
*واقع أمراض القلب والشرايين في لبنان والعالم عام 2026
الموت المفاجئ لأسباب قلبية عند «الرياضيين» وغيرهم*: *التعريف، الأسباب، كيفية الحدوث والوقاية*
*الجزء الأول*
*بقلم الدكتور طلال حمود*
بعد أن تناولنا في المقالات السابقة من هذا الملف أهم الإجراءات الواجب اعتمادها عند حدوث أزمة قلبية حادة، وعرّفنا توقّف القلب المفاجئ وأسبابه وكيفية التعرّف إليه والتعامل معه، ننتقل اليوم إلى موضوع بالغ الأهمية، وهو الموت القلبي المفاجئ، ولا سيما عند الرياضيين والشباب الذين قد يبدون أصحاء تماماً.
ومن المهم، منذ البداية، التفريق بين مصطلحين كثيراً ما يحدث الخلط بينهما:
توقّف القلب المفاجئ
Sudden Cardiac Arrest – SCA
هو التوقف المفاجئ للدوران الدموي نتيجة عجز القلب عن ضخ الدم بصورة فعّالة، فيفقد الشخص وعيه ولا يتنفس بصورة طبيعية. وهي حالة طارئة يمكن إنقاذ المصاب منها إذا بدأ الإنعاش القلبي الرئوي بسرعة، واستُخدم جهاز إزالة الرجفان الخارجي الآلي AED عندما يكون الإيقاع قابلاً للصدمة.
الموت القلبي المفاجئ
Sudden Cardiac Death – SCD
هو الموت الطبيعي وغير المتوقع الناتج عن سبب قلبي، ويحدث بصورة مفاجئة، وغالباً خلال فترة قصيرة من بدء الأعراض أو أحياناً من دون أي إنذار سابق.
وقد يتعرض الإنسان لتوقّف قلب مفاجئ وينجو منه بفضل الإنعاش وإزالة الرجفان؛ وفي هذه الحالة نتحدث عن توقّف قلب مفاجئ نجا منه المريض، وليس عن موت قلبي مفاجئ.
أولاً: ما حجم المشكلة في العالم عام 2026؟
لا تزال أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة في العالم.
وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية تسببت في نحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي حوالى 32% من مجموع الوفيات عالمياً، وكان احتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية مسؤولين عن نحو 85% من هذه الوفيات. (World Health Organization)
أما أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية المنشورة في عام 2026، والمبنية على بيانات عام 2023، فتشير إلى أن مرض القلب الإقفاري (Ischaemic Heart Disease) كان السبب الأول للوفاة عالمياً، مع نحو 9.5 ملايين وفاة، أي حوالى 16% من مجموع الوفيات في العالم. (World Health Organization)
وهذه الأرقام مهمة لوضع الموت القلبي المفاجئ في سياقه الصحيح: فمرض الشرايين التاجية يشكل سبباً رئيسياً للموت القلبي المفاجئ عند البالغين، وخصوصاً مع التقدم في العمر، بينما تختلف الأسباب عند الأطفال والمراهقين والشباب والرياضيين.
ثانياً: ماذا عن لبنان؟
لا نملك حتى الآن في لبنان سجلاً وطنياً شاملاً وموثوقاً للموت القلبي المفاجئ خارج المستشفيات، ولا سيما عند الرياضيين. ولذلك يجب الحذر من نشر أرقام محددة عن عدد هذه الحالات من دون مصدر وطني موثوق.
لكن المعطيات المتوافرة تؤكد وجود عبء مهم من عوامل الخطورة القلبية الوعائية.
وتشير استراتيجية منظمة الصحة العالمية للتعاون مع لبنان 2026–2029 إلى أن الأمراض غير السارية كانت مسؤولة عن نحو 64% من مجموع الوفيات بين البالغين في لبنان عام 2022، كما تشير إلى ارتفاع معدلات ارتفاع ضغط الدم والسكري، وإلى أن 28.2% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و69 عاماً لديهم خطورة قلبية وعائية مقدرة بـ20% أو أكثر خلال عشر سنوات وفق تعريف الدراسة. (EMRO Dashboards)
كما أظهر مسح WHO STEPS الأخير في لبنان، الذي أُجري خلال 2023–2024، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد من عوامل الخطورة، وعلى رأسها التدخين وزيادة الوزن والسمنة وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون وقلة النشاط البدني.
وهذه المعطيات تؤكد الحاجة إلى تكثيف الوقاية من أمراض القلب والشرايين في لبنان، ولا سيما مكافحة التدخين، وضبط ضغط الدم والسكري والكوليسترول، وتشجيع النشاط البدني والغذاء الصحي.
لكنها لا تسمح لنا، في المقابل، بإعطاء رقم دقيق عن عدد حالات الموت القلبي المفاجئ عند اللبنانيين أو الرياضيين اللبنانيين.
ثالثاً: كيف يحدث الموت القلبي المفاجئ؟
في كثير من الحالات، يكون الاضطراب الكهربائي الخطير في القلب هو الآلية النهائية التي تؤدي إلى توقّف الدورة الدموية.
ومن أهم هذه الاضطرابات:
1 ـ الرجفان البطيني
Ventricular Fibrillation – VF
تحدث فوضى كهربائية شديدة في البطينين، فبدلاً من انقباضهما بصورة منسقة، تصبح حركتهما سريعة وفوضوية وغير فعالة، ويتوقف القلب عملياً عن ضخ الدم.
2 ـ التسرّع البطيني
Ventricular Tachycardia – VT
يصبح نظم البطينين سريعاً بصورة شديدة، وقد يصبح الضخ غير فعّال، وقد يتحول التسرّع البطيني إلى رجفان بطيني وتوقّف للدورة الدموية.
3 ـ نظم القلب غير القابل للصدمة
مثل:
Asystolie
و
Pulseless Electrical Activity – PEA
وفي هذه الحالات لا تكون إزالة الرجفان مفيدة عادةً، ويكون التركيز على الإنعاش القلبي الرئوي ومعالجة الأسباب القابلة للعكس.
والنتيجة النهائية هي انقطاع وصول الدم والأكسجين إلى الدماغ والأعضاء الحيوية، فيفقد الإنسان وعيه خلال ثوانٍ، وإذا لم تتم المعالجة بسرعة تحدث الوفاة.
ولهذا فإن الوقت في حالات توقّف القلب ليس مجرد عامل مهم، بل هو جزء أساسي من العلاج نفسه.
رابعاً: أهم أسباب الموت القلبي المفاجئ
تختلف الأسباب بصورة كبيرة بحسب عمر الشخص وحالته الصحية.
أ- مرض الشرايين التاجية:
يُعد مرض الشرايين التاجية السبب الأهم للموت القلبي المفاجئ عند البالغين، وخصوصاً مع التقدم في العمر.
فقد يؤدي تمزق اللويحة العصيدية داخل الشريان التاجي وتشكّل جلطة حادة إلى احتشاء عضلة القلب، وقد يؤدي الاحتشاء إلى حدوث اضطراب خطير في نظم البطينين ومن ثم إلى توقّف القلب.
وتزداد الخطورة مع:
● التدخين.
● ارتفاع ضغط الدم.
● السكري.
● ارتفاع LDL والكوليسترول.
● السمنة.
● قلة النشاط البدني.
● التاريخ العائلي.
● التقدم في العمر.
● استعمال بعض المخدرات، وخصوصاً الكوكايين.
● وبعض الحالات النادرة التي تصيب الشرايين التاجية.
ب-أمراض عضلة القلب:
ومن أهمها:
● اعتلال عضلة القلب الضخامي
Hypertrophic Cardiomyopathy – HCM
● اعتلال عضلة القلب التوسعي
Dilated Cardiomyopathy
● اعتلال عضلة القلب الاضطرابي
Arrhythmogenic Cardiomyopathy
● بعض أشكال تليف عضلة القلب.
● التهاب عضلة القلب
Myocarditis
وتكتسب هذه المجموعة أهمية خاصة عند الشباب والرياضيين.
ج-الأمراض الكهربائية والوراثية:
قد يكون القلب طبيعياً تقريباً من الناحية البنيوية، بينما يكون الخلل في النظام الكهربائي أو في القنوات الأيونية التي تتحكم في النشاط الكهربائي للقلب.
ومن أهم هذه الحالات:
● Long QT Syndrome
● Brugada Syndrome
● بعض اضطرابات القنوات الأيونية الوراثية.
● بعض حالات متلازمة Wolff-Parkinson-White – WPW.
● بعض حالات الرجفان البطيني مجهول السبب.
وقد تفسر هذه الأمراض جزءاً من حالات الموت المفاجئ عند أشخاص صغار السن لا توجد لديهم بالضرورة انسدادات في الشرايين التاجية.
د-التشوهات الخلقية:
ومنها بعض التشوهات في منشأ ومسار الشرايين التاجية، إضافة إلى بعض أمراض القلب الخلقية التي قد لا تكون قد شُخّصت في الطفولة.
ه-أسباب أخرى:
ومنها:
● تسلّخ الأبهر الحاد.
● بعض أمراض الصمامات.
● الانصمام الرئوي.
● الاضطرابات الشديدة في البوتاسيوم أو المغنيسيوم.
● الاختناق ونقص الأكسجة.
● ضربة الشمس الشديدة.
● بعض الأدوية والسموم والمخدرات.
Commotio Cordis●
وهو اضطراب كهربائي قاتل قد يحدث بعد ضربة قوية ومفاجئة إلى منطقة الصدر في لحظة حساسة من الدورة الكهربائية للقلب، حتى عند شخص لا يعاني من مرض قلبي بنيوي.
خامساً: الموت المفاجئ عند الرياضيين
وهنا يجب تصحيح فكرة شائعة ومهمة جداً:
الرياضة بحد ذاتها ليست سبباً للموت المفاجئ
على العكس، فإن النشاط البدني المنتظم من أهم الوسائل المعروفة للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية وتحسين صحة القلب على المدى الطويل.
لكن الجهد الرياضي الشديد يمكن، في حالات محددة، أن يعمل كمحفّز لاضطراب خطير في نظم القلب لدى شخص لديه مرض قلبي غير مكتشف.
ولهذا فإن حدوث الموت القلبي المفاجئ أثناء ممارسة الرياضة لا يعني أن الرياضة هي السبب المباشر دائماً؛ فقد تكون الرياضة في بعض الحالات المحفّز لحدث خطير لدى شخص يحمل مرضاً قلبياً كامناً.
وتشير إرشادات الجمعية الأوروبية لأمراض القلب إلى أن الموت القلبي المفاجئ عند الرياضيين نادر، وأن معدل حدوثه يختلف بحسب العمر والجنس ونوع الرياضة وطريقة جمع البيانات وتعريف الحالات.
وبحسب إرشادات ESC لعام 2022، تراوحت التقديرات عند الرياضيين الشباب التنافسيين، الذين تبلغ أعمارهم 35 عاماً أو أقل، بين 0.4 و3 حالات وفاة لكل 100 ألف رياضي-سنة، بينما ترتفع التقديرات عند الرياضيين الذين تزيد أعمارهم عن 35 عاماً إلى نحو 2–6.3 حالات لكل 100 ألف رياضي-سنة. وهذه الأرقام هي تقديرات بحثية وليست رقماً ثابتاً ينطبق على جميع الرياضيين أو جميع الدول. (OUP Academic)
كما أن اختلاف معدلات تسجيل الحالات بين الدول والدراسات يجعل المقارنة المباشرة بينها أمراً صعباً.
ومن المهم جداً التفريق بين الرياضيين بحسب العمر:
عند الرياضيين الشباب
تكون الأمراض الوراثية والكهربائية واعتلالات عضلة القلب وبعض التشوهات الخلقية والتهابات عضلة القلب من الأسباب التي ينبغي التفكير فيها.
عند الرياضيين الأكبر سناً
تزداد أهمية مرض الشرايين التاجية وتصلّب الشرايين، مع استمرار إمكانية وجود الأسباب الأخرى.
ولذلك فإن ممارسة الرياضة بصورة منتظمة لا تعني أن الشخص محصّن من أمراض القلب، كما أن حدوث حالة وفاة مفاجئة في الملعب لا يعني أن الرياضة نفسها هي المرض أو السبب المباشر.
ماذا سنتناول في الجزء الثاني؟
في الجزء القادم سنغوص بصورة أعمق في الموت القلبي المفاجئ عند الرياضيين تحديداً، وسنتناول:
● الأسباب الأكثر شيوعاً بحسب العمر.
● الأمراض القلبية التي قد تكون صامتة عند الرياضي.
● العلامات والأعراض التحذيرية التي يجب عدم تجاهلها.
● هل يجب أن يخضع كل رياضي لتخطيط القلب والإيكو؟
● متى نحتاج إلى اختبار الجهد أو الـHolter أو الرنين المغناطيسي للقلب أو التصوير الطبقي للشرايين التاجية؟
● ما علاقة التهاب عضلة القلب بالموت المفاجئ والعودة إلى الرياضة؟
● ما تأثير التدخين والمنشطات والمخدرات والجفاف والحرارة الشديدة وبعض المكملات والمنشطات الرياضية؟
● وما هي الإجراءات العملية التي يمكن أن تعتمدها الأندية والملاعب والمدارس والجامعات للحد من الوفيات، وخصوصاً أهمية الإنعاش القلبي الرئوي وجهاز إزالة الرجفان AED؟
فالهدف من هذا الملف ليس تخويف الرياضيين من الرياضة، وإنما الوصول إلى رياضة أكثر أماناً، وإلى مجتمع يعرف كيف يتصرف في الدقائق الأولى عندما يحدث توقّف قلب مفاجئ.
*الدكتور طلال حمود -طبيب متخصص في أمراض القلب والشرايين والقسطرة وتوسيع الشرايين*
*امراض القلب عند الرياضيين وعند المُصابين بمرض السكّري*



