“الديمقراطية الفاشية” 

كتب طارق الأحمد عضو الكتلة الوطنية السورية

“الديمقراطية الفاشية”

في العشرين من كانون الأول ٢٠٢٤ أي بعد أسبوعين فقط من سقوط النظام السابق و تسلّم هيئة تحرير الشام السلطة في سورية ، صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا ستساعد سورية الجديدة في كتابة دستور جديد وبناء هيكل الدولة .

و أعترف بأنني حاولت تصديق هذا القول على مبدأ الغريق الذي يتعلق بقشة، بعد فرار الرئيس السابق بشار الأسد و ترك الشعب و الدولة بأكملها في مهبّ رياح الكون العاتية ، بعد خمس سنوات على الأقل من العمل الممنهج المريب على إضعاف كل بنى الدولة التي بنيت منذ عهد الاستقلال الأول عن السلطنة العثمانية ، و أيضاً كل ما بني في عهد أبيه الرئيس الراحل حافظ الأسد .

التقيت يومها صحفيين من الغارديان البريطانية و الوول ستريت جورنال الأمريكية حيث كانا يقيمان في فندق على اتستراد المزة ، و حين سُئلت عن هذا التصريح قلت بأنني سأعتبر هذا الأمر إيجابياً إذا تحقق على أرض الواقع ، لأنّ في تركيا تعددية حزبية و حالة من الديمقراطية ستناسب سورية إلى حد كبير إذا طبقتها فعلياً .

لكن ما حدث هو أن تركيا فعلياً قد ساعدت سورية في بناء هيكل الدولة ، و هو البناء الذي نشاهده اليوم ، بعد سنتين من إلغاء كل الأحزاب و الحياة الحزبية و عقد مؤتمر حوار أشبه بتمثيلية هزلية و ثم تشكيل برلمان تكاد تكون أي فرقة حزبية في حزب البعث المنسحب من مهامه أكثر ديمقراطية منه ، في مشهد لا يكرر تزوير إرادة الناخبين كما كان يجري أيام النظام السابق فحسب ، بل و يختصر سكان البلاد بطولها و عرضها ، بسبعة آلاف شخص يدورون في فلكه و يختارون كل أعضاء البرلمان.

كل ذلك بإرادة و إدارة تركية

هذا ليس اتهام مني ، فقد جرى بيني وبين عدد من الدبلوماسيين الأتراك و أحدهم كان مستشاراً مباشراً للرئيس رجب طيب أردوغان ، حوارات دامت لساعات طوال ، على هامش مؤتمرات دولية دبلوماسية شاركت فيها في عدة دول بعد سقوط النظام السابق و منها دول أوروبية ، وكان حوارنا حول هذه النقطة بالذات التي اعترفت أنا بأنني نزعت بأمنياتي إلى تصديقها من كلام أردوغان .

و بعد أن نعرف نتيجة السنتين الأخيرتين نكتشف أنّ الموضوع لا يتعلق بتعمّد عدم تحول سورية إلى النموذج التركي بل فإن السابع من أكتوبر لهذا العام ٢٠٢٦ يضع السؤال جلياً إن كانت تركيا هي التي ستذهب نحو النموذج السوري ، و أي نموذج ، إنه هذا النموذج فهل هذا ممكن؟

الديمقراطية الفاشية هي التي تتخذ من الديمقراطية شعاراً و شكلاً و تبني دولة ظل مهيمنة معفية من كل محاسبة أو رقابة و تقوم بتفكيك مفاعيل إرادة الناخبين لصالح الجهة المتحكمة .

المثال اليوم في إجبار رئيس بلدية أزمير جميل توغاي على الانصياع و ترك حزبه لينضم إلى حزب العدالة والتنمية هو مثال صارخ ، فبعض القوانين ، تتسم بكل السمات الفاشية و تؤدي إلى مفاعيل فاشية و يضعها فاشيون ، و يصبح تطبيقها أيضاً عملاً فاشياً ، و ما هذا إلا مثال وغيره كثير مما يحدث مع حزب الشعب الجمهوري التركي .

إن تذبذب أحزاب الإخوان المسلمين بين التمسكن و التمكن حسب الحالة والحاجة وصولاً إلى السيطرة على كامل البلاد في أي دولة بدءاً من استخدام بيوت الله كمقرات حزبية في حالة ليس فيها أي عدالة أو تكافؤ مع أي حزب آخر ، هو التحدي الأكبر أمام مجتمعاتنا المستعصية أصلاً على الدخول في عصر الحداثة .

من هنا نفهم لماذا لم يقبل الأتراك أي حوار جدّي مع النخب السياسية السورية و هم الذين سارعوا لاحتضان التشكيلات السياسية المعارضة منذ بدء الربيع العربي في أنطاليا و صولاً إلى ائتلاف المعارضة السياسية التي لحست كل ما أنتجته من كلام في السياسة والديمقراطية بعد سقوط النظام السابق و بلحظة واحدة و كأنه أمر عمليات أعطي للمئات ليصمتوا فصمتوا …

إنّ التحول الذي نشهده في تركيا ينذر بتماهٍ تدريجي مع سورية و ليس العكس و هذا ما يمكن أن يشكل نقطة تحول استراتيجية في تاريخ المنطقة لا بدءاً من الحدث السوري الذي أنهى كل مفاعيل التغيير فيه ، بل بدءاً من الأحداث التركية المرتقبة التي ستكون هي مفتاح التغيير الشامل الدموي في المنطقة كلها.

= طارق الأحمد

شارك