات المواجهة قد ينقل الصراع من استهداف القوات والمواقع العسكرية إلى الضغط على البنية التي تقوم عليها القدرة الاقتصادية للدول، وفي مقدمتها الطاقة والموانئ وطرق التصدير.
المسيّرات… سلاح المرحلة الجديدة
أصبحت المسيّرات جزءاً أساسياً من أدوات الحرب الحديثة، ليس فقط بسبب قدرتها على تنفيذ هجمات بعيدة المدى، وإنما أيضاً بسبب قدرتها على الاستطلاع والمراقبة والاستهداف وإرباك منظومات الدفاع.
وفي مواجهة هذا التطور، لا يصبح استهداف المسيّرة نفسها هو الخيار الوحيد، إذ يمكن أن تنتقل العمليات إلى المنظومة التي تجعل استخدامها ممكناً: المطارات والقواعد ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات ومخازن التجهيز ومواقع الإطلاق.
وهذا يعني أن الحرب قد تتجه تدريجياً من استهداف السلاح إلى استهداف منظومة تشغيل السلاح وإدارته.
مراكز القيادة… الهدف الأكثر حساسية
في أي حرب تعتمد على المسيّرات والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى، تصبح مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات ذات أهمية خاصة، لأنها تمثل الحلقة التي تربط بين الاستطلاع واتخاذ القرار والتنفيذ.
ولذلك فإن توسع استهداف هذه المراكز، إذا حدث، لن يكون مجرد تطور تكتيكي، بل سيكون مؤشراً على انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر عمقاً، حيث يحاول كل طرف تقليص قدرة الطرف الآخر على إدارة المعركة وتنسيق قواته.
وهنا تزداد مخاطر الخطأ في الحسابات؛ لأن ضرب منشآت عسكرية أو مراكز قيادة قد يؤدي إلى ردود متسلسلة يصعب التحكم في مسارها عندما تتعدد الجبهات والأطراف.
من القواعد إلى الطاقة
الخطر الأكبر يبدأ عندما تنتقل الحرب من المنشآت العسكرية إلى البنية الاقتصادية.
فالنفط والغاز والموانئ ومحطات التصدير وخطوط النقل والمنشآت الكهربائية ليست مجرد منشآت اقتصادية في زمن الحرب، بل هي جزء من القدرة الاستراتيجية للدول على الاستمرار.
ومن هنا، فإن استهداف منشآت الطاقة، سواء بصورة مباشرة أو نتيجة توسع العمليات العسكرية حولها، يمكن أن يفتح مرحلة مختلفة تماماً، لأن تداعياتها لن تبقى محصورة في حدود الدولة المستهدفة.
ارتفاع أسعار النفط، واضطراب حركة الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتعطل سلاسل الإمداد، وازدياد الضغوط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية والعالمية، كلها نتائج يمكن أن تتسع مع اتساع دائرة الصراع.
وقد أظهرت الأسابيع الأخيرة بالفعل مدى حساسية أسواق الطاقة لأي تهديد يطال الملاحة أو البنية النفطية في المنطقة.
هرمز… من ورقة عسكرية إلى قضية سيادة
وفي قلب هذه المعادلة يبرز مضيق هرمز، الذي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ممر بحري أو ورقة ضغط عسكرية.
فالمضيق يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والتجارة الدولية وسيادة الدول المطلة عليه ومصالحها الاقتصادية، وأي اضطراب كبير في حركة الملاحة عبره ستكون له انعكاسات تتجاوز أطراف الحرب نفسها.
لكن المسألة الأعمق تتعلق بمفهوم السيادة.
فحين تصبح الممرات البحرية وحقول النفط والموانئ والمنشآت الحيوية جزءاً من صراع القوى الكبرى، تصبح سيادة دول المنطقة ومصالح شعوبها أمام اختبار حقيقي.
فالنفط والغاز والموانئ والممرات البحرية ليست ملكاً للقوى الدولية الكبرى، وليست ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بينها، بل ترتبط أولاً بحقوق الدول وشعوب المنطقة ومصالحها وأمنها الاقتصادي.
ومن هنا فإن حماية هرمز لا تعني فقط حماية ممر مائي، وإنما حماية حق المنطقة في أن يكون لها قرارها في أمنها وثرواتها وممراتها.
والسؤال لم يعد فقط:
من يسيطر على مضيق هرمز؟
بل أصبح:
من يملك القرار في أمن المنطقة وثرواتها وممراتها؟
وهنا تنتقل المعركة من الجغرافيا العسكرية إلى جوهر السيادة والقرار السياسي المستقل.
مسؤولية دول المنطقة
لكن تحميل المسؤولية للولايات المتحدة عن خيارات التصعيد لا يعفي دول المنطقة من مسؤولياتها.
ولا يجوز في الوقت نفسه وضع جميع دول المنطقة في خانة واحدة أو تحميلها المسؤولية نفسها؛ فالمسؤولية تتحدد وفق القرارات الفعلية لكل دولة، ومدى سماحها باستخدام أراضيها وأجوائها وموانئها ومنشآتها في مسار التصعيد.
فدول الإقليم ليست مجرد ساحات تتلقى نتائج الصراعات الكبرى، وليست شعوبها مجرد متلقٍ لارتفاع أسعار الطاقة أو تدمير البنى التحتية أو اضطراب التجارة والملاحة.
إن استمرار تحويل المنطقة إلى مسرح مفتوح للصراع يرتبط أيضاً بقدرة دولها على حماية سيادتها، ومنع استخدام مقدراتها بما يؤدي إلى توسيع دائرة الحرب.
ولا يكفي أن تعلن الدول رفضها لتوسع الحرب إذا كانت قراراتها العملية تسمح بما يساهم في توسيعها.
كما لا يكفي أن تطالب بحماية الملاحة والطاقة إذا لم تعمل في الوقت نفسه على حماية منشآتها وممراتها ومصالحها الوطنية من أن تتحول إلى أدوات في صراع الآخرين.
حرب تتجاوز حدودها
إذا اتسعت المواجهة لتشمل قواعد أمريكية في المنطقة، أو منشآت الطاقة، أو الموانئ، أو طرق الملاحة، فلن تبقى الحرب أمريكية ـ إيرانية بالمعنى الضيق.
ستصبح حرباً إقليمية ذات آثار دولية، وستجد دول المنطقة نفسها أمام استحقاق لا يمكن تأجيله:
هل تبقى المنطقة مساحة لتصفية الصراعات الدولية، أم تبدأ ببناء ترتيبات أمنية تجعل أمنها ومصالح شعوبها جزءاً من قرارها المستقل؟
إن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس فقط حجم الضربات، وإنما احتمال تحول الحرب إلى منظومة تصعيد متبادل:
كل ضربة تفتح الباب لضربة أكبر، وكل استهداف لمنشأة عسكرية قد يدفع إلى استهداف منشأة اقتصادية، وكل استهداف للطاقة قد يدفع إلى اضطراب الأسواق والملاحة والاقتصادات.
وعندها يصبح احتواء الحرب أصعب بكثير من منع اتساعها في بدايتها.
صانعو القرار… والشعوب التي تدفع الثمن
إن صانعي القرار في الإدارة الأمريكية، ومسؤولي ومراكز صناعة القرار في المنطقة، يتحملون مسؤولية قراراتهم وما قد يترتب عليها من نتائج.
فالسياسات التي توسّع دائرة الحرب، وتضع أمن الشعوب وحياتها واستقرارها في مواجهة حسابات القوة والمصالح السياسية، تبتعد عملياً عن السلام وعن جوهر إنسانية الإنسان.
وحين تتحول الحروب إلى استهداف للطاقة والنفط والمياه والمنشآت الحيوية، وحين يصبح الإنسان هو من يدفع ثمن صراعات المصالح والحسابات السياسية، فإن المسؤولية لم تعد مجرد مسؤولية عن قرار عسكري، بل عن حياة شعوب بأكملها، وأمن دول، وسيادتها، ومستقبلها.
فلا يجوز أن تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للمقامرة من هذا الطرف أو ذاك، ممن يمتلك القوة السياسية والعسكرية.
أنتم جميعاً تتخذون القرارات، لكن الشعوب هي التي تدفع الثمن.
ولذلك فإن كل قرار بتوسيع الحرب يجب أن يُقاس أولاً بما يتركه من قتلى ودمار وفقر وخوف وفقدان للأمن والسيادة، لا بما قد يحققه من مكاسب سياسية ضيقة.
خلاصة القول
لنتخيل للحظة حجم الخطر إذا انتقل التصعيد من استهداف السلاح والقواعد ومراكز القيادة إلى تعطيل أو تدمير آبار ومنشآت النفط والطاقة، وضرب محطات تحلية المياه والمرافق الحيوية، بالتزامن مع استهداف مراكز القيادة والقواعد ومواقع تشغيل الطائرات والمسيّرات.
عندها لن تبقى الحرب مواجهة عسكرية محدودة، بل ستطال الطاقة والمياه والاقتصاد والملاحة والحياة اليومية وسيادة الدول.
وهنا نصل إلى مسار نتيجته الأخطر:
من المسيّرات إلى مراكز القيادة،
ومن القواعد إلى الطاقة،
ومن النفط إلى المياه،
وتنتقل الحرب من استهداف أدوات القتال إلى استهداف مقومات الدولة نفسها.
ولهذا فإن مسؤولية كل دولة تتحدد بقرارها ودورها الفعلي:
من يحمي سيادته وموارده ومرافقه الحيوية وقراره الوطني، يحمي شعبه؛ ومن يسمح باستخدام مقدراته في توسيع الحرب، يتحمل تبعات هذا القرار.
فالسيادة ليست شعاراً، والسلام ليس كلمة، وإنسانية الإنسان ليست تفصيلاً يمكن التضحية به في حسابات القوة.
كفى مقامرة بأمن المنطقة ومستقبل شعوبها.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»



