
قاعدة فيرفورد واستهداف مكة، حين تتحول الرواية الأمنية إلى أداة ضغط
… بوصلة المواقف …
في السياسة الدولية لا تُحسم المعارك بالقوة وحدها. حين تفشل المواجهة المنفردة، يُعاد توظيف الحادث الأمني سياسياً لتغيير طبيعة الصراع، واستدعاء حلفاء، وتوسيع المواجهة.
وهنا تبرز قضيتان كحالتين دالتين على هذه الآلية: حادثة قاعدة فيرفورد البريطانية، ورواية استهداف مكة في سياق الحرب اليمنية. رغم اختلاف الجغرافيا، يجمعهما نفس السؤال: هل يتم التعامل مع الحادث كواقعة تحتاج تحقيقاً مستقلاً، أم كمبرر جاهز لقرارات كانت مطلوبة أصلاً؟
أولاً: فيرفورد ومحاولة تدويل المواجهة …
فيرفورد هي ركيزة للقوة الجوية الأمريكية بعيدة المدى في أوروبا. أي تهديد لها يمس مباشرة التوازنات الأمريكية – البريطانية – الأطلسية.
الخطر هنا ليس في الحادث بحد ذاته، بل في توظيفه. إذا تعثرت واشنطن في مواجهة خصم يملك قدرات صاروخية مؤثرة كإيران، فإن كلفة الحرب المنفردة ترتفع. الحل المنطقي أمريكياً هو تحويلها من معركة أمريكية إلى قضية أمن جماعي.
لكن الربط بين حادثة فيرفورد وتفعيل المادة الخامسة للناتو يحتاج تدقيقاً. المادة الخامسة لا تُفعّل تلقائياً بمجرد وقوع حادث أو توجيه اتهام، بل تخضع لتحقيق وإجماع سياسي. الفارق حاسم بين استثمار حادثة وقعت فعلاً لطلب الدعم، وبين اتهام بافتعال الحادثة لاستدعاء الحلف، والثاني لا يثبت بمجرد وجود مصلحة.
ثانياً: استهداف مكة وتوسيع بما يسمى الشرعية …
نفس الآلية ظهرت سابقاً في رواية استهداف مكة بصواريخ من اليمن. بغض النظر عن حقيقة ما جرى ميدانياً، فإن الأثر السياسي للرواية كان أوضح من الواقعة نفسها: تحويل حرب حدودية سعودية-يمنية إلى دفاع عن المقدسات الإسلامية.
هذا التوظيف نقل الملف من خلاف سياسي إلى تعبئة دينية وعربية، وخفف الضغط عن الرياض في لحظة مأزق عسكري وإنساني.
فلا تُقرأ الحوادث الكبرى بسؤال ماذا حدث؟ فقط، بل بـمن استفاد من روايتها؟
قاعدة فيرفورد ورواية مكة تكشفان قاعدة واحدة في إدارة الأزمات: عندما يعجز الفاعل عن الحسم منفرداً، يبحث عن رواية تتيح له إنقاذ حليفه وتوسيع المواجهة تحت غطاء جماعي، ديني أو أطلسي.
بقلم جليل هاشم البكاء



