
أ.سوسن شومان .. الهوية بين «المواطن» و«ابن الجماعة»
مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
حين تُوزَّع الحرية بالحصص وتُصادَر المواطنة باسم الانتماء
من أنت؟ سؤالٌ يسبق كلَّ الأسئلة
في مجتمعاتنا، لا يُسأل الإنسان عمّا يفكّر فيه، ولا عمّا يحمله من قناعات أو مشروع حياة، بل عمّا وُلد فيه. من أيّ طائفة أنت؟ من أيّ منطقة؟ ابنُ أيّ عائلة؟ ما قوميتك؟ وإلى أيّ حزب تميل؟ أسئلةٌ تتردّد في مقابلة عمل، وعند استئجار شقة، وعلى طاولة التعارف الأولى بين عائلتين، وأحيانًا على حاجزٍ عابر. تبدو في ظاهرها فضولًا اجتماعيًا بريئًا، لكنها في جوهرها أداةُ فرزٍ وتصنيف، تسبق أيّ اعتراف بالإنسان بوصفه مواطنًا، وتضعه سلفًا في خانةٍ لم يخترها.
هذا الترتيب في الأسئلة ليس عفويًا. إنه مرآةٌ لبنيةٍ اجتماعية وسياسية راسخة تُقدِّم الانتماء الأوّلي على الرابطة المدنية، فتجعل «ابن الجماعة» هو الهوية الأصلية، وتُحيل «المواطن» إلى صفةٍ قانونية تُدوَّن في الأوراق الرسمية ولا تكاد تُرى في الحياة اليومية. وفي لبنان تحديدًا، ظلّ القيد الطائفي حاضرًا في سجلات النفوس حتى بعد أن أُزيل من بطاقة الهوية، بما يشي بأن الدولة نفسها لا تعرف مواطنيها إلا عبر جماعاتهم.
المواطنة الحديثة في مواجهة الانتماءات الأولية
تقوم المواطنة الحديثة على مبدأ بسيطٍ وجذريّ في آن: الإنسان فردٌ صاحب حقوق وواجبات أمام الدولة والقانون، بصرف النظر عن طائفته أو عائلته أو منطقته أو حزبه. إنها رابطةٌ أفقية تجمع أفرادًا متساوين في الكرامة، ضمن عقدٍ اجتماعي وسياسي واضح، لا رابطةٌ عموديةٌ تمرّ عبر الزعيم أو الشيخ أو وجيه العائلة.
غير أن هذه الفكرة لم تُستكمل في كثير من مجتمعات منطقتنا. فقد بقيت الانتماءات الأولية، من العائلة والعشيرة إلى الطائفة والقومية والحزب، هي الأطر الفعلية التي تنظّم حياة الناس، وتوزّع عليهم الحماية والوظيفة والخدمة، بل والشرعية الاجتماعية ذاتها. والنصوص الدستورية شاهدةٌ على هذه المفارقة: فالمادة السابعة من الدستور اللبناني تنصّ على أن اللبنانيين سواءٌ لدى القانون، فيما دعت المادة 95 منذ تعديلات الطائف عام 1990 إلى تشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، هيئةٌ لم تبصر النور بعد أكثر من ثلاثة عقود. وفي العراق، رسّخ نظام «المحاصصة» الذي تلا عام 2003 منطقًا مشابهًا، حيث تُقسَّم المواقع العليا بين المكوّنات قبل أن يُسأل عن الكفاءة أو البرنامج.
في مثل هذه البنى، لا تكون الدولة مظلّةً جامعة، بل إطارًا شكليًا يُعاد داخله إنتاج منطق الجماعات. فالوظيفة العامة تُوزَّع بالحصص، والخدمة تُطلب عبر «المرجعية»، والمواطن الذي لا سند له من جماعته يجد نفسه مكشوفًا أمام دولةٍ لا تراه. ويبلغ هذا المنطق ذروته في قوانين الأحوال الشخصية : ففي لبنان ثماني عشرة طائفة معترفًا بها، لكلٍّ منها مرجعيتها وقواعدها في الزواج والطلاق والحضانة والإرث، فيما لا يزال الزواج المدني غير متاح على الأراضي اللبنانية، ما يدفع كثيرين إلى عقده في الخارج ثم تسجيله في الداخل. هكذا يُولد الإنسان، ويتزوّج، ويرث، ويُدفن، داخل حدود جماعته، ولا يلتقي بالدولة إلا عابرًا.
والنتيجة أن الفرد لا ينشأ مواطنًا يبحث عن ذاته وأفكاره، بل «ابنَ جماعة» تُحدَّد له هويته وانتماؤه، وأحيانًا خياره الانتخابي، منذ لحظة الولادة. وحين يحاول الخروج من هذا الإطار أو التفكير خارج حدوده، يُواجَه بالتشكيك أو النبذ، لأن الجماعة ترى في استقلاليته تهديدًا لتماسكها الداخلي، بل خيانةً صامتة.
الحرية المشروطة: «نحن مع الحرية… لكن ليس حريتهم»
من أخطر تجليات هذا التوتر الطريقةُ التي تُفهم بها الحرية في مجتمعٍ تحكمه منظومة «ابن الجماعة». فالحرية، بوصفها قيمةً إنسانية كونية، يُفترض أن تكون حقًا لكل إنسان أيًّا كان انتماؤه. لكنها في الممارسة تتحوّل إلى امتيازٍ جماعيّ، تمنحه كلّ جماعة لأبنائها المطيعين، وتحجبه في الوقت نفسه عن المخالفين من خارجها ومن داخلها على السواء.
هكذا يعلو خطابٌ مزدوج المعايير. «نحن مع حرية التعبير»، لكن حين يعبّر أحد أبناء الجماعة الأخرى عن رأيٍ مخالف يُتّهم بالتطاول والاستفزاز، وتُستنفر في وجهه المنابر ومنصّات التواصل. «نحن مع الحرية الدينية»، لكن حرية الاعتقاد، أو عدم الاعتقاد، داخل الجماعة نفسها تصبح خطًا أحمر. «نحن مع الديمقراطية»، لكن حين تأتي صناديق الاقتراع لصالح «الآخرين» تُطعن نتائجها ويُشكَّك في شرعيتها.
الحرية التي يُفترض أن تُحرّر الفرد من قيود الجماعة، تتحوّل إلى أداةٍ بيد الجماعة لضبط أفرادها ومحاصرة خصومها.
يكشف هذا الانتقاء أن الحرية لم تعد معيارًا يُقاس به احترام حقوق الإنسان بمعزلٍ عن هويته، بل غدت ورقةَ تفاوضٍ بين الجماعات، يستخدمها كلّ طرف لتثبيت موقعه وتوسيع نفوذه، لا لتحرير الإنسان الفرد. وقد نبّه الكاتب أمين معلوف في كتابه «الهويات القاتلة» إلى أن اختزال الإنسان في انتماءٍ واحد هو ما يحوّل الهوية من مصدر غنى إلى أداة إقصاء، بل إلى سلاح. فالإنسان مركّبٌ من انتماءات متعدّدة، ومحاولة حبسه في واحدٍ منها هي أولى خطوات مصادرته.
ثمن الانقسام فاتورةٌ يدفعها الجميع
لهذا النموذج، القائم على تفوّق «ابن الجماعة» على «المواطن»، كلفةٌ باهظة تتوزّع على ثلاثة مستويات متشابكة.
على المستوى الفردي ، يُصادَر حقّ الإنسان في تعريف ذاته بمعزلٍ عن جماعته، فيُختزل إلى امتدادٍ لهويةٍ جمعية لم يخترها. ويدفع الشباب الثمن الأعلى: فكثيرون منهم لا يرون أفقًا لطموحاتهم إلا في الهجرة، هربًا من سقفٍ اجتماعي وسياسي يقيس قيمتهم بانتمائهم لا بكفاءتهم. أما النساء، فيجدن أنفسهن في أحيانٍ كثيرة أمام قوانين أحوال شخصية تتفاوت حقوقهن فيها بحسب الطائفة التي وُلدن فيها.
وعلى المستوى الاجتماعي، تُعاد إنتاج الانقسامات الطائفية والمناطقية والحزبية جيلًا بعد جيل. فالمدارس والأحياء، وحتى وسائل الإعلام، تتوزّع في كثيرٍ من الأحيان على خطوط التماس ذاتها، وكلّ جماعة تُربّي أبناءها على منطق الحصار والدفاع، لا على منطق الانفتاح والحوار. ويكفي أن تنشأ أجيالٌ لا تعرف «الآخر» إلا عبر الصورة النمطية كي تبقى الذاكرة الجماعية مسكونةً بالخوف.
وعلى المستوى السياسي ، تبقى الدولة عاجزةً عن ترسيخ سلطة القانون الموحّد، لأن الولاءات الحقيقية تذهب أولًا إلى الطائفة أو الحزب أو العائلة، لا إلى المؤسسات الوطنية. ومن هنا تتحوّل المحاسبة إلى معركةٍ طائفية، ويغدو الفاسد محميًّا بجماعته، وتُفسَّر كلّ محاولة إصلاح على أنها استهدافٌ لـ«حقوق الطائفة». والنتيجة مجتمع مهمش منقسم و دولةٌ مشلولة، تتعطّل فيها الاستحقاقات الدستورية كلما اختلّ ميزان التوافق بين الجماعات.
نحو مواطنة فعلية
الخروج من هذا المأزق لا يعني إلغاء الانتماءات الأولية أو التنكّر لها، فهي جزءٌ أصيل من النسيج الاجتماعي، ومن حقّ كل إنسان أن يعتزّ بجذوره الثقافية والدينية والعائلية. المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات: أن تصبح المواطنة الإطارَ الجامع الذي يحتضن هذا التنوّع ويحميه، لا أن تبقى الانتماءات الفرعية هي التي تقرّر من يستحق الحرية والحقوق ومن لا يستحقها.
ويتطلّب ذلك ورشةً متكاملة على أكثر من جبهة. أولها الخطاب التربوي، عبر مناهج تُعلي قيمة الفرد المفكّر والمسؤول، وتقدّم تاريخًا مشتركًا لا رواياتٍ متقابلة. وثانيها الخطاب الإعلامي، بالانتقال من إعلام الجماعات إلى إعلامٍ يخاطب المواطن ويحترم عقله. وثالثها البنية القانونية والمؤسساتية، ببناء دولةٍ حقيقية تضمن الحقوق والحريات للجميع بالتساوي، وتفتح الباب أمام قانونٍ مدنيّ اختياري للأحوال الشخصية، وتطبّق ما نصّت عليه دساتيرها بدل أن تؤجّله إلى أجلٍ غير مسمّى. عندها فقط لا تعود الحرية امتيازًا تمنحه الجماعة لأبنائها، بل حقًّا إنسانيًا لا يتجزّأ ولا يُشترط بالانتماء.
فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل إنسان ليس «من أيّ جماعة أنت؟»، بل «من أنت، وبماذا تفكّر، وأيّ مواطن تريد أن تكون؟». وإلى أن يصبح هذا السؤال هو الأول، ستبقى المواطنة عندنا وعدًا مؤجّلًا، وستبقى الحرية حصّةً تُوزَّع لا حقًّا يُمارَس.



