حين يسقط الوهم… هل تبزغ الحقيقة؟!

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

ليس كل ما تراه العين حقيقة، ولا كل ما يطمئن إليه القلب يستحق أن نصدّقه. أحيانًا نعيش سنوات كاملة داخل صورة صنعناها بأنفسنا، نمنحها من مشاعرنا ما يكفي لتبدو حقيقة، ونحرسها من الشك لأننا نخشى اللحظة التي قد تسقط فيها. لكن للحقيقة موعدًا لا تخطئه، وللوهم عمرًا مهما طال لا يستطيع أن يكون أبديًا. وحين يبدأ الوهم بالتصدّع، تتسلّل من شقوقه خيوط ضوء صغيرة، تكشف لنا شيئًا كنا نخاف أن نراه. عندها يصبح السؤال أكثر إيلامًا من الإجابة: هل كانت الحقيقة غائبة عنّا، أم أننا كنا نختبئ منها خلف ستار الوهم؟

الوهم ليس كذبةً صريحة دائمًا؛ أحيانًا يكون أمنيةً ارتديناها ثوب الحقيقة. نرى في الإنسان ما نحب أن يكون عليه، ونقرأ في صمته ما نتمنى أن يقوله، ونمنح الوعود عمرًا أطول من أصحابها. ثم نمضي في الطريق ونحن نعتقد أننا نعرف، بينما نحن في الحقيقة نعيش داخل صورة صنعناها بأيدينا.

إلى أن تأتي لحظة صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، يسقط فيها شيء ما من الداخل. كلمة واحدة، موقف واحد، خذلان لم يكن في الحسبان، أو غياب في اللحظة التي كان يجب أن يكون فيها الحضور. عندها يتصدّع الجدار الذي بنيناه حول الوهم، ويدخل الضوء من أول شق، فنرى الأشياء كما هي، لا كما تمنيناها أن تكون.

وقد لا يكون الألم في الحقيقة نفسها، بقدر ما يكون في اكتشاف أننا كنا نعرفها، لكننا لم نملك الشجاعة الكافية لننظر إليها. فالقلب حين يتعلق، لا يبحث دائمًا عن الحقيقة؛ أحيانًا يبحث عن شيء يستطيع أن يطمئن إليه، ولو كان ذلك الشيء مجرد وهم جميل.

وهنا يبدأ النضج الحقيقي؛ أن نتعلم ألّا نجادل الحقيقة حين تصل، وألّا نعيد بناء الوهم لمجرد أننا نخاف من الفراغ الذي سيتركه سقوطه. فليس كل ما اعتدناه يستحق أن يبقى، وليس كل ما أحببناه صالحًا لأن يستمر، وليس كل رحيل خسارة.

أحيانًا يكون سقوط الوهم أشبه بفتح نافذة في غرفة مغلقة منذ سنوات. يدخل الهواء أولًا مؤلمًا، ثم نتنفس. نكتشف أن العالم أوسع مما تخيلنا، وأن الطريق الذي ظنناه نهاية كان مجرد منعطف، وأن الحياة التي خفنا أن نعيشها من دون بعض الأشخاص قد تكون أكثر اتزانًا حين نستعيد أنفسنا.

والحقيقة، حين تبزغ، لا تجعلنا أكثر قسوة؛ تجعلنا أكثر وضوحًا. نتعلم أن الطيبة لا تعني الغفلة، وأن التسامح لا يعني التخلي عن الحدود، وأن الحب لا يمنح أحدًا حق العبث بكرامتنا. نتعلم أن الثقة تُبنى بالمواقف لا بالكلمات، وأن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله حين لا يكون مضطرًا إلى التبرير.

ثم نفهم أن النضج لا يعني أن نكره من كشف لنا وجهه الحقيقي، بل أن نعرف مكانه الصحيح في حياتنا. فليس كل من أحببناه يجب أن يبقى قريبًا، وليس كل من ابتعد عنا يستحق أن نطارده. أحيانًا يكون الابتعاد احترامًا لأنفسنا، لا عقابًا للآخرين.

وربما لهذا لا ينبغي أن نخاف من انكشاف الأشياء. فالحقيقة، مهما أوجعت، لا تأتي لتسلبنا الحياة؛ تأتي لتعيدها إلينا. وقد تأتي الخيبة في الوقت الذي نظنها فيه عقابًا، بينما تكون في حقيقتها إنقاذًا من طريق أطول وأكثر ألمًا.

وحين يسقط الوهم، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا خسرت؟ بل علينا أن نسأل: ماذا رأيت؟ ماذا فهمت؟ ومن أصبحت؟ فقد تكون الخسارة التي أبكتنا يومًا هي نفسها اللحظة التي أعادت إلينا بصيرتنا، وقد يكون الباب الذي أُغلق في وجهنا هو أول باب فتحته الحياة نحو أنفسنا.

ربما لا تكون الحقيقة هي الشيء الذي يظهر فجأة، بل الشيء الذي كان ينتظر في أعماقنا أن نمتلك شجاعة رؤيته. وربما لا يكون سقوط الوهم نهاية لحكاية، بل لحظة ولادة؛ ولادة إنسان لم يعد مستعدًا لأن يجمّل ما يؤلمه، أو يبرّر ما يهدمه، أو يتمسّك بما انتهى خوفًا من أن يبدأ من جديد.

فحين يسقط الوهم، قد نشعر للحظة أن الأرض انسحبت من تحت أقدامنا، ثم نكتشف أننا لم نسقط… بل تحررنا. تحررنا من صورة لم تكن تشبه الحقيقة، ومن انتظار استنزف أرواحنا، ومن خوف جعلنا نتمسك بما كان ينبغي أن نتركه منذ زمن.

 

ولعل أجمل ما في الحقيقة أنها، رغم قسوتها، لا تأتي لتكسرنا؛ تأتي لتعيدنا إلى أنفسنا.

وحين نصل إلى تلك اللحظة التي لا نعود فيها نخاف من الحقيقة، يصبح كل شيء مختلفًا: نحب بوعي، نثق ببصيرة، نسامح دون أن ننسى، ونرحل دون حقد. نغلق الأبواب التي أرهقتنا، لا لأننا نكره من خلفها، بل لأننا أخيرًا عرفنا قيمة الطريق الذي ينتظرنا أمامها.

فربما لم يكن الوهم يومًا أقوى من الحقيقة؛ كنا نحن فقط أضعف من مواجهتها. وحين امتلكنا شجاعة النظر… سقط الوهم، وبزغت الحقيقة، وعرفنا أن بعض الانكسارات لم تكن سقوطًا، بل أول خطوة نحو النور.

شارك