30 ايلول.. الاكتفاء الذاتي سيادياً

 

 

عبدالزهرة محمد الهنداوي

 

الاكتفاء الذاتي لاينحصر في الغذاء او الدواء او اي متطلب حياتي اخر، انما هناك سقوف تبدو اعلى بكثير من سقوف هذه الاكتفاءات الفرعية، ولا يمكن الحديث عن اي اكتفاء حقيقي، قائم بذاته، ان لم يكن لدينا اكتفاء ذاتيا سياديا، وهذا الاخير هو الخيمة الجامعة المانعة لما دونه من اكتفاءات، وان بدت ذات اهمية كبيرة..

 

وهنا حين نتحدث عن الاكتفاء الذاتي السيادي، فاننا نقف بشموخ امام ما قدمه العراقيون جميعا من تضحيات للوصول الى هذا الاكتفاء، فاذا كان الاكتفاء الذاتي الغذائي يتحقق بزيادة المساحات المزروعة بمختلف المحاصيل الموسمية والاستراتيجية، ورفع غلتها الانتاجبة، وربطها بالصناعات التحويلية، واذا كان الاكتفاء الدوائي يتحقق بتوطين الصناعات الدوائية، واستيراد المتبقى لسد الفجوة المحلية، فان الاكتفاء الذاتي السيادي يحتاج الى دماء وتضحيات وصبر وجهاد وشجاعة وبطولات، وهذا ما كان عليه حال العراقيين، يوم اصبح العراق مهددا ببقائه على قيد الوجود، فكان ماكان من لوحات فريدة غير مسبوقة في مواجهة فلول الظلام،

 

وبعد سنوات عجاف والام عميقة، تمكن اهل العراق من تحقيق الاكتفاء الذاتي السيادي والامني، وها نحن نصل الى لحظة الاعلان الرسمي والنهائي عن تحقيق الاكتفاء الذاتي السيادي، وهنا اتحدث عن يوم 30 ايلول، فبحلول هذا اليوم سيمسي العراق خاليا تماما من اي وجود اجنبي، بعد ان يغادر ارضنا اخر فرد من افراد قوات التحالف الدولي، التي قدمت لنا وعلى مدى سنوات الكثير من الدعم والمساعدة في مواجهة الارهاب وتحقيق النصر.

 

وعندما نتحدث عن الوصول الى تحقيق الاكتفاء الذاتي سياديا وامنيا، فان من الانصاف ان نقف باجلال امام فتوى الوجوب الكفائي التي اصدرها المرجع الديني الكبير السيد علي السيستاني عام 2014، التي مثلت رأس النفيضة، لتلك الصولات، والتي اشتركت فيها كل قواتنا الامنية، بدءا من الحشد الشعبي الذي كان وليد تلك الفتوى المباركة، وقواتنا الامنية بجميع صنوفها، وتشكيلاتها، والبيشمركة، في تلك الايام امتزجت دماء العراقيين، معلنة وحدة الموقف والمصير، فكان ماكان من البطولات الفريدة والتضحيات الجسيمة، التي صنعت تاريخا فريدا، واعلنت عن ولادة جديدة للعراق، ليبقى قويا يطاول اعنان الشموخ بغارب .

 

لذلك فان 30 أيلول ليس مجرد يوم عادي في التقويم العراقي، يُشطب مع غروب الشمس، بل هو محطة فارقة في مسار الدولة العراقية الحديثة، ففي هذا اليوم، سيكتمل انتقال العراق من مرحلة الوجود العسكري الأجنبي إلى مرحلة جديدة عنوانها الاعتماد على القدرات الوطنية في حماية الأمن والسيادة.

 

وهنا تكمن القيمة الحقيقية ليوم 30 أيلول، فالاكتفاء الذاتي الأمني لا يعني أن العراق لم يعد بحاجة إلى العالم، بل يعني أنه لم يعد بحاجة إلى قوات أجنبية تتولى مهمة حماية أرضه، ذلك لان الدولة القوية ليست تلك التي تعزل نفسها، وإنما تلك التي تمتلك قرارها وقدراتها، وتبني علاقاتها الدولية من موقع الندية والمصالح المشتركة.

 

إن العراق الذي دفع ثمناً باهظاً من الدماء في معركته ضد الإرهاب، منحه وبكل جدارة استحقاق الانتقال إلى مرحلة جديدة، فيها تمتلك الدولة قرارها الأمني، وقوات قادرة على حماية حدودها، ومؤسسات تفرض القانون، وعلاقات دولية تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل.

شارك