
العبور . من ضفة الهزيمة إلى ضفاف المجد .
بقلم الكاتب : أمين السكافي .
لحظات كُتبت بأحرف العزة والكرامة
لم يكن السادس من أكتوبر عام 1973 يومًا عبر فيه الجيش المصري قناة السويس فحسب، بل كان يومًا عبرت فيه أمة بأكملها من ضفة إلى ضفة؛ من ضفة الهزيمة إلى ضفة الإرادة، ومن زمنٍ كان فيه الجندي العربي يظهر في صورة المشرذم المحطّم، إلى زمنٍ وقف فيه على رمال سيناء شامخًا، يحمل بندقيته وكأنه يحمل راية أمة بأسرها.
كان الجندي المصري في أعقاب هزيمة 1967 صورة موجعة لعصر عربي كامل. جيشٌ أصابته فوضى القيادة وسوء التخطيط والتنظيم، وتداخلت في هزيمته عوامل عسكرية وسياسية واستراتيجية كثيرة، فانكشفت الثغرات، وتبعثرت الوحدات، وضاعت المبادرة، وتحولت الهزيمة العسكرية إلى جرح نفسي عميق استقر في الوجدان العربي.
ولم تكن النكسة مجرد خسارة أرض.
كانت محاولة لإقناع العربي بأن العدو أقوى من إرادته، وأن التفوق الإسرائيلي حقيقة أبدية، وأن الجندي العربي كُتب عليه أن يتلقى الضربة ولا يملك القدرة على ردها.
لكن التاريخ لا يكتب نهاياته بهذه السرعة.
فبين عام 1967 والسادس من أكتوبر 1973، وُلد جيش آخر.
جيش لم يولد من الثكنات وحدها، بل صقلته الهزيمة ونيران الثأر .
وكانت حرب الاستنزاف هي المدرسة التي أعادت إلى الجندي المصري ثقته بنفسه، وعلّمته أن الهزيمة ليست قدرًا، وأن الجيوش تستطيع أن تستعيد روحها إذا امتلكت إرادة التعلم والقتال والصبر.
هناك، على ضفة القناة، بدأت مصر تستعيد نفسها.
لم تكن حرب الاستنزاف مجرد حرب انتظار حتى يأتي موعد المعركة الكبرى، بل كانت سنوات من المواجهة والإعداد وإعادة بناء القدرة العسكرية والنفسية. كانت مصر تدفع دماء رجالها لتصنع الجندي الذي سيعبر بعد ست سنوات.
وفي تلك السنوات، ظهر رجال الصاعقة المصرية والفدائيون في عمليات خلف خطوط العدو وإغارات ومواجهات جعلت الإسرائيلي يدرك أن الحرب لم تنتهِ في يونيو 1967، وأن الضفة الغربية للقناة ليست منطقة آمنة.
وكان إغراق المدمرة «إيلات» في البحر المتوسط عام 1967 من أبرز تلك الضربات التي رفعت المعنويات وأثبتت قدرة القوات البحرية المصرية على الوصول إلى هدف إسرائيلي بعيد. ثم توالت عمليات الصاعقة والفدائيين، من رأس العش إلى بور فؤاد، وصولًا إلى ذلك النزف اليومي على امتداد القناة، حيث كان جنود الاحتلال يعيشون تحت ضغط النار والمواجهة.
لم تكن تلك المعارك هامشًا في الطريق إلى السادس من أكتوبر.
كانت هي الطريق.
كان كل مقاتل يسقط هناك يترك وراءه درسًا.
وكل عملية ناجحة كانت تعيد إلى الجيش المصري شيئًا من ثقته.
وكل مواجهة كانت تقول للجندي المصري: تستطيع.
وهكذا لم يأتِ جندي السادس من أكتوبر من فراغ.
كان وراءه رجال سبقوه إلى النار، ووراء بندقيته سنوات من التدريب والتجربة والدم، ووراء خطواته على رمال سيناء أرواح أولئك الذين قرروا أن الهزيمة لا يجوز أن تتحول إلى عقيدة.
كانت حرب الاستنزاف، بهذا المعنى، الجسر الحقيقي إلى العبور.
فالمعارك الكبرى لا تبدأ عندما تُطلق المدافع.
تبدأ قبل ذلك بكثير، في العقل، وفي التدريب، وفي إعادة بناء الثقة، وفي صناعة الإنسان الذي يستطيع أن يقف أمام الخوف ولا يسمح له بأن يحكمه.
ولهذا، عندما جاء السادس من أكتوبر، لم يكن الجندي المصري يدخل الحرب للمرة الأولى.
كان يدخلها بعد ست سنوات من الإعداد.
كان يدخلها وقد حمل في ذاكرته صورة 1967، لكنه لم يعد أسيرها.
وفي العاشر من رمضان، الموافق السادس من أكتوبر، حملت القيادة المصرية للعملية اسمًا لم يكن اختيارًا عابرًا: «بدر».
وهنا تتجاوز التسمية حدود الخطة العسكرية لتلامس الوعي الإسلامي المحمدي.
فبدر في الذاكرة الإسلامية ليست مجرد معركة من الماضي، بل لحظة تاريخية تحولت فيها الإرادة إلى فعل، وانتقلت فيها جماعة قليلة العدة إلى مواجهة قوة أكبر، فصار الإيمان بالقدرة على المواجهة جزءًا من صناعة النصر.
ولم يكن معنى الاسم أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا؛ فلكل عصر معركته وشروطه ورجاله. وإنما كان استدعاءً لذاكرة تقول إن الأمة لا تُقاس دائمًا بما تملكه من أدوات، بل بما تملكه من إرادة.
وهكذا بدأ العبور.
عند الساعة الثانية بعد الظهر ، انفتحت السماء بنيران المدفعية والضربات الجوية، واندفع الجنود المصريون نحو القناة.
لم يعد الماء حاجزًا.
صار طريقًا.
وما كان الإسرائيليون قد أقاموه باعتباره حاجزًا استراتيجيًا هائلًا، صار أمام الجندي المصري امتحانًا جديدًا.
وعلى الضفة الأخرى كان خط بارليف.
ذلك الاسم الذي تحول في المخيال الإسرائيلي إلى رمز للتحصين والمنعة، وإلى منظومة دفاعية أراد أصحابها أن تبدو وكأنها عصية على الاختراق.
لكن الجيوش التي تبني قوتها على الخوف من صورتها قد تكتشف يومًا أن الصورة نفسها يمكن أن تتحطم.
استخدم المهندسون المصريون المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، وبدأت المعابر والجسور تُقام، واندفع المشاة، ثم تدفقت المعدات والأسلحة والدبابات.
لم يكن المشهد مجرد عملية عبور.
كان أشبه بولادة جيش من قلب الماء.
جنود يصعدون إلى الضفة الشرقية.
مهندسون يفتحون الطريق.
مدفعية تحمي رؤوس الجسور.
قادة يديرون المعركة.
ورجال يعرفون أن خلفهم وطنًا ينتظر أن يرى صورته الجديدة في عيونهم.
وهنا ظهر أعظم ما فعله الجندي المصري.
لقد أعاد تعريف نفسه.
لم يعد ذلك الجندي الذي خرج من هزيمة 1967 مكسورًا ومبعثرًا.
صار مقاتلًا يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، وكيف يواجه خصمه.
وإذا كان العدو قد استطاع في 1967 أن يهزم الجيوش العربية خلال ستة أيام، فإن رجال مصر في السادس من أكتوبر أسقطوا، خلال الساعات الأولى، أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق، واخترقوا خط بارليف وأقاموا رؤوس جسور على الضفة الشرقية.
وليس المقصود أن جميع نقاط خط بارليف انهارت في ست ساعات ككتلة واحدة؛ . لكن الحقيقة العسكرية والتاريخية التي لا يمكن محوها هي أن المنظومة الدفاعية التي قُدمت باعتبارها حاجزًا بالغ الصعوبة قد اختُرقت، وأن الجنود المصريين صاروا على أرض سيناء في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.
وهناك، على رمال سيناء، تغير شيء في التاريخ.
كان الجندي المصري ينقض على مواقع العدو كأنه يسترد شيئًا أعمق من الأرض.
كان يسترد كرامة.
كان يسترد ثقة.
كان يسترد معنى أن تكون عربيًا قادرًا على القتال والانتصار.
ولهذا لم يكن الجندي المصري في تلك اللحظة يمثل نفسه وحده.
كان يمثل الأمة العربية التي حملت جرح 1967.
كان يمثل الفلسطيني الذي رأى أرضه تُغتصب.
والسوري الذي قاتل على الجولان.
واللبناني الذي كان ينظر جنوبًا إلى عدو لا يؤمن جانبه.
والعربي الذي عاش سنوات وهو يسمع أن إسرائيل قوة لا تُقهر.
كان الجندي المصري يقول بفعله: ليست القوة قدرًا دائمًا، وليست الهزيمة هوية.
ومن هنا يصبح السادس من أكتوبر درسًا يتجاوز مصر إلى الأمة كلها.
فالأوطان لا تستعيد كرامتها بالبكاء على الماضي، بل بتحويل الهزيمة إلى معرفة، والمعرفة إلى إعداد، والإعداد إلى فعل.
لقد أعيد للأمة شيء من مجدها بدماء أبنائها.
ولم يكن ذلك المجد هدية من أحد.
لم تمنحه البيانات السياسية.
ولم تصنعه طاولات المفاوضات.
كان المجد هناك، في عرق الجندي، وفي دم الشهيد، وفي يد المهندس الذي فتح الساتر، وفي المقاتل الذي عبر تحت النار، وفي الصاعقة التي سبقت الجيش إلى قلب الخطر.
ولهذا فإن مصر لم تكن في السادس من أكتوبر تقاتل من أجل سيناء وحدها.
كانت تقاتل من أجل صورة الإنسان العربي عن نفسه.
وكان الجندي المصري، في تلك اللحظة، جنديًا مصريًا في هويته، لكنه عربي في رمزيته؛ يحمل في بندقيته وجع أمة، وفي خطواته على رمال سيناء حلم أجيال، وفي عينيه صورة وطن أراد أن يستعيد كرامته.
ومصر، كانت ولا زالت وستبقى بوصلة الأمة العربية.
فحين تكون القاهرة قويةً، تشعر الأمة أن لها قلبًا.
وحين تستعيد مصر عافيتها، تستعيد المنطقة شيئًا من توازنها.
وحين تستقيم قاهرة جمال عبد الناصر، تستقيم الأمة كلها.
وليس في ذلك انتقاص من أدوار العرب الآخرين، ولا اختزال لتاريخ الأمة في مدينة واحدة، وإنما لأن مصر، بثقلها السكاني والتاريخي والثقافي والعسكري، كانت وستظل مركزًا من مراكز الثقل العربي، ولأن القاهرة حملت في مراحل كثيرة من تاريخها الحديث همًّا يتجاوز حدودها إلى المجال العربي كله.
ومن هنا كان السادس من أكتوبر أكثر من انتصار عسكري.
كان لحظة تصالح بين مصر وذاتها.
بين الجيش وكرامته.
بين الجندي وذاكرته.
بين الأمة العربية وحلمها.
كان يومًا استعادت فيه مصر شيئًا من روحها، واستعادت الأمة معها شيئًا من ثقتها بنفسها.
وعلى رمال سيناء، استُعيد ميثاق الشرف بين الأمة وأبطالها.
ذلك الميثاق الذي يقول إن الدم لا يذهب سدى إذا عرف الأحياء كيف يحملون رسالته، وإن الشهيد لا يموت مرتين؛ مرة حين يسقط، ومرة حين تنسى الأمة لماذا سقط.
أما رجال السادس من أكتوبر، فقد تركوا لنا معنى لا تنتهي صلاحيته:
أن الهزيمة قد تكسر جيشًا، لكنها لا تستطيع أن تكسر أمة إلا إذا قبلت الأمة أن تعيش مكسورة.
لقد عبر المصريون القناة.
لكن الذي عبر في الحقيقة كان أعمق من الجنود والدبابات والجسور.
عبرت مصر من جرحها إلى كرامتها.
وعبرت الأمة معها من صورة الانكسار إلى صورة القدرة.
وفي ذلك اليوم، لم يكن الماء بين الضفتين هو العائق الأكبر.
كان العائق الحقيقي هو الاعتقاد بأن ما حدث عام 1967 يمكن أن يتكرر إلى الأبد.
فإذا كان العدو قد أراد أن يجعل من الهزيمة قدرًا، جاء رجال السادس من أكتوبر ليجعلوا منها درسًا.
وإذا كان قد أراد أن يجعل من بارليف رمزًا للخوف، جعل المصريون من اختراقه رمزًا للإرادة.
وإذا كان قد أراد أن يقنع الأمة بأن التفوق الإسرائيلي حقيقة لا تتغير، جاءت الدماء المصرية لتكتب على رمال سيناء أن موازين القوة ليست أوثانًا مقدسة، وأن الشعوب تستطيع أن تعيد صناعة تاريخها.
وهكذا بقي العبور.
لا باعتباره عملية عسكرية انتهت، ولا حربًا توقفت عند حدود اتفاق أو تسوية، بل باعتباره لحظة فلسفية في تاريخ أمة.
لحظة قالت فيها مصر، وقال معها العرب:
نحن الذين انكسرنا، لكننا لسنا الانكسار.
نحن الذين هُزمنا، لكننا لسنا الهزيمة.
نحن الذين حملنا جراحنا، وحوّلناها إلى قوة.
نحن الذين عبرنا.
وكانت القناة أمامهم ماءً.
وكانت سيناء وراءها وطنًا.
وكان التاريخ ينتظر على الضفة الأخرى.
فعبروا.
وعندما وطئت أقدامهم رمال سيناء، لم يكن الجندي المصري قد وصل إلى أرض جديدة فقط.
كان قد وصل إلى نسخته الجديدة من نفسه.
ومن هناك، من الرمل الذي اختلط بدماء الشهداء، بدأت الأمة تستعيد شيئًا من وجهها القديم؛ وجهها الذي لا ينحني، وكرامتها التي لا تُستعاد بالكلمات، ومجدها الذي لا يُورث.
بل يُصنع.
بالإرادة.
وبالصبر.
وبالتخطيط.
وبالتضحية.
وبدماء الرجال.
ولهذا سيبقى السادس من أكتوبر أكثر من تاريخ في التقويم.
سيبقى يومًا كتبت فيه مصر على رمال سيناء واحدة من أجمل صفحات الكبرياء العربي:
أن الأمة قد تنكسر، لكنها تستطيع أن تنهض.
وأن الجندي الذي رأيناه يومًا مشرذمًا في صحراء الهزيمة يمكن أن يعود بعد سنوات أسدًا على ضفة القناة.
وأن من يملك إرادة النهوض يستطيع أن يحوّل الانكسار إلى مجد.
فذلك هو العبور الحقيقي.
ليس من غرب القناة إلى شرقها فقط.
بل من الهزيمة إلى الكرامة.
ومن الخوف إلى الشجاعة.
ومن العجز إلى القدرة.
ومن الماضي الجريح إلى المستقبل الذي تصنعه الأيدي.
ذلك هو العبور من الانكسار إلى المجد؛ لحظات كُتبت بأحرف العزة والكرامة



