الديودراما… مساحة للحوار وتلاقي الإنسان

«المسرح هو المكان الذي يلتقي فيه الإنسان بنفسه وبالآخر.»

ومن هذه الفكرة يمكن قراءة تجربة مهرجان سَلَميّة الأول للديودراما 2026، الذي اختتمت فعالياته يوم أمس، بعد خمسة أيام امتدت من 22 وحتى 26 أيلول 2026، ليكون أكثر من مجرد مجموعة عروض مسرحية؛ فقد شكّل مساحة ثقافية وفنية جمعت فنانين ومبدعين وفرقًا مسرحية من محافظات سورية متعددة، والتقت فيها الخشبة بالجمهور، والتجربة بالتجربة، والإنسان بالإنسان.

الديودراما… تكثيفٌ للفكرة ومساحةٌ للحوار

تقوم الديودراما على حضور ممثلين اثنين في فضاء العرض، وهو شكل مسرحي يفرض على الممثل والكاتب والمخرج مسؤولية مضاعفة في بناء الشخصية والعلاقة والصراع والإيقاع.

ففي هذا الاختزال يصبح الحوار أكثر كثافة، والحركة أكثر دلالة، والتفاعل بين الشخصيتين محورًا أساسيًا في تشكيل العالم المسرحي. ومن خلال الكتابة والرؤية الإخراجية والأداء، يستطيع ممثلان فقط أن يصنعا فضاءً مسرحيًا متكاملًا، يحمل أسئلة الإنسان وتناقضاته وانفعالاته.

وخلال أيام المهرجان، تنوعت العروض في موضوعاتها وأشكالها الفنية، وقدمت تجارب مختلفة عكست المواهب والطاقات الإبداعية لدى شباب المسرح السوري، وجعلت من الخشبة مساحة للتعارف وتبادل الخبرات والتفاعل مع الجمهور.

سَلَميّة… حين يصبح الفن جسرًا

كانت سَلَميّة خلال أيام المهرجان ملتقى للتجارب المسرحية القادمة من محافظات سورية متعددة، فاحتضنت الفنانين والفرق والجمهور، وفتحت مساحاتها للحوار والنقاش والتبادل الثقافي.

ومن هنا تتجلى أهمية هذه التجربة؛ فالفن لا يعيش منفصلًا عن الإنسان، والمسرح تحديدًا يمنحنا فرصة للتأمل وفهم الذات والآخر، والاستماع إلى وجهات نظر وتجارب مختلفة بعيدًا عن الحواجز.

وفي هذا المعنى، بدا المهرجان صورة جميلة عن إمكانية أن تكون الثقافة مساحة تجمع السوريين، وأن تتحول الخشبة إلى مكان للحوار والتلاقي، وأن يكون الاختلاف مصدرًا للثراء والإبداع.

جوائز المهرجان… احتفاء بالتجربة والإبداع

في ختام الدورة الأولى، اجتمعت لجنة التحكيم المؤلفة من الفنانين جيانا عيد، حسام الشاه، وزيد الظريف، لمناقشة العروض المشاركة، وأقرت الجوائز التالية:

جائزة أفضل عرض ذهبت إلى مسرحية «هذيان» لفرقة حاتم علي المسرحية من محافظة درعا، تأليف خليل الرز وإخراج فراس المقبل.

جائزة أفضل ممثل مناصفةً بين الفنان محمد تلاوي عن دوره في مسرحية «نادي للضحك»، تأليف عمار نعمة جابر وإخراج مهند زيداني، والفنان عمر الذهبي عن دوره في مسرحية «أدرينالين»، تأليف محمد ياسين وإخراج فادي محمد سعيد.

جائزة أفضل إخراج حصل عليها الفنان مهند زيداني عن عرضه «نادي للضحك».

جائزة لجنة التحكيم الخاصة ذهبت إلى عرض «الرسم الأخير» لفرقة صدى سَلَميّة، وهو توليف من نص لعصام نبيل وعدة نصوص أخرى، وإخراج محمد الشعراني.

وتأتي هذه الجوائز في لحظة احتفالية تؤكد قيمة التجارب المشاركة، وتمنح أصحابها تقديرًا مستحقًا على ما قدموه فوق الخشبة، كما تشكل حافزًا لمواصلة العمل والتجريب وتطوير أدوات المسرح.

شركاء النجاح

أقيم المهرجان بتنظيم وزارة الثقافة – مديرية المسارح والموسيقا، ومديرية الثقافة في حماة، بالتعاون مع فرقة صدى سَلَميّة المسرحية، وبدعم ورعاية المجلس الشيعي الإمامي الإسماعيلي لصاحب السمو الأمير آغا خان لسوريا، ومؤسسة الآغا خان للتنمية في سوريا.

وهنا لا بد من توجيه الشكر والتقدير لكل الجهات التي ساهمت في دعم هذه التجربة الثقافية، وإلى كل من آمن بأن المسرح يستحق أن يجد له مساحة وحضورًا في مدننا ومحافظاتنا.

والشكر موصول إلى إدارة المهرجان ممثلة بالفنان المسرحي الأستاذ محمد الشعراني، وإلى جميع أعضاء فريق العمل، والفنانين والفرق المشاركة، والمتطوعين، وكل من بذل جهدًا ووقتًا في سبيل إنجاح هذه الدورة.

تحية لكل من وقف خلف هذا المهرجان، ولكل فنان اعتلى الخشبة، ولكل من حضر وصفّق وناقش وحاور، ولكل يدٍ ساهمت في أن تصل هذه التجربة إلى ختامها.

المسرح لا ينتهي بانتهاء العرض، فالأثر الحقيقي يبدأ حين يغادر الجمهور الصالة وهو يحمل سؤالًا جديدًا، أو فكرةً تستحق التأمل.

لقد انتهت أيام المهرجان، غير أن ما تركه من لقاءات وتجارب وأسئلة وعلاقات إنسانية يمكن أن يبقى أساسًا لدورات قادمة، وتجارب أكثر اتساعًا، وحضورٍ مسرحي يليق بسَلَميّة وبالمشهد الثقافي السوري.

نسأل الله أن تبقى سَلَميّة بيتًا مفتوحًا للثقافة والفن، وأن تتسع خشباتها لكل إبداع جميل، وأن يبقى المسرح جسرًا للمحبة والحوار والسلام، وأن يوفق كل من يعمل من أجل الثقافة والمعرفة وخدمة الإنسان.

فحين يجمعنا الفن، نتذكر أن اختلافنا يمكن أن يكون ثراءً، وأن الحوار يصبح أجمل حين يبدأ من الثقافة.

بقلم  أ. عصام كحلة

شارك