
الغائب الذي لا يغيب ..مدرسة تحمل الغياب ومدينة تقرأ ماركس
الحلقة الثانية
مدرسة تحمل الغياب
كتب رياض الفرطوسي
حين توفي الشيخ الطوسي في النجف عام 1067، كان قد وضع حجر الأساس لشيء أكبر من حلقة درس: مدرسة بدرجات علمية، ونظام تلمذة، وصلة بين العالم وبين الناس. لم يكن يبني دولة. كان يبني ما يحفظ المجتمع حين تغيب القيادة: ذاكرة مشتركة، وسلسلة علم، وموارد تكفي من يتفرغ للعلم.
روي متحدة مؤرخ أمريكي من أصل إيراني، درّس تاريخ الإسلام في جامعة هارفارد، وكتب في (ثوب النبي) عن الحياة الاجتماعية والفكرية في إيران. أظهر في كتابه أن مكانة العالم الشيعي تقوم على ثقة الناس بعلمه وورعه، لا على تعيين من أحد. وهذا سرّ استقلال الحوزة التاريخي، وهو نفسه سرّ ثقل المسؤولية على من يحملها، لأن الثقة لا تُورَّث ولا تُنقل بقرار.
وجاء الخمس ليكمل الصورة. كان حقاً يُدفع للإمام، وبعد الغيبة صار الناس يؤدونه إلى من يثقون بعلمه وأمانته من العلماء، ثم إلى المراجع. ومن هذا الباب قامت المدارس والمكتبات ورعاية الطلبة والأيتام والمحتاجين. هذه الشبكة الاجتماعية التي ولدت من ثقة الناس هي التي أبقت المجتمع الشيعي متماسكاً في أزمنة قاسية لم تكن فيها دولة تحميه.
ومن الخطأ اختصار الفرق بين النجف وقم في العصبية القومية. المراجع الذين درّسوا في النجف جاؤوا من خوي ومشهد ومن العراق، وملايين الشيعة في باكستان والهند وأفغانستان قلّدوا مراجع ليسوا من بلدانهم. الاختلاف الحقيقي فقهي واجتهادي، وعنوانه سؤال قديم: ما حدود عمل الفقيه؟ هل هو مفتٍ وراعٍ لشؤون الناس، أم له دور أوسع في تدبير الشأن العام؟ وهو اختلاف علماء في اجتهاد، لا خصومة بين بيوت.
وهنا تظهر مفارقة النجاح. كلما أحكمت المؤسسة الدينية رعايتها للناس، اقتربت وظائفها من وظائف الدولة، ووجد الناس أنفسهم أمام سؤال: هل نريد من المرجعية أن تبقى الأب الحاني الذي يحفظ ولا يحكم، أم نطلب منها أكثر؟ ويرى كثيرون في النجف أن قوة المرجعية الأخلاقية قامت دائماً على ابتعادها عن إغراء الحكم.
في الحلقة القادمة نصل إلى القرن العشرين، إلى نجف الخمسينات حيث كان شبابها يقرؤون دوستويفسكي والصحف الحزبية إلى جانب الكتب الفقهية. كيف دخلت الأفكار الحديثة بيوت المدينة؟ وكيف ردّ العلماء عليها؟
المدرسة التي حملت الغياب لم تُنهِ السؤال. أعطته أدوات أقوى وتلاميذ أكثر.
الحلقة الثالثة
مدينة تقرأ ماركس
في خمسينات القرن الماضي، كانت النجف تجمع صورتين قد يستغربهما من لا يعرفها: المدينة التي تُخرّج المجتهدين، والمدينة التي يتداول شبابها الروايات الروسية وكتب الأدب المصري ويتجادلون في منتديات ثقافية ينظمها أبناء العوائل العلمية أنفسهم.
حنا بطاطو مؤرخ فلسطيني، كرّس عمره لتاريخ العراق الحديث، ووثّق في موسوعته (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) انتشار الفكر الشيوعي بين شباب الجنوب والفرات الأوسط. ولم يكن ذلك مستغرباً: جيل يشعر بالفوارق الاقتصادية وبضعف حضوره في الدولة، يجد في وعد المساواة جواباً جاهزاً. وكان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، في الوقت نفسه، يحلل في كتاباته ازدواجية القيم القديمة والواقع المتغير، وهي ازدواجية عاشها شباب تلك المرحلة في بيوتهم.
وكان قلق المؤسسة الدينية مفهوماً ومشروعاً: كيف يُحمى الأبناء من تيار يسحبهم بعيداً عن إيمانهم؟ في هذا الجو وُلد حزب الدعوة الإسلامية نهاية الخمسينات، محاولة لتقديم إسلام يتحدث لغة العصر ويعرف التنظيم. وبرزت منذ البداية مسألة دقيقة: كيف يعمل حزب في غيبة الإمام، ومن صاحب القرار فيه، الحزب أم الفقيه؟ وقد رأى السيد محسن الحكيم، حرصاً على مقام العلماء ووحدة الصف، أن ينأى رجل الدين عن الانتماء الحزبي، فكان موقفاً أسّس لتقليد في المرجعية ما زال حاضراً.
وفي إيران برز نواب صفوي، وكان أول من حمل إلى المشهد الشيعي فكرة العمل التنظيمي الحركي، متأثراً بتجربة الإخوان المسلمين في مصر. ويكشف هذا المثال حجم التداخل بين المشارب في تلك المرحلة. كان القارئ الشيعي يقرأ لسيد قطب، والقارئ السني يتابع ما يكتبه الشيعة، وكان العلماء يتبادلون المواقف في الشدائد. ويُروى أن علماء النجف تحركوا لمطالبة القاهرة بالتراجع عن إعدام سيد قطب. صورة تقول إن حكاية الانقسام الحاد جاءت متأخرة عن زمن كانت فيه الأمة تتحدث لغة أوسع.
في الحلقة القادمة ننتقل من العراق إلى لبنان. كيف وصل السيد موسى الصدر إلى بيروت عام 1959 وبنى للشيعة هناك مؤسسات لم تكن لهم؟ وكيف تلاقت وتباينت ثلاث رؤى لرجال عاشوا في زمن واحد؟
كانت النجف تقرأ ماركس بيد، وتمسك مصحفها بالأخرى، ولم تر في ذلك تناقضاً.



