فرنسا ولبنان…  من العلاقة التاريخية إلى الحوار مع المكوّن الشيعي

 

 

 

كتب /نبيل الشريف:

 

تأتي زيارة السفير الفرنسي في لبنان باتريك دوريل إلى مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولقاؤه بسماحة نائب رئيس المجلس الشيخ علي الخطيب، في لحظة لبنانية دقيقة، لتفتح باباً يتجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي والبروتوكولي، نحو حوار مباشر مع أحد المكوّنات الوطنية اللبنانية الأساسية.

فأهمية الزيارة لا تكمن فقط في مكان انعقادها أو في مستوى الحضور، بل في الرسالة التي يمكن أن تحملها:

أن الحوار مع لبنان لا يكتمل من دون الحوار مع جميع مكوّناته ومؤسساته ومرجعياته، وأن التواصل لا يعني بالضرورة الاتفاق، كما أن الاختلاف لا ينبغي أن يعني القطيعة.

والمكوّن الوطني الشيعي لم يصبح اليوم مكوّناً لبنانياً بفعل التحولات السياسية، بل كان وسيظل من أهم المكوّنات الوطنية اللبنانية، حضوراً وتجذراً وإسهاماً، وتمسكاً بالدولة وبالسيادة وبالأرض والديار.

وله مؤسساته ومرجعياته وحضوره الديني والاجتماعي والوطني، وفي مقدمتها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

ومن هنا تكتسب زيارة السفير الفرنسي أهمية خاصة، لأنها تضع العلاقة بين فرنسا والمكوّن الشيعي أمام مساحة جديدة من الحوار، بعيداً عن الاختزال أو الصور النمطية، وفي إطار لبناني يحترم الدولة ومؤسساتها وسيادتها.

المقاومة والسيادة اللبنانية…

جوهر النقاش.

الحديث عن المقاومة خلال لقاء السفير الفرنسي يرتبط مباشرة بالسؤال الأكبر:

من يحمي السيادة اللبنانية؟

فالمقاومة، في الوعي والفكر والنهج الذي يستند إليه خطاب الشيخ علي الخطيب، لا تُطرح بوصفها نقيضاً للسيادة، بل بوصفها نتاجاً لمرحلة كان فيها جزء من الأرض اللبنانية عرضة للاحتلال والاعتداء، وفي ظل سؤال دائم حول قدرة الدولة على حماية كامل أراضيها.

وهنا يكتسب استحضار تجربة المقاومة الفرنسية مع الاحتلال الألماني معناه.

فحين واجهت فرنسا الاحتلال، لم يكن الدفاع عن الأرض يُفهم باعتباره خروجاً على السيادة الفرنسية، بل باعتباره تعبيراً عن التمسك بها واستعادتها.

لكن إسقاط التجربة الفرنسية على لبنان بصورة حرفية سيكون تبسيطاً للتاريخ؛ فلكل بلد ظروفه، ولكل مرحلة طبيعتها، والدولة اللبنانية ومؤسساتها ودستورها هي الإطار الذي ينبغي أن تُبحث داخله القضايا الوطنية.

ولهذا لا ينبغي اختصار المسألة اللبنانية في سؤال:

هل مع المقاومة أم ضدها؟

السؤال الأعمق هو:

كيف تتحول مقاومة الاحتلال إلى حماية مستدامة للسيادة اللبنانية؟

وكيف تنتقل مسؤولية الدفاع عن الأرض، بصورة متدرجة ومتوافق عليها بالحوار الوطني وضمن المؤسسات الوطنية، إلى دولة قادرة فعلاً على حماية حدودها ومواطنيها؟

هنا يلتقي مفهوما المقاومة والسيادة بدل أن يتناقضا.

فإذا كانت السيادة تعني أن لبنان وحده يقرر مصير أرضه وشعبه، فإن مقاومة الاحتلال يمكن أن تُفهم، في سياقها التاريخي، باعتبارها أحد أشكال التمسك بهذه السيادة عندما تكون الدولة عاجزة عن ممارستها كاملة.

وفي المقابل، فإن اكتمال السيادة يعني في النهاية أن تكون الدولة اللبنانية قادرة على حماية أراضيها وحدودها، وأن يكون قرار الحرب والسلم قراراً لبنانياً، وألا يبقى أي جزء من الأراضي اللبنانية خاضعاً للاحتلال أو مهدداً بالاعتداء.

ومن هنا، فإن الهدف النهائي ليس السلاح بحد ذاته، ولا المقاومة لذاتها، بل السيادة اللبنانية.

وهذه النقطة تحديداً يمكن أن تشكل مساحة حوار حقيقية بين بيروت وباريس.

ففرنسا، التي تحمل في ذاكرتها الوطنية تجربة المقاومة ضد الاحتلال، تستطيع أن تفهم لماذا ارتبطت المقاومة في الوعي اللبناني بمسألة الأرض والسيادة.

وفي المقابل، يستطيع اللبنانيون أن يفهموا إصرار فرنسا على قيام دولة لبنانية قوية، وعلى أن تكون مؤسساتها قادرة على ممارسة سيادتها كاملة.

وبذلك يصبح السؤال أقل استقطاباً وأكثر عمقاً:

كيف ننتقل من مقاومة الاحتلال إلى دولة تحمي السيادة؟

إنه سؤال لا يفترض مسبقاً جواباً واحداً، لكنه يضع الجميع أمام غاية مشتركة:

لبنان السيد على أرضه، صاحب القرار في أمنه، والقادر على حماية شعبه وحدوده.

لماذا تأتي الزيارة في هذا التوقيت؟

لا يمكن فصل زيارة السفير دوريل عن طبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة.

فالسيادة، والجنوب، والاحتلال، وأمن الحدود، ودور الدولة، وإعادة الإعمار، والعلاقات الإقليمية والدولية، كلها ملفات تجعل الحوار مع مختلف القوى والمؤسسات اللبنانية أكثر ضرورة.

ومن هنا، فإن التواصل الفرنسي مع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لفهم أوسع للواقع اللبناني، لا باعتباره إعلاناً عن تطابق سياسي.

ففرنسا تستطيع أن تتمسك بعلاقتها مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه تتحاور مع المرجعيات والمكوّنات الوطنية المختلفة.

وهذه ليست مفارقة، بل هي جوهر العمل الدبلوماسي.

الدبلوماسية في جوهرها هي القدرة على الحوار حتى مع من نختلف معه.

____من العلاقة التاريخية إلى الحوار

العلاقات اللبنانية ـ الفرنسية ليست علاقة عابرة بين دولتين، بل علاقة تاريخية تركت آثاراً واضحة في السياسة والثقافة والتعليم والحياة العامة اللبنانية.

لكن هذه العلاقة، بكل ما تحمله من ذاكرة وتعقيدات، لا ينبغي أن تبقى أسيرة الماضي.

فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى علاقة تقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وعدم المساس بالسيادة اللبنانية.

وفي هذا الإطار، تكتسب زيارة السفير إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى دلالة إضافية، لأنها تؤكد أن لبنان لا يُختصر بمؤسسة واحدة أو طائفة واحدة أو ملف سياسي واحد.

إنه دولة ومجتمع بكل مكوّناته.

___المكوّن الشيعي… حضور وطني لا ملف سياسي.

فالشيعة اللبنانيون ملفاً سياسياً واحداً، وبآن واحد.لا يمكن اختزالهم في حزب أو موقف أو سلاح.

إنهم مجتمع كامل وموحد يضم علماء ومثقفين وأطباء ومهندسين وتجاراً وطلاباً وعائلات ومؤسسات دينية واجتماعية وثقافية، وله رؤاه السياسية والوطنية المتعددة.

والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بما يمثله من مؤسسة دينية ووطنية، يمثل كل الشيعة وملتقى لكل المكونات …

ويمكن أن يكون مساحة للحوار حول لبنان، والعيش المشترك، والسيادة، والاستقرار، والعلاقات مع العالم.

ومن هنا، فإن التواصل الفرنسي معه لا يعني اتفاقاً سياسياً على كل شيء، كما أن استقبال السفير الفرنسي لا يعني تبني المواقف الفرنسية.

المهم أن يبقى الحوار قائماً على الندية والوضوح والاحترام المتبادل، وأن يكون لبنان هو الإطار الجامع.

___من السياسة إلى الإنسان.

ولا ينبغي أن تبقى العلاقات اللبنانية ـ الفرنسية أسيرة الملفات السياسية والأمنية.

فالتعليم والجامعات والمنح الدراسية والثقافة والبحث العلمي وتبادل الخبرات والشباب والحوار بين الأديان، كلها جسور أكثر استدامة بين الشعبين.

وهنا يمكن استحضار فكر الإمام السيد موسى الصدر في نظرته إلى المؤسسة الدينية باعتبارها مساحة للحوار، وخدمة الإنسان، والدفاع عن كرامته، وتعزيز العيش المشترك.

ومن هذا المنطلق، يمكن للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن يكون جسراً للحوار والتعاون بين لبنان وفرنسا، يحافظ على الهوية الوطنية، ويفتح في الوقت نفسه أبواباً جديدة أمام التعليم والثقافة والتبادل الإنساني.

خاتمة القول

زيارة السفير الفرنسي باتريك دوريل إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ولقاؤه بالشيخ العلامة علي الخطيب يمكن أن تكون بداية لمسار أوسع، إذا تحولت من لقاء دبلوماسي إلى حوار مستمر حول لبنان وسيادته ودوره ومستقبله.

وفي قلب هذا الحوار يبقى السؤال:

كيف تتحول مقاومة الاحتلال إلى دولة تحمي السيادة؟

فالحوار لا يعني الاتفاق، لكنه الطريق الأقصر إلى فهم الآخر؛ ومن فهم الآخر يبدأ التعاون، ومن احترام مكوّنات لبنان يبدأ احترام لبنان نفسه.

 

نبيل الشريف

شارك