
راما المصري….حين يصبح الأمان ترفاً والطفولة ثمناً يُدفع بلا رحمة…
ظاهر صالح
يخرج آلاف الأطفال في سوريا كل صباح من بيوتهم الصغيرة، حاملين أحلاماً بسيطة وأمنيات متواضعة، قطعة حلوى، أو رغيف خبز، أو لعبة يلهون بها، يخرجون واثقين بأن الحي الذي يحتضنهم سيحميهم، وأن الجيران الذين يعرفون أسماءهم سيكونون سنداً لهم لا خطراً.
قبل أيام، خرجت طفلة في الثامنة من عمرها لتشتري ظرفاً كن القهوة، ولم تعد، لم يكن المتربص بها ذئباً من خارج الحي، بل كان جاراً يبتسم في العلن ويخفي في قلبه غدراً.
راما يزن المصري، الطفلة التي لم تتجاوز الثامنة من عمرها، أصبحت اسماً جديداً يُضاف إلى قائمة طويلة من الأطفال الذين دفعوا ثمن الثقة، والجيرة، والطفولة ذاتها، هذه ليست مجرد جريمة، بل هي مرآة لواقع مؤلم تعيشه مجتمعات أنهكتها الحرب والفقر والتفكك، حيث أصبح الأمان ترفاً، والطفولة ثمناً يُدفع بلا رحمة.
في مخيم الحسينية بريف دمشق، حيث تتلاصق البيوت وتتشابك المصائر، خرجت راما مساء ذلك اليوم لتشتري ظرفاً من القهوة، كانت في الثامنة من عمرها، تخطو بثقة الطفل الذي يعرف حيّه، ويعرف وجوه جيرانه، ويظن أن العالم من حوله يشبه البيت الذي جاء منه، لم تكن تعلم أن خطواتها الصغيرة ستقودها إلى نهايتها، وأنها لن تعود.
أربعة أيام مرّت قبل أن يُعثر على جثمانها، أربعة أيام من البحث والقلق والدعاء، بينما كان قاتلها يجالس أهلها في سهراتهم، يشرب القهوة معهم، ويواسيهم في مصابهم، وهو يعلم أن جسد طفلتهم يتحلل في خزان مياه فوق رؤوسهم.
لم ترتكب الجريمة أيادٍ غريبة، لم يكن القاتل عابر سبيل، ولا مجرماً هارباً من العدالة، كان “الجار”، شاب يسكن بمفرده في منزل قريب لعائلة الطفلة، بعد أن طرده والداه بسبب سوء خلقه، احتضنه الحي بثقته، وتعامل معه الناس كأحد أبنائهم، فبادلهم خيانة لا تُغتفر.
استدرج راما بحجة شراء القهوة، وعندما عادت إليه، سحبها إلى داخل منزله وأغلق الباب. وحين بدأت تصرخ، ضربها بقطعة حديد على رأسها حتى فقدت الوعي وسقطت تنزف.
ما حدث بعد ذلك ليس مجرد جريمة قتل، إنه سقوط كامل في هاوية البرود والوحشية وانعدام الرحمة.
تركت الطفلة تنزف من الخامسة مساءً حتى الحادية عشرة ليلاً. ست ساعات كاملة، كان بإمكانه فيها إنقاذها، أو الاتصال بالإسعاف، أو حتى الهرب، لكنه لم يفعل شيئاً سوى الانتظار.
خلال تلك الساعات، خرج ليجالس أهل الطفلة، جلس معهم، تحدث معهم، ربما ادعى مشاركتهم القلق على “الطفلة المفقودة”، وفي اليوم التالي، صعد إلى السطح، أفرغ خزان المياه، لفّ الجسد ببطانة، وألقاه داخله، ثم فجر اليوم الثالث، حمله ورماه في مكب للنفايات، كأنه يتخلص من كيس قمامة لا من روح طفلة في الثامنة.
لم تُكشف الجريمة إلا عندما لاحظت إحدى قريبات الطفلة بقع دم على باب منزل الجار من الداخل، عندها فقط، بدأت الشكوك تتسع، وتكشفت التفاصيل كاملة في مشهد هزّ المنطقة.
راما ليست الأولى، ونتمنى أن تكون الأخيرة، في مناطق مختلفة من سوريا، تتكرر حوادث مشابهة، أطفال يخرجون لشراء الخبز أو الحلوى أو القهوة، فلا يعودون، تُبحث عنهم في الأزقة والشوارع، تنتشر أخبارهم على صفحات التواصل الاجتماعي، تُناشد الجهات المعنية، ثم يُعثر عليهم جثثاً هامدة.
هذه ليست حوادث فردية، إنها ظاهرة تكشف عن تفكك اجتماعي عميق، وعن انهيار منظومة القيم في مجتمعات أنهكتها الحرب والفقر والنزوح، في مثل هذه البيئات، تصبح الثقة ترفاً، والطفولة ثمناً يُدفع بلا رحمة.
السؤال الذي يفرض نفسه: كم من الجرائم المشابهة مرّت دون أن تُكتشف؟ وكم من “جيران” يختبئون خلف وجوههم الهادئة، يبتسمون في النهار ويتربصون في الليل؟
لا يكفي أن يُلقى القبض على القاتل لنشعر بالراح، العدالة قد تأخذ مجراها، لكن الجرح الذي تركته هذه الجريمة في قلب عائلة راما، وفي قلب كل من سمع بها، لن يندمل
في حالات مشابهة، حيث يبقى أطفال آخرون على قيد الحياة بعد وقوع الجريمة، لا ينتهي سؤال الحماية بوفاة الضحية. يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل أصبح هؤلاء الأطفال في مكان آمن؟ من يتابع سلامتهم؟ من يتأكد من عدم تعرضهم للعنف مجدداً؟
الحماية لا تبدأ فقط بعد وقوع الجريمة، ولا تنتهي بمجرد تسجيل الشكوى، إنها عملية مستمرة، تبدأ بالإبلاغ عن الخطر، وتمر بتقييمه والاستجابة له، ولا تنتهي إلا عندما يصبح الطفل فعلاً في مكان آمن.
في كل مرة تتكرر المأساة، يعود السؤال ذاته: كم من الأطفال سيخرجون لشراء القهوة أو الخبز أو الحلوى، ليعودوا محمولين على أكتاف الحزن؟ كم من “جار” سيظل واثقاً في الظل حتى تكشف بقع الدم وجهه الحقيقي؟
المطلوب ليس فقط حماية الأطفال من الجريمة، بل إعادة بناء الثقة في المجتمعات التي مزقتها الحرب.
المطلوب هو أن نربي أجيالاً تعرف أن الجار ليس ذئباً، وأن الطفولة ليست ثمناً لشيء.
هذه الجريمة النكراء كشفت عن هشاشة أمنية تحتاج معالجة أعمق من الاعتقال، فحماية الأطفال ليست مسؤولية الشرطة وحدها، بل مسؤولية مجتمعية تحتاج رقابة أسرية أعمق، وتوعية مستمرة، وتشديد عقوبات على كل من يمس براءة الطفولة.
في الختام، راما المصري، الطفلة التي لم تتجاوز أعوامها الثمانية، ستبقى اسماً يذكّرنا بأن الطفولة في سوريا لم تعد تعرف طريق الأمان، لكن ذكراها يجب ألا تكون مجرد دمعة، بل وقوداً لتغيير حقيقي ومحاسبة حقيقية.
حماية الأطفال ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله، فلنعمل جميعاً حتى لا تصبح الطفولة في سوريا ثمناً يُدفع، وحتى لا يتحول الجار إلى ذئب مرة أخرى.
السؤال ليس: كيف ماتت راما؟
السؤال هو: كم طفلاً سيموت قبل أن نتحرك؟
المصدر: مجموعة العمل من اجل فلسطينيي سورية



