
هندسة الأزمات وزيف الصياح: رؤية اتحاد القبائل العراقية في تعرية المشهد
إعداد/ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
تشهد الساحة العراقية هلعاً مفتعلاً وزوابع إعلامية مصطنعة، تتصدرها شائعات فلكية حول أسعار الصرف تهدف إلى إرباك الشارع. وحين نضع المشهد تحت مجهر الحقيقة والوعي المجرد، يتكشف لنا أن ما يجري ليس سوى انعكاس لتخبط طبقة سياسية استنفدت خياراتها.
فالصراخ الهستيري حول سعر الصرف لا يمثله المواطن الذي كابد التضخم لسنوات، بل يعبر حصراً عن صدمة لصوص نافذة العملة وتجار الأزمات. فعندما قلّصت الإجراءات الرسمية فارق السعر الموازي الذي كان يبدأ تصاعدياً من عشرين نقطة صعوداً إلى خمس وثلاثين وأكثر فوق السعر الرسمي ليدرّ أرباحاً فاحشة عبر البنك المركزي، تضررت مصالح تلك المافيات فارتفع صياحهم نائحين على أرباحهم المفقودة.
ويتقاطع هذا السقوط الاقتصادي مع تناقض سياسي وأخلاقي خطير؛ حين تطالب أصوات حكومية بحجب تطبيق الملاحة بحجة أنه معادٍ، بينما لا يتورع رأس السلطة التنفيذية عن عقد اللقاءات والاحتفاء بـ (إدوارد روتشيلد) وعائلته ودوائر نفوذهم التي تُعد المهندس الأكبر للحركة الصهيونية وغرس كيانها في جسد الأمة. إن هذا اللقاء يضعنا أمام سؤال مصيري عن جدوى القوانين العراقية المجرّمة للتطبيع. ولأن رأس السلطة لم يأتِ بانتخاب مباشر بل عبر تسويات فرضتها الأحزاب، فإن كل أجندة ينفذها ولقاءاته المشبوهة هي أعمال موجهة وموصى بها سلفاً من صانعيه، ليتحول العداء المزعوم للتقنية إلى غطاء مهترئ لتغطية الولاء المزدوج.
ولا تقف المهزلة عند السلطة، بل تمتد لتفضح تناقض النخب والمدونين الذين روجوا لهذه الحكومة بالأمس وصفقوا لتسوياتها، ليخرجوا اليوم مطالبين الشارع بالاحتجاج غضباً وهروباً من وزر خياراتهم وركوباً لموجة الشارع. وينسحب هذا التلون على المعارضة الموسمية التي فشلت في نيل حصتها من الكعكة، فارتدت عباءة المعارضة لتكون أداة تشتيت وإعادة تدوير للأزمات حين تصل المنظومة إلى عنق الزجاجة.
وفي مفارقة صارخة لوعي التشتيت؛ فبينما يوظف الكبار كـ (ترامب) التشتيت لحماية الأمن القومي لبلدانهم، يصرّ إعلام العراق ونخبه على تشتيت الشعب العراقي نفسه ليبقى غارقاً في الجهل بأسباب مآسيه. بل إن البرلمانيين الذين يطالبون الشارع بالتظاهر، ما هم إلا أسرى لكتلهم يخدعون الناخب بأكذوبة التغيير عبر قوانين صُممت للاستئثار.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للمنظومات — الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية — التي أسست وثبتت جذور هذه الحكومات منذ عام 2003، حيث بات لزاماً عليها إعلان موقف صريح ومراجعة نقدية وسحب غطاءها وتبرؤها الحقيقي من هذه الأحزاب التي دمرت البلد.
إن الخيارات الدموية والتغيير الخارجي لم تكن سوى آلة لإزهاق أرواح العراقيين لمصلحة المتسلقين. ومن هنا تأتي الحقيقة المطلقة والحل السلمي الوحيد المتمثل في العودة إلى الشعب من خلال قانون عادل للدائرة الانتخابية الواحدة، ليكون العراقي هو من يختار ويحاسب، وليبني بأيديه جداراً منيعاً يحمي وطنه من أي معتدٍ أو طامع.
من هذا المنطلق، يطرح اتحاد القبائل العراقية رؤيته الحاسمة للشارع؛ فمن بيده إعطاء الشرعية للأحزاب عبر التسويات عليه اليوم تحمل مسؤوليته الإنسانية والتاريخية، والكف عن الضحك على الذقون بمنح الشرعية لعبيد المصالح المكتسبة. لقد حان الوقت لإعادة الشرعية لصاحبها الحقيقي الأوحد: الشعب العراقي الأبي. الشعب الذي سيكون الحافظ الأمين لمصالحه ومصالح الآخرين بندية سياسية مقبولة. على من منح تلك الشرعية أن يراجع نفسه جيداً وفوراً.. قبل فوات الأوان وقبل خسارة كل شيء.
8 تشرين الاول 2026



