
الطاقة ورسم خريطة المشرق..لِمَن تُترك قيادة العالم..؟
مركز إنشاء للمعلومات
بقلم رئيس التحرير
تبرَّم وإنزعج حين سُئل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، قبل أسابيع، عن الإجتماع الخليجيّ الإيرانيّ والذي أُلْغيَ بعدما كان مرتقباً في صلالة في سلطنة عمان، وقبل، تساءل عن جدوى تحمُّل واشنطن وحدها كلفة حماية مسارات الطاقة في الخليج، إذ أنّه عاد ليعوّل على سجلّ إنجازات في الشرق الأوسط، ليسارع إلى دعوة قادة المنطقة المتواجدين في الإجتماع السنويّ للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة على عجلن ترامب، الذي لا يهمّه إجتماع صلالة، صار يحتاج قادة المنطقة أكثر فالإجتماع الذي ضمّ في النهاية قادة الخليج، ومعهم العاهل الأردنيّ ورئيسَي حكومتَي العراق ولبنان والرئيسَين السوريّ والتركيّ ووزير الخارجيّة المصريّ، يُستنتج منه إتّساع مسرح العمليّات العسكريّة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، وحراك جماعة الحوثيّ وفصائل العراق لإستهداف السعوديّة، وهذا يدل على معنى أوسع لفهم دعوة ترامب إلى كلّ قادة المنطقة.
وعليه، لم يكن إجتماع نيويورك لقاءً شكليّاً وتوقيته عشوائياً، فقد سبق الإجتماع بيومين قمّة ترامب والزعيم الصينيّ شي جين بينغ في واشنطن، وجاء بعد أيّام من إلغاء إجتماع صلالة بين إيران ودول خليجيّة، وبعد ساعات من تراجع أميركيّ في اللحظة الأخيرة عن غارة جاهزة ضدّ الحوثيّين، ليبدو أنه أمام قرار كبير، ويحتاج إلى التداول والتشاور ويطّلع من عواصم المنطقة على ما لا يعرفه، وقبل وصوله إلى نيويورك كان قد هدّد بقيامه بأمّ المعارك ضدّ إيران، وبعد الوصول ظهر الإرتياح على وجهه، بوصفه إجتماع صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر مع مسؤولين إيرانيّين، بأنّه كان إيجابيّاً وواعداً.
فقد تطوّرت الحرب وتمدّدت، وصارت بعد إغلاق مضيق هرمز، تهدّد بإغلاق مضيق باب المندب، فيما إشتعال جبهات اليمن يضغط مباشرة على السعوديّة ويقترب من أبواب حلفائها، من مصر إلى تركيا مروراً بباكستان، ففي العقود الأخيرة من القرن العشرين، يبدو أن الثورة الصناعية قد غيّرت وسائل الإنتاج مرةً أخرى، مع الإلكترونيات والحواسيب والإتصالات وغيرها، وأصبح بالإمكان تصميم المنتج في بلد، وتصنيع مكوّناته في بلدان أخرى، ثم تجميعه وتسويقه عبر العالم، وتجاوزت الإحتياجات المتبادَلة الحدود الجغرافية، وأصبحت قدرة الدولة على التأثير في المال والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج والتجارة، مصدراً متزايد الأهمية لنفوذها.
واليوم، هناك الكثير من الأسئلة التي تُطرح في دول المنطقة، عمّا تخطّط له إدارة ترامب، ويكثر حديث البنتاغون عن تخفيف الوجود العسكريّ، وتواصل واشنطن المعلن مع الحوثيّين، وإتّفاق مزعوم على عدم إعتراض السفن الأميركيّة، وغضّ الطرف عن إعلانهم أنّ الإستهداف سيطال السفن السعوديّة وحدها، ثمّ التراجع عن ضربة كانت المقاتلات الأميركيّة بصدد تنفيذها ضدّ الجماعة في اليمن.
فقد كشفت معلومات ل #مركز_إنشاء_للمعلومات في واشنطن، بأنّ الملفّ الميداني العسكري بات مركّباً، ولا يقتصر على الخليج وحده، حيث تتأثّر دول المنطقة جميعها بإغلاق الممرّات، وبوكلاء إيران في اليمن والعراق ولبنان، وبأيّ تسوية محتملة قد تطلّ برأسها، وقد حضرت تركيا صاحبة معادلات سوريا والطاقة والممرّات، وحضرت سوريا، لأنّ أيّ خطّة لليوم التالي تمسّ دمشق مباشرة، وحضرت مصر والأردن لأنّ أمن البحر الأحمر وغزّة والطاقة يمرّ عبرهما، وفي واشنطن دار همسٌ بأنّ الأخيرة، تريد إدارة الحرب مع إيران من خلال طاولة إقليميّة واسعة، تمنحها غطاءً سياسيّاً لتقوية موقفه أمام الصيني في زيارة الرئيس تشي.
ففي داخل إجتماعات نيويورك، وكالعادة أكّد ترامب على ثوابته في مواجهة إيران وعزلها ماليّاً، ومنعها من إمتلاك سلاح نوويّ، وضمان تدفّق النفط، وفي المقابل، كان حريصاً على إظهار أنّ باب التفاوض لم يغلَق، لدرجة أنّه كشف عن أنّ إجتماع ويتكوف وكوشنر مع الإيرانيّين، الذي إستمر لثلاث ساعات، كان مثمراً، مستنتجاً وجود زخم للذهاب نحو إتّفاق، ليبدو أن ترمب يفاوض ويضغط في آن واحد، وأنّه يريد من الإجتماع غطاءً لتصعيد أو تسوية، لا تُظهر واشنطن وكأنّها تخلّت عن الحلفاء، لكنّ المصادر عينها كشفت أنّ أهميّة الإجتماع تتّعلق أيضاً بالقمّة مع شي جين بي، إذ يحتاج ترامب إلى تهدئة نسبيّة في أسواق الطاقة وعدم فتح جبهة جديدة تضعف موقفه أمام الزعيم الصينيّ، وإلى إشارة جماعيّة إلى أنّ المنطقة لا تزال ضمن المظلّة الأميركيّة، لا تحت ترتيبات إيرانيّة أو صينيّة موازية.
كل هذا التباطؤ والتردد وحال اللايقين في العالم اليوم، لأنه أمام تحوُّلات تتعلق بالتقدم التكنولوجي وثورة الذكاء الصناعي كثورة صناعية رابعة نعيشها، وتقوم على وصل الإنتاج المادي بالبيانات والذكاء الإصطناعي والروبوتات والآلات المتصلة، حيث لم تعد المسألة إنتاج عددٍ أكبر من السلع فحسب، بل القدرة على تطوير التقنيات التي تُصمَّم بها السلع وتُدار بها المصانع والشبكات والأسواق، ومن يملك التكنولوجيا ورأس المال والمعايير التي تنظّم إستخدامها، يستطيع التأثير في خيارات دولٍ بعيدة، من دون أن يسيطر على أرضها، وهذا له معنى يتعلق بالقوة العسكرية التي فقدت مكانتها، رغم بلوغ الإنفاق العسكري العالمي، حوالي 2.887 تريليون دولار عام 2025، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، فقد أنفقت الولايات المتحدة 954 مليار دولار، والصين 336 مليار دولار، وروسيا 190 مليار دولار.، أما الهند فأنفقت 92.1 مليار دولار، مقابل 89 مليار دولار لبريطانيا و68 مليار دولار لفرنسا، لكن حجم الإنفاق العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يحدّد وحده من يقود العالم، إذ ان عناصر قوة، تظهر في القيادة أيضاًن وفي قدرة الدولة على جمع الحلفاء، وتنسيق مواقفهم، والتأثير في خيارات الدول الأخرى، والمساهمة في وضع القواعد التي يتحرّك العالم ضمنها.
وهنا، يربط الباحث البريطاني إيان كلارك، في كتابه الهيمنة في المجتمع الدولي عام 2011، موقع الدولة القائدة بإعتراف الدول الأخرى بدورها، وتشير دراسة نشرها شياويو بو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيفادا، عام 2026، لأهمية ما تقدّمه القوة الكبرى من منافع عامة في تحويل قدراتها إلى قيادة تلقى قبولاً، فالشرعية والإتباع لا ينفصلان عن القوة، إنهما من العناصر التي تجعل تأثيرها مستمراًن وفي عام 2026، تتعدد القوى الفاعلة على الساحة الدولية، حيث تتقدّم الصين في الصناعة والصادرات من السلع، وتمتلك روسيا والهند والقوى الأوروبية قدراتٍ وأدواراً مؤثرة، لكن الولايات المتحدة تُظهر الفاعلية الأوسع في الجمع بين قوتها العسكرية والمالية والتكنولوجية، وشبكة حلفائها، وقدرتها على تنسيق العمل معهم والتأثير في مسار أزماتٍ تمتدّ من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وأمن الطاقة والممرات البحرية، فلا يزال الدولار يشكّل نحو 60% من إحتياطيات النقد الأجنبي المعلنة في نهاية عام 2025، وفي الذكاء الإصطناعي، بلغ الإستثمار الخاص الأميركي نحو 285.9 مليار دولار عام 2025، مقابل 12.4 ملياراً في الصين، وفق تقرير جامعة ستانفورد، علماً أنّ الاستثمار الخاص لا يشمل كامل التمويل الصيني الذي توجّهه الدولة.
وهنا نقول أن فاعلية القيادة الأميركية، لا تعني أنّ علاقتها بحلفائها تخلو من التوتر، فقد طرحت الحرب مع إيران، وما رافقها من إعتداءاتٍ إيرانيةٍ طالت دولاً خليجيةً وإضطرابٍ شديدٍ في الملاحة عبر مضيق هرمز، أسئلةً عن الخيارات الأميركية حين تمتدّ كلفة المواجهة إلى أراضي الحلفاء ومصالحهم الإقتصادية، وهذا له أيضاً علاقة في أوروبا أيضاً، فقد أظهرت الحرب الروسية على أوكرانيا، أنّ التحالف مع واشنطن لا يعني تطابق المواقف معها، إذ يتمسّك الاتحاد الأوروبي بألّا تُفرض تسوية على أوكرانيا، ويرفض تغيير الحدود بالقوة، ويطالب بضمانات أمنية طويلة الأمد، وفي الفضاء الأمني، برزت المطالبة بتعزيز القدرة الدفاعية الأوروبية، مع إستمرار التعاون داخل حلف شمال الأطلسي، أما في التجارة، فقد وضع البرلمان الأوروبي ضمانات لإتفاق الرسوم مع واشنطن، بينها إمكان تعليق التسهيلات إذا أخلّت الولايات المتحدة بإلْتزاماتها أو مارست ضغطاً إقتصادياً على الاتحاد، وزاد على الخلافات مع أوروبا، تعثُّر المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، أحد أقرب حلفاء واشنطن، في ظلّ خلافٍ على الرسوم وشروط التبادل التجاري، وردّت أوتاوا بإجراءات مقابلة، وإتجهت إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية مع أوروبا لتخفيف إعتمادها على السوق الأميركية، من دون أن تعني هذه الخلافات تفكّك التحالفات التي تقودها واشنطن، لكنها تبيّن أنّ المحافظة عليها تتطلّب مراعاة مصالح الحلفاء، وهذا تحدٍّ جديدٍ مطروح أمام السياسات الأميركية في ميدان السياسة الخارجية.
اليوم، لم يعد يُحسم الصراع على قيادة العالم بعدد الجنود أو المصانع أو حاملات الطائرات وحدها، فالدولة القائدة تحتاج أيضاً إلى حلفاء يتعاونون معها، ودولٍ تقبل بدورها، وقدرةٍ على تنظيم العمل المشترك والتأثير في مسار الأزمات، فالولايات المتحدة ليست اللاعب الوحيد، لكنها لا تزال اللاعب الأكثر فاعليةً في قيادة النظام الدولي، وهذا يتعلق بإدارة ملفات ومستجدّات الشرق الأوسط، وتداعيات التصعيد على الأمن والإستقرار ، والحفاظ على أمن وحرّية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندبن مع القدرة على إحتواء التوتّرات، وتعزيز المسارات السياسيّة والدبلوماسيّة.
فهل أعادت واشنطن الملفّ إلى حضنها بعد إلغاء اجتماع صلالة.؟ وهل أثبتت أنّ أيّ مخرج لإيران أو لليمن لن يُصاغ بعيداً عن الطاولة الأميركيّة؟وهل سيبقى الخيار العسكريّ قائماً من دون إلتزام بتنفيذه فوراً..؟ إنها مطالب لدول المنطقة وخيارات مفتوحة تُترك لترامب كونه يحتاجها، مع حاجته أيضاً لمواصلة الضغط على إيران من دون إغلاق باب التفاوض، ولمنع إتّساع الحرب بما يهدّد أسواق الطاقة والممرّات البحريّة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على إصطفاف حلفائه الإقليميّين خلف واشنطن..


