سماءٌ لم تعد حكراً للمحتل: الطائرات المسيرة وتفكيك أسطورة الأمن الصهيوني.

 

أشرف التهامي.

 

 

يكشف هذا التقرير التحليلي الصادر عن أروقة التفكير الاستراتيجي في الكيان الصهيوني عن تحول هيكلي عميق في قواعد الصراع العربي-الصهيوني. فلطالما اعتمد العدو على التفوق الجوي المطلق والتكنولوجيا باهظة الثمن كركيزة أساسية لعقيدة الردع والجدار الحديدي؛ غير أن صعود تقنيات الطائرات المسيرة (الدرونز) بقلة تكاليفها وسهولة امتلاكها قد أسقط هذا التفوق ونقل المعركة إلى مربع جديد من التهديد الدائم.

إن اعتراف مراكز الأبحاث الصهيونية ومسؤولي “الشاباك” بأن هذه الأجهزة البسيطة تشكل ثغرة أمنية عابرة للحدود والأجواء، ليس مجرد تشخيص لخلل تقني، بل هو إقرار مباشر بعجز المنظومة الدفاعية للاحتلال أمام استراتيجيات “الحرب غير المتكافئة”.

ومن منظور قومي عربي، تعكس هذه الورقة حالة الارتباك والذعر المؤسسي داخل الكيان عقب ضربات المقاومة في السابع من أكتوبر وما تلاها في جنوب لبنان والإقليم، حيث أثبتت إرادة المواجهة وسلاح “الفقراء” التكنولوجي قدرتهما على شل مفاصل كيانٍ يسعى عبثاً لسد ثغرات أجوائه عبر التشرع والتسليح المكثف.

أصبحت الطائرات المسيرة (الدرونز) واحدة من أكثر التحديات الأمنية تعقيداً في العالم ، فقبل وقت ليس ببعيد، كانت تُعتبر أجهزة مدنية غير ضارة ومناسبة لأغراض مثل التصوير الفوتوغرافي، والمسح، والأعمال الزراعية، ومراقبة البنية التحتية، وتسليم الطرود، أو مجرد الترفيه.

ومع ذلك، أظهرت التجارب الميدانية الحديثة مدى سرعة تحويل هذه الأجهزة الصغيرة -التي تتميز بكونها رخيصة الثمن وسهلة الحمل ومتاحة للجميع- إلى أدوات لجمع المعلومات الاستخباراتية، وحمل الأسلحة، وشن الهجمات، وإحداث الاضطرابات.

وتستخدم الجيوش والجماعات الإرهابية وحتى المنظمات الإجرامية الطائرات المسيرة على نطاق واسع اليوم؛ إذ يمكن تشغيلها بشكل فردي أو دمجها ضمن أنظمة قتالية أوسع تعتمد على أسراب الطائرات، والذكاء الاصطناعي، والاتصال المستمر.

يكمن التحدي الرئيسي في مواجهة الطائرات المسيرة في أن “نية المشغّل” لها أهمية تفوق الخصائص المادية للطائرة نفسها؛ فالمواطن الذي يصور مناظر طبيعية، والمقاول الذي يفحص الأسطح، وموظف البلدية الذي يراقب الحرائق، قد يستخدمون جميعاً نفس الجهاز الذي تستخدمه منظمة إجرامية لتهريب المخدرات.

ويمكن لجماعة إرهابية أن تزودها بالمتفجرات، بينما يمكن لجيش نظامي استخدامها لتنفيذ ضربات دقيقة ، وفي حين تتعامل القوانين الحالية بشكل جيد نسبياً مع المستخدمين الملتزمين بالقانون، فإنها تفتقر إلى الآليات الكافية للتعامل مع الاستخدامات الخبيثة لأجهزة صغيرة ورخيصة وسهلة الحمل تخدم أغراضاً مدنية وعسكرية في آن واحد، ويمكن شراؤها بسرعة وتعديلها بأقل جهد ممكن ، ولن يحل تحسين إنفاذ القانون وحده هذه المشكلة؛ بل لا بد من تغيير النهج الأساسي المتبع في التعامل معها.

تُظهر التجارب المكتسبة في أوكرانيا والشرق الأوسط -بما في ذلك حرب 1967″حرب الخلاص” بحسب المسمى في الكيان الإسرائيلي- أن الطائرات المسيرة الصغيرة باتت تؤدي أدواراً تتجاوز مجرد دعم الأنظمة القتالية القائمة؛ فهي تُحدث تغييراً في اقتصاديات الحرب ومعادلة التكلفة والعائد، فضلاً عن تسريعها لدورة “الاستشعار-إلى-الاستهداف” (sensor-to-shooter cycle) .

فبتكلفة لا تتعدى بضعة آلاف أو حتى مئات الدولارات، يمكن لطائرة مسيرة أن تعطل نظاماً دفاعياً باهظ الثمن، أو تضرب مركبة مدرعة أو بنية تحتية مدنية، أو توجه نيران المدفعية، أو تحدث تأثيراً ذهنياً ونفسياً كبيراً.

ولا يكمن التهديد الرئيسي في الجهاز ذاته أو قدرته على العمل الذاتي، بل في القدرات التي يحملها، واقتصادياته، وانخفاض المخاطر المرتبطة بنشره؛ إذ يجمع هذا الجهاز بين الإنتاج الضخم، والاتصالات اللامركزية، والبرمجيات القادرة على التعلم، وأجهزة الاستشعار الرخيصة، مع القدرة على إرسال أعداد كبيرة من المركبات غير المأهولة إلى ساحة المعركة بدلاً من المقاتلين البشر.

وتكمن هنا أهمية التحذير الذي أطلقه مؤخراً ديفيد زيني، المسؤول في جهاز “الشاباك”، بأن الطائرات المسيرة تشكل تهديداً طويل الأمد لأمن الكيان الإسرائيلي؛ فقد كان الهدف من تصريحه الإشارة إلى وجود خطر واضح ومحدق يتطلب استجابة وطنية شاملة.

كما أكد رئيس الوزراء بالإسرائيلي نيامين نتنياهو هذا التحذير في أغسطس 2026، واصفاً تهديداً عالمياً يُحدث تغييراً في طبيعة ساحة المعركة؛ إذ أشار إلى أن الطائرة المسيرة المسلحة -أو تلك التي تعمل ضمن أسراب- يمكن أن تكون فتاكةً تماماً كأي منصة قتالية متطورة، مهما صغر حجمها. وصرح نتنياهو بأن إسرائيل تُعد من أكثر الدول تقدماً في مجال التصدي للطائرات المسيرة، لكنه حذر من أن جهود المواجهة لا يمكن أن تتوقف ولو للحظة، موجهاً المؤسسة الأمنية في الكيان بضرورة استهداف الطائرات المسيرة ذاتها، ومشغليها، ومواقع إطلاقها.

تحتاج إسرائيل إلى استجابة وطنية شاملة للتعامل مع تهديد الطائرات المسيرة؛ فلا يمكن حصر هذه المهمة في جهة واحدة أو اختزالها في حل تقني ضيق النطاق.

إذ يتعين على أجهزة الاستخبارات، وأنظمة الدفاع الجوي، والشرطة، والسلطات المحلية، وأجهزة الأمن الداخلي، وقطاع الصناعة، والنظام القضائي، والهيئات القيادية المدنية العمل في الكيان الإسرائيلي بتضافر وتنسيق، مدعومين بأطر تشريعية وتنظيمية ملائمة.

كما يجب تحديث الإطار القانوني والتنظيمي القائم، الذي وُضع في ظل واقع تقني كان سائداً قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

عندما تتحول الطائرات المسيرة المدنية إلى أسلحة,

تكمن خصوصية التهديد الذي تشكله الطائرات المسيرة في طبيعتها مزدوجة الاستخدام؛ فعلى عكس الطائرات المقاتلة والصواريخ والمدفعية، تُباع هذه الطائرات في المتاجر العادية ويستخدمها الباحثون والمزارعون وشركات البناء وهيئات الطوارئ والمصورون.

وتوفر هذه الاستخدامات المدنية غطاءً لأي شخص يسعى لتحويل الطائرة المسيرة إلى سلاح، إذ لا توجد حاجة لمصانع أسلحة أو شبكات تهريب معقدة؛ بل تكفي مهارات تقنية أساسية، ومكونات متاحة، وتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وعبوات ناسفة مرتجلة، والقدرة على تحليق جهاز صغير على ارتفاع منخفض ، وبهذا المعنى، تزيل الطائرات المسيرة الفواصل بين الأدوات المدنية والأسلحة.

تميل التشريعات واللوائح التنظيمية في الكيان الإسرائيلي إلى التعامل مع الطيران المدني والأمن كمسارين منفصلين؛ حيث :

· تركز قواعد الطيران المدني على السلامة، والترخيص، والمسافة عن مسارات الطيران، وارتفاع التحليق، ومسؤولية المشغل، والخصوصية.

· بينما تتمثل الأولويات الأمنية في الرصد، والتصنيف، والاعتراض، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وحماية المنشآت.

ومع ذلك، تعمل الطائرات المسيرة في النطاق الذي يلتقي فيه هذان المجالان؛ فهي تستخدم البنية التحتية المدنية، وتحلق في المجال الجوي المدني، وتبدو أحياناً كطائرات مدنية، لكن الغرض منها قد يكون عدائياً.

وطالما استمر الكيان الإسرائيلي في معالجة هذه القضية وفقاً لهذا التقسيم المؤسسي المتقادم، فإنها تواجه تهديداً جديداً بلغة الماضي.

والأهم من ذلك، أن القانون يفترض في الغالب أن المشغلين لديهم رغبة في الامتثال له؛ فمتطلبات التسجيل والتدريب، وقيود الارتفاع، والمسافة عن المطارات، والمناطق المحظورة للطيران، تُعد قواعد فعالة للمواطنين والشركات والمشغلين المحترفين الملتزمين بالقانون، لكنها لا تشكل رادعاً لمن يخطط لهجوم إرهابي، أو تخريب للبنية التحتية، أو جمع معلومات استخباراتية، أو تعطيل فعالية عامة ، ولذا، فإن التنظيم المدني ضروري، لكنه لا يستطيع بمفرده توفير الأمن.

تتحدى الطائرات المسيرة الصغيرة الافتراضات الأساسية لأنظمة الدفاع الجوي؛ فهذه الأنظمة التي طُورت في المقام الأول للتصدي للطائرات والمروحيات والصواريخ والمركبات الجوية الكبيرة نسبياً، باتت الآن مطالبة بالتعامل مع أجهزة صغيرة تحلق ببطء وعلى ارتفاعات منخفضة، وتتبع أحياناً مسارات غير متوقعة.

وتتميز هذه الطائرات ببصمات رادارية وحرارية ضئيلة، كما يمكنها العمل في المناطق الحضرية المكتظة ، ومع تزايد أعداد الطائرات المسيرة، لم يعد رصد كل منها واعتراضها سوى جزء من المهمة؛ إذ يتعين على المدافعين أيضاً التعامل مع كثافة التهديدات الواردة، وتجنب استنزاف القدرات الدفاعية، وضمان تناسب تكلفة الاعتراض مع طبيعة التهديد.

يصعب تبرير استخدام صاروخ اعتراضي باهظ الثمن للتصدي لطائرة مسيّرة رخيصة ما لم تكن هناك ضرورة قصوى لذلك؛ ومع ذلك، لا يمكن تجاهل طائرة مسيّرة قادرة على حمل متفجرات أو استهداف منشأة حيوية لمجرد صغر حجمها.

لذا، يحتاج الكيان الإسرائيلي إلى نهج وطني للتعامل مع هذا التهديد، يختلف عن القواعد التي تحكم الاستخدام المدني للطائرات المسيّرة.

ولا يلزم الدولة تصنيف كل طائرة مسيّرة على أنها سلاح، لكن عليها أن تكون مستعدة لاحتمال تحول أي طائرة مسيّرة إلى سلاح في غضون دقائق. ويكمن الحل في اعتماد نظام متعدد المستويات من تدابير الحماية، بدلاً من فرض حظر شامل على الاستخدام المدني؛ إذ يجب تطبيق إجراءات مثل الترخيص، والتعريف عن بُعد، ووضع علامات إلزامية، وتحديد مناطق حظر طيران ديناميكية، وذلك بالتوازي مع تحميل المستوردين المسؤولية وفرض قيود على مكونات محددة.

كما تحتاج السلطات الإسرائيلية إلى القدرة على إنفاذ القواعد فوراً، وامتلاك صلاحيات واضحة لتحييد الطائرات المسيّرة المشبوهة؛ وإلا فإن زمام المبادرة سيظل بيد المشغّل ذي النوايا الخبيثة.

لننظر في تداعيات فتح متجر لبيع الطائرات المسيّرة على مسار تهريب معروف، في وقت تدرك فيه الدولة أن طائرات مسيّرة كبيرة الحجم تنقل أسلحة عبر حدودها، ومع ذلك تعجز عن الرقابة الفعالة على عمليات استيرادها أو بيعها أو شرائها أو تشغيلها؛ فهذه ثغرة خطيرة في سيطرة الدولة.

إن المعيار الحاسم هنا ليس ما إذا كانت الطائرة المسيّرة قابلة للاستخدام في النقل أو التصوير أو غير ذلك من المهام، بل ما إذا كان بالإمكان تحويلها بسرعة إلى وسيلة للتهريب أو شن هجوم.

ونظراً لأن هذا الاحتمال وارد غالباً، ينبغي إخضاع بعض الطائرات المسيّرة – ولا سيما الطرازات الثقيلة، وتلك ذات المدى الطويل، والأنواع القابلة للتعديل – لنظام ترخيص مماثل لذلك المطبق على الأسلحة والذخائر.

لقد فرض الكيان الإسرائيلي بالفعل تسجيل الدراجات البخارية الكهربائية (السكوتر)، ولا يوجد أي مبرر لعدم اشتراط التسجيل ووضع العلامات وفرض رقابة أكثر صرامة على الطائرات المسيّرة التي تنطوي على احتمالية كبيرة للتسبب في أضرار.

لا تمثل الطائرات المسيرة الفردية سوى البداية؛ إذ تشير التطورات إلى تحول وشيك نحو استخدام “أسراب” الطائرات المسيرة ، فالأسراب ليست مجرد مجموعة من الطائرات المسيرة الفردية، بل هو نظام موزع قادر على التواصل والتكيف ومقاومة الأعطال؛ وتستمد هذه الأسراب قوتها من السلوك الجماعي للمجموعة، وليس من قدرة أي جهاز فردي بمفرده.

ويمكن لهذه الأسراب تقسيم المهام، واستبدال أي جهاز معطل، والجمع بين مهام جمع المعلومات الاستخباراتية وأعمال الخداع والتشويش والهجوم ، وحتى تدمير جزء من الأسراب لا يؤدي بالضرورة إلى توقفه عن العمل.

ويختلف هذا المفهوم اختلافاً جوهرياً عن مجرد مجموعة عشوائية من الطائرات المسيرة، كما أنه يمثل تحدياً لأنظمة الدفاع القائمة على رصد واعتراض هدف واحد في كل مرة.

الروسية الأوكرانية مختبر لاختبار أساليب الحروب المستقبلية.

تُعد الحرب الروسية الأوكرانية بمثابة مختبر لاختبار أساليب الحروب المستقبلية؛ فقد أدت الطائرات المسيرة التي تعمل بنظام الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV)، والذخائر المتسكعة (loitering munitions)، والمركبات البرية والبحرية غير المأهولة، إلى تغيير أساليب القتال وسلوك القوات، فضلاً عن معدلات تكبد الخسائر.

إذ يمكن لطائرة مسيرة رخيصة الثمن تحديد مواقع القوات، أو تصحيح نيران المدفعية، أو إصابة مركبة مدرعة :

· في البحر، يمكن للمركبات المسيرة تهديد السفن والموانئ.

· على البر، يمكن للروبوتات نقل المعدات، وإجلاء المصابين، وإجراء عمليات الاستطلاع، وحتى حمل الرشاشات.

وتوسع هذه التطورات نطاق التهديد ليتجاوز المجال الجوي ويشمل ساحة معركة متعددة الأبعاد تربط بين العمليات في الجو والبر والبحر وتحت الماء ضمن نظام واحد.

نقاط الضعف الإسرائيلية انكشفت في السابع من أكتوبر2023.

وتُظهر الأدلة المتاحة بالفعل مدى خطورة هذا التهديد؛ فقد انخرطت كل من روسيا وأوكرانيا لفترة طويلة في حرب واسعة النطاق باستخدام الطائرات المسيرة.

كما انكشفت نقاط الضعف الإسرائيلية في السابع من أكتوبر، حين استخدمت حركة حماس طائرات مسيرة لتعطيل أنظمة المراقبة والدفاع.

وفي جنوب لبنان، استخدم حزب الله طائرات مسيرة تعمل بتقنية الألياف الضوئية، حيث يعتمد في توجيهها على كابل دقيق من الألياف الضوئية بدلاً من الترددات اللاسلكية التقليدية، مما يقلل من فعالية أساليب التشويش القياسية ضدها.

وتُستخدم الطائرات المسيرة أيضاً لتهريب شحنات الأسلحة عبر الحدود مع الأردن ومصر ، إن الطائرات المسيرة ليست مجرد تهديد مستقبلي، بل هي خطر ماثل وواضح يتنامى بوتيرة أسرع من قدرة الكيان الإسرائيلي على التصدي له.

مجموعة واسعة من التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيرة للكيان.

يواجه الكيان الإسرائيلي مجموعة واسعة من التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيرة؛ إذ تتميز الطائرات المسيرة التي تعمل بتقنية الألياف الضوئية بحصانتها ضد التشويش الإلكتروني التقليدي.

يمكن للطائرات المسيرة المزودة ببطاقات “SIM” التواصل عبر شبكات الهاتف المحمول القائمة، وتلقي مسار مبرمج مسبقاً، وانتظار وقت تفعيل محدد سلفاً.

كما تتمتع الطائرات المسيرة ذاتية التشغيل بقدرة على التعرف البصري على الأهداف ومواصلة تنفيذ مهامها حتى في حال انقطاع الاتصال مع المشغل البشري.

وتضيف أسراب الطائرات المسيرة ميزة تنسيق الهجمات المتزامنة، مما يسبب ضغطاً هائلاً على أنظمة الرصد والاعتراض وعمليات اتخاذ القرار. وعليه، لا يمكن النظر إلى تهديد الطائرات المسيرة باعتباره فئة تقنية واحدة، بل هو عالم عملياتي متكامل تتوفر فيه الأجهزة بسهولة للشراء والاستيراد والتعديل والتشغيل، في حين تظل الضوابط التنظيمية أضعف بكثير مما تتطلبه طبيعة المخاطر القائمة.

تُعد مسألة تحديد المسؤولية أمراً معقداً؛ فهل تقع المسؤولية على عاتق القوات الجوية لأن التهديد يأتي من الجو؟

أم الشرطة عندما تعمل الطائرة المسيرة في منطقة مدنية؟

أم جهاز “الشاباك” (الأمن الداخلي) عند وجود شبهة إرهاب؟

فتستدعي قضايا الترخيص والرقابة تدخل “سلطة الطيران المدني”، بينما يمكن اعتبار حماية الجمهور من اختصاص “قيادة الجبهة الداخلية”.

ورغم امتلاك كل جهة صلاحيات تتعلق بجزء من المشهد، إلا أن هذه الصلاحيات المجزأة تظل قاصرة عن تحقيق الاستجابة الوطنية المطلوبة.

لذا، يحتاج الكيان الإسرائيلي بحسب خبرائه إلى عقيدة عملياتية مشتركة، وتوزيع صريح للصلاحيات، ومركز قيادة قادر على ممارسة السيطرة والإنفاذ في الوقت الفعلي، وآلية للانتقال السريع من العمليات الروتينية إلى الاستجابة لحالات الطوارئ.

كما يرى خبراء الكيان أنه لا يمكن ضبط حركة الطائرات المسيرة بشكل فعال بمجرد اعتبار القوات الجوية المسؤول الوحيد عن أجواء البلاد، أو بقصر عمل “سلطة الطيران المدني” على المشغلين الملتزمين بالقانون ، كما لا يمكن لـ “المبادرة الوطنية الإسرائيلية للطائرات المسيرة” -التي أُنشئت لتعزيز الاستخدام المدني الآمن والمنظم- أن تحل محل القدرات الأمنية اللازمة للسيطرة والرصد والإنفاذ.

ويؤكد خبراء الكيان في هذا المجال أنه وبدون نظام يجمع كافة هذه المهام والوظائف تحت مظلة واحدة، ستظل الطائرات المسيرة المحلقة فوق المدن والحدود والمنشآت الحيوية تتحرك في منطقة رمادية تتجاذبها حدود المسؤوليات المتعددة.

حماية الأماكن العامة وسد الثغرات القانونية في الكيان.

بعيداً عن ساحات المعارك، تشكل الطائرات المسيرة تهديداً مختلفاً ولكنه لا يقل خطورة. إذ يمكن أن تتعرض الملاعب ومحطات الطاقة والمطارات ومنصات الغاز ومواقع المظاهرات والمدارس والمستشفيات والمراسم الرسمية للخطر بسبب طائرة مسيرة صغيرة تحلق في الأجواء؛ فهذه الطائرات قادرة على التسبب في أضرار مادية، وإثارة الذعر، وانتهاك الخصوصية، وتعطيل حركة الملاحة الجوية، أو إحداث تأثير نفسي واسع النطاق.

ولا يشترط وقوع ضرر فعلي لحدوث اضطراب جسيم؛ إذ يمكن لتحليق غير مصرح به داخل منطقة محمية أن يؤدي إلى وقف الأنشطة، أو إخلاء الحشود، أو إيقاف تشغيل البنية التحتية، فضلاً عن تقويض ثقة الجمهور الإسرائيلي.

أوروبا كمثال.

لقد شهدت أوروبا بالفعل حالات اضطراب ناجمة عن أنشطة لم تتضمن هجوماً مادياً مباشراً ، ففي السنوات الأخيرة، أدى رصد طائرات مسيرة – أو أجسام يُعتقد أنها كذلك – بالقرب من المطارات والمنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية إلى تفعيل إجراءات الطوارئ، وإغلاق المطارات، وإلغاء الرحلات الجوية، وإجبار الطائرات على تغيير مساراتها.

وقد نُسبت بعض هذه الحوادث إلى روسيا أو اعتُقد أنها نُفذت بأساليب روسية، في حين خلت حالات أخرى من أدلة قاطعة تحدد هوية مشغلي تلك الأجهزة.

ورغم أهمية تحديد الجهة المسؤولة، فإن الدرس المستفاد يكمن في أن مثل هذه الحوادث قادرة على إثارة قلق عام، وتعطيل الأنشطة المدنية، واختبار جاهزية حلف الناتو والدول الأوروبية للاستجابة، وذلك دون الحاجة لشن هجوم على هدف مادي ملموس.

يتعين على الكيان الإسرائيلي بحسب خبرائه ، تحقيق توازن دقيق؛ فهو لا يستطيع السماح للإرهابيين والمنظمات الإجرامية باستغلال المجال الجوي المدني بحرية، ولكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول تدابير مكافحة الطائرات المسيرة إلى وسيلة للمراقبة العشوائية، أو انتهاك الخصوصية بشكل غير متناسب، أو منح سلطات استثنائية دون رقابة.

ويكمن التحدي في صياغة استجابة تتناسب مع الطبيعة غير المتكافئة للتهديد؛ إذ تحتاج السلطات في الكيان إلى القدرة على رصد الطائرات المسيرة الخطيرة وتحديد هويتها وتحييدها فوراً، مع الالتزام بصلاحيات محددة بوضوح، وإجراءات شفافة، وتوثيق للعمليات، ورقابة فعالة، وخضوع للمراجعة القضائية أو الإدارية عند الاقتضاء.

وتكشف مسألة تحديد الجهة المخولة بالتحرك ضد الطائرات المسيرة عن ثغرة قانونية خطيرة بشكل خاص؛ فعملية تحييد طائرة مسيرة – سواء عبر التشويش على اتصالاتها، أو السيطرة عليها، أو إطلاق النار عليها، أو الاستيلاء عليها، أو إسقاطها، أو عرقلة نظام ملاحتها – قد تترتب عليها عواقب تتجاوز الطائرة نفسها؛ إذ قد تتأثر الاتصالات المدنية وطائرات أخرى، كما قد يلحق الضرر بالأشخاص والممتلكات والخصوصية.

لذا، يرى خبراء الكيان أنه لا يكفي مجرد التصريح بتحييد الطائرات المسيرة الخطيرة؛ إذ يتعين على القانون توزيع الصلاحيات وفقاً لطبيعة الإجراء، وتحديد الجهات المخولة بإعلان منطقة حظر طيران، أو تصنيف طائرة مسيرة على أنها مشبوهة، أو التشويش عليها، أو اعتراضها.

كما يجب تحديد المسؤولية القانونية عن الأضرار، وآليات الحفاظ على سلامة الأدلة (سلسلة الحيازة) لغايات التحقيق والملاحقة القضائية.

تُعد عمليات البيع غير المقيدة بحد ذاتها جزءاً من التهديد الأمني؛ ففي غياب التسجيل والرقابة والتتبع، عجز الكيان عن تحديد حائزي الطائرات المسيرة التي قد تشكل خطراً، أو معرفة مواقعها، أو الغرض من اقتنائها.

وتلك هي عواقب السماح بالاستيراد والشراء ونقل الملكية دون تحديد هوية المشتري، أو تسجيل مواصفات الجهاز، أو اشتراط وضع علامات تعريفية، أو إلزام البائع بالمسؤولية.

قد يكون هذا مقبولاً بالنسبة للمنتجات الاستهلاكية العادية، لكنه أمر لا يمكن السماح به لجهاز قابل للتكييف لأغراض التهريب أو جمع المعلومات الاستخباراتية أو حتى التسليح.

إن البيع غير المقيد للطائرات المسيرة لا يعكس مجرد ثغرة قانونية، بل يفاقم التهديد بشكل مباشر من خلال إتاحة الفرصة للمشغلين ذوي النوايا الخبيثة لاستغلال شرعية السوق المدنية والإفلات من الرصد المبكر والاعتراض.

وتزداد حدة التهديد بالقرب من حدود الكيان، وفوق التجمعات السكانية الحدودية، وفوق المنشآت الأمنية الواقعة في المناطق المدنية ، وفي هذه الحالات، تزداد صعوبة التمييز بين الأمن الداخلي والأمن القومي والدفاع عن المجال الجوي؛ فقد تستدعي طائرة مسيرة تعبر الحدود رداً من القوات الجوية، بينما قد تخضع طائرة أخرى – أُطلقت من بلدة أو قرية – لسلطة الشرطة في بادئ الأمر.

كما أن وجود مشغل إرهابي قد يستدعي تدخل جهاز الأمن الداخلي (مثل “الشين بيت”)، في حين يتطلب التهديد الذي يمس البنية التحتية المدنية الحيوية تضافر جهود الوزارات وشركات البنية التحتية وهيئات الطوارئ.

وفي غياب إطار وطني موحد، ستظل الوكالات مقيدة بصلاحياتها المنفصلة، مما يتيح لأعداء الكيان استغلال الثغرات القائمة بينها.

و يؤكد خبراء الكيان أن مواجهة تحدي الطائرات المسيرة في المجال العام تتطلب تغييراً في النظرة إليها؛ فالناس يرونها ألعاباً أو أدوات عمل، غير أن التعامل معها يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعتها مزدوجة الاستخدام.

والهدف المنشود هو تعزيز المسؤولية المدنية، لا إثارة الذعر أو فرض حظر شامل ، فينبغي للإسرائيليين معرفة المناطق التي يُحظر فيها الطيران، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، وإدراك المخاطر المترتبة على التحليق بالقرب من المنشآت الحساسة، وتقبّل حقيقة أن بعض المناطق تخضع لقيود صارمة ، فالاعتماد على التكنولوجيا وإجراءات الإنفاذ وحدها لا يكفي لتحقيق المرونة الوطنية؛ إذ يتعين على الجمهور أيضاً استيعاب القواعد الجديدة.

توصيات الخبراء في الكيان.

بعد استعراض طبيعة التهديد، والثغرات القانونية، وأوجه القصور في توزيع المسؤوليات الحالي، تتمثل الخطوة التالية في الانتقال من تشخيص المشكلة إلى معالجتها.

يتطلب تهديد الطائرات المسيرة (الدرونز) مجموعة من التوصيات العملية والمرحلية والقابلة للتنفيذ، بحيث تراعي الاستخدام المدني المشروع واحتمالية تحويل هذه الطائرات إلى أسلحة أو استخدامها لأغراض خبيثة.

وتنتقل التوصيات الواردة أدناه من مرحلة التشخيص إلى صياغة استجابة وطنية شاملة، تدمج بين المسؤولية المؤسسية، والتشريعات، وإنفاذ القانون، والتكنولوجيا، والرقابة المدنية ضمن إطار وطني موحد.

ينبغي إنشاء هيئة تنسيق وطنية دائمة تتولى بوضوح مسؤولية التعامل مع تهديد الطائرات المسيرة، وتتمتع بصلاحيات سارية في الظروف العادية وحالات الطوارئ على حد سواء.

ويجب أن تعمل هذه الهيئة كحلقة وصل بين جميع الجهات المعنية، بما في ذلك القوات الجوية، والشرطة، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وسلطة الطيران المدني، وقيادة الجبهة الداخلية، والمديرية الوطنية للسايبر، ووزارة النقل، ووزارة الدفاع، والسلطات المحلية، والمؤسسات المسؤولة عن البنية التحتية. وتتمثل مهامها في:

1. تكوين صورة محدثة ومستمرة للوضع على المستوى الوطني.

2. وضع المعايير، وإجراء تدريبات تحاكي سيناريوهات مختلفة.

3. تحديد توزيع الصلاحيات لضمان عدم ضياع المسؤوليات في الفجوات الفاصلة بين المهام العسكرية والمدنية.

يجب تحديث الإطار القانوني ليتماشى مع التطورات التكنولوجية الراهنة؛ إذ ينبغي أن يفرض متطلبات للتعريف عن بُعد وتسجيل فعال للطائرات المسيرة ومشغليها، ويحدد مسؤوليات المستوردين والموردين، ويخضع عمليات البيع للترخيص والرقابة والتتبع.

كما يجب تزويد السلطات بآليات قانونية لإنشاء مناطق حظر طيران -سواء كانت دائمة أو متغيرة حسب الحاجة- ومنحها صلاحيات تحييد الطائرات المسيرة المشبوهة، مع توفير حماية قانونية لمشغلي أنظمة الاعتراض، شريطة أن يخضع عملهم للتوثيق والرقابة.

 

وتُبنى هذه الثقة عندما يدرك الجمهور حجم الخطر ويرى الدولة تتحرك بحزم، مع علمه بأن تصرفاتها تظل خاضعة للقيود والتدقيق والمساءلة.

الخلاصة.

تستوجب الطائرات المسيرة (الدرونز) استجابةً محددةً وواضحةً، وذلك تحديداً لأنها تتجاوز الفواصل التقليدية بين الأنشطة المدنية والعسكرية، وبين الأمن الداخلي والأمن القومي، وبين التكنولوجيا البسيطة وأنظمة القتال المتقدمة، وبين الحريات المدنية وضرورات الحماية.

إن هذه الطائرات ليست مجرد أجهزة فردية؛ بل هي تعبير عن عصر باتت فيه الأنظمة منخفضة التكلفة والمتاحة للجميع واللامركزية قادرةً على إحداث تأثيرات واسعة النطاق.

فاعتبارها مجرد ألعاب قد يؤدي إلى مفاجآت غير سارة، سواء في ساحات القتال أو في الأماكن العامة، في حين أن التعامل مع كل طائرة مسيرة على أنها تهديد عسكري قد يلحق الضرر بالمجتمع المفتوح واقتصاده المدني ، ويكمن التحدي في صياغة نهج يجمع بين التوازن والحزم في آن واحد.

يتعين على الكيان التحرك استباقياً قبل أن تفرض عليها الظروف التعامل مع هذه القضية قسراً، إثر وقوع حادثة كبرى تشمل طائرة مسيرة في مكان عام أو هجوم واسع النطاق بأسراب من هذه الطائرات على طول الحدود.

إذ تفرض الظروف الإقليمية، وعقائد الإبادة التي يتبناها الأعداء، والدروس المستفادة من الحروب الراهنة، والسرعة التي تتحول بها التقنيات المدنية إلى أسلحة، ضرورة اتخاذ إجراءات استباقية.

ولذا، يجب أن تكون الاستجابة الإسرائيلية نتاج جهد وطني متوازن ومتعدد الجوانب؛ يجمع بين تحديث التشريعات وتحديد المسؤوليات المؤسسية بوضوح، وبين أنظمة دفاع تكنولوجية متعددة الطبقات، والتدريبات المستمرة، والجهود الاستخباراتية، والقدرات الصناعية، وتعزيز صمود المجتمع.

في المستقبل القريب، قد لا تكمن المسألة الحاسمة في كيفية تصنيف الجهاز بحد ذاته، بل في قدرة الدولة على إدراك اللحظة التي تتحول فيها أداة مدنية إلى سلاح.

وستحدد الإجابة عن هذا السؤال ما هو أبعد من مجرد فعالية الدفاعات الجوية أو أمن المنشآت الحساسة؛ إذ ستحدد أيضاً قدرة الكيان على الحفاظ على حياة مدنية مفتوحة وآمنة في ظل واقع يمكن فيه لطائرة مسيرة أن تقلع من فناء منزل، أو سطح مبنى، أو سيارة، أو قارب.

إن تهديد الطائرات المسيرة ليس قضية هامشية، بل هو اختبار حقيقي لمدى الجاهزية الوطنية لإسرائيل.

المصدر الأساسي للتقرير / https://jiss.org.il/en/siboni-winner-the-drone-threat/

خلاصتي كمحلل سياسي قومي عربي .

في المحصلة، يتبين من خلال توصيات الخبراء والمسؤولين داخل الكيان أن المحتل يواجه مأزقاً استراتيجياً غير مسبوق؛ فمهما فرض من تشريعات طوارئ، أو أنشأ هيئات تنسيقية، أو كثّف من شبكات الرصد والاعتراض، فلن يستطيع إيقاف التغير التكنولوجي والميداني الذي أعاد صياغة ميزان القوى.

إن محاولة الكيان تحويل كل طائرة مسيرة مدنية إلى أداة مشبوهة وتكبيل مجتمعه بالقيود الأمنية يعكس الحقيقة الساطعة: لا يمكن لكيان استيطاني قائم على الاحتلال أن يحقق أمنه المطلق عبر التكنولوجيا وحدها حين تتهاوى أسطورة تفوقه الجوي.

إن سماء المنطقة لم تعد متنفساً حراً لطائرات العدو ومقاتلاته بدون ثمن، بل أضحت مسرحاً مفتوحاً لخيارات المقاومة والردع الشعبي والإقليمي. وما يشهده الكيان اليوم من ذعر وتنظيم لمجاله الجوي ليس إلا بداية لمرحلة جديدة يُفرَض فيها عليه أن يدفع ثمن استمرار عدوانه، بعد أن أثبتت التطورات الميدانية أن إرادة الشعوب وابتكاراتها القتالية القادرة على اختراق جدرانه ستبقى دائماً أسرع من قدرته على التكيف والسيطرة.

شارك