
زلزال «تفكك القبة الدبلوماسية للكيان الإسرائيلي»: خريطة العقوبات العالمية تخنق كيان الاحتلال بـ 121 خناقاً في 61 دولة.
أشرف التهامي.
تتهاوى أوهام “العزلة المستحيلة” أمام واقعٍ رقمي صادم يعيد رسم جغرافية الخناق حول كيان الاحتلال الإسرائيلي؛ فبينما تحاول تل أبيب إشاحة وجهها عن كرة الثلج المتعاظمة، تثبت قاعدة البيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية داخل الكيان نفسه أن “القبة الحديدية الدبلوماسية” التي لطالما تفاخرت بها وزارة خارجيتهم باتت مليئة بالثقوب والشظايا. لم يعد الأمر مجرد بيانات إدانة جوفاء، بل تحول إلى حصارٍ ناعم ومتشعب يضرب العصب المالي، والدفاعي، والتجاري للكيان عبر 121 تدبيراً تقييدياً وعقابياً تتوزع على 61 دولة حول العالم.
إنها لحظة الانكشاف الكبرى لكيانٍ يعيش على وهم المناعة الاقتصادية والدبلوماسية، بينما تجري تحته تعرية بنيوية متواصلة تبدأ من أطراف المتاجر وتصل إلى عمق المنظومة المالية.
ترصد قاعدة بيانات جديدة 121 تدبيرًا عقابيًا -سواء كانت قائمة بالفعل أو مقترحة- ضد إسرائيل في 61 دولة؛ وفي حين تؤكد وزارة خارجية الكيان الإسرائيلي أنها تبذل “جهودًا هائلة”، يحذر مسؤولون من احتمالية عودة فرض عقوبات من قِبل الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد تترتب عليه عواقب وخيمة.
أطلق معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI) قاعدة بيانات جديدة ترصد العقوبات والتدابير التقييدية المفروضة على إسرائيل من قِبل دول حول العالم. وتتضمن قاعدة البيانات 121 تدبيراً في 62 دولة، منها :
1. 93 تدبيراً سارياً حالياً.
2. 19 تدبيراً تُصنف ضمن التدابير التاريخية.
3. 9 تدابير أخرى مقترحة أو مخطط لها.
ذكرت وزارة الخارجية في الكيان الإسرائيلي أن الأرقام الواردة في التقرير لا تعكس بدقة واقع العقوبات ، وأضاف مسؤولون دبلوماسيون بالكيان:
“في نهاية المطاف، لا توجد عقوبات جوهرية مفروضة على إسرائيل، و لكن هل سيستمر هذا الوضع؟ لا يوجد ضمان لبقائه إلى الأبد؛ فمن المحتمل أن تتغير النتائج في مرحلة ما”.
تحليل البيانات.
تتيح قاعدة البيانات للمستخدمين فحص التدابير وفقاً للدولة والفئة والحالة، والاطلاع على توزيعها الجغرافي على خريطة العالم ، وتشير النتائج إلى أن الضغوط الممارسة على إسرائيل لا تقتصر على قطاع واحد؛ إذ تشكل التدابير المالية الفئة الأكبر، بواقع 40 تدبيراً، أي ما يعادل ثلث الإجمالي تقريباً. وتليها مجالات الدفاع والأمن والتجارة، بواقع 24 تدبيراً لكل منها. كما تسجل قاعدة البيانات 14 تدبيراً دبلوماسياً و12 تدبيراً قانونياً.
وفقاً للمدير العام لمعهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI)، الدكتور شوكي فريدمان، ينبغي تقييم هذه النتائج ليس فقط بناءً على عدد العقوبات، بل -وهو الأهم- بناءً على أثرها التراكمي المحتمل على الاقتصاد الإسرائيلي، وقدرة إسرائيل على الحفاظ على علاقاتها التجارية الدولية، وتدفقات الاستثمار، وسلاسل التوريد.
قال فريدمان: “إن أي شخص يعتقد أن العقوبات المفروضة على وزراء أو أفراد في الضفة الغربية أو على منتجات قادمة منها ستتوقف عند ‘الخط الأخضر’ فهو واهم. فالعقوبات لها تأثير متسلسل؛ إذ يمكن أن تؤثر، حين تتراكم، على بنوك وشركات ومستثمرين وشركاء تجاريين لا تربطهم أي صلة تذكر بالشخص أو الكيان المستهدف بالعقوبات. ويكمن الخطر الحقيقي في التحول من عقوبات موجهة ومحددة إلى إلحاق الضرر بالأنظمة التي يعتمد عليها اقتصاد إسرائيل وأمنها”.
تحدد قاعدة البيانات أيضاً الدول التي سُجِّل فيها أكبر عدد من التدابير؛ إذ تتصدر إسبانيا القائمة بـ 10 تدابير، تليها الولايات المتحدة بـ 8 تدابير -تقتصر جميعها حالياً على النطاق الأكاديمي- إلى جانب تدبيرين “تاريخيين” وخمسة مقترحات لمنع توريد أنواع مختلفة من الأسلحة ، وتأتي بريطانيا في المرتبة التالية بـ 7 تدابير، بينما سجلت كل من بلجيكا وتركيا 5 تدابير لكل منهما.
ومع ذلك، فإن عدد التدابير لا يعكس بالضرورة مدى حدتها أو تأثيرها المحتمل؛ فقد يكون لتدبير واحد تداعيات تفوق بكثير تداعيات تدابير أخرى مجتمعة.
لذا، تهدف هذه الخريطة في المقام الأول إلى توضيح نطاق الظاهرة وانتشارها الجغرافي ، وإلى جانب الدول الأوروبية -التي يتركز فيها جزء كبير من هذه التدابير- تتضمن قاعدة البيانات إجراءات من أمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا، وأوقيانوسيا.
يقول فريدمان: “إن رقم 121 ليس سوى نقطة البداية ، والسؤال المهم هو:
“ماذا سيحدث إذا استمر هذا الاتجاه؟ ”
قد يكون تأثير عقوبة واحدة محدود النطاق، لكن وجود 121 تدبيراً موزعة على 62 دولة يستدعي تقييماً شاملاً.
على إسرائيل التعامل مع هذا الخطر كما تتعامل مع أي تهديد استراتيجي آخر:
“من خلال رصده، والاستعداد له، والعمل على منع تفاقم الوضع”.
ويضيف: “هناك حاجة إلى آلية وطنية للتعامل مع هذا الخطر، بحيث تدرس تداعيات هذه التدابير على النظام المالي، والتجارة، والاستثمار، وسلاسل التوريد، والصناعات الدفاعية ، ولا يمكن أن يقتصر الرد على معالجة كل عقوبة على حدة؛ بل يتطلب الأمر نهجاً شاملاً”.
من جانبهم، أشار مسؤولون دبلوماسيون في الكيان الإسرائيلي إلى وجود بعض أوجه القصور في الخريطة؛ موضحين، على سبيل المثال، أن عقوبات الاتحاد الأوروبي تُحتسب أيضاً على مستوى الدول الأعضاء فرادى ، كما جادلوا بأن حظر دخول أفراد معينين لا ينبغي مساواته بفرض عقوبات على دولة إسرائيل ذاتها.
وقال المسؤولون: “في نهاية المطاف، لا توجد عقوبات جوهرية مفروضة على دولة إسرائيل، وهو أمر لم يكن مضموناً مسبقاً ، فقد كان هناك احتمال واقعي لسيناريو مختلف، نجد أنفسنا فيه بحلول عام 2026 أمام عقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي على إسرائيل. وقد كرّست وزارة الخارجية الإسرائيلية جزءاً كبيراً من جهودها لإحباط تلك التدابير”.
وأضافوا: “لقد تم منع فرض بعض العقوبات، وجرى إحباط التهديد الرئيسي”، لو قرر الاتحاد الأوروبي تقويض الاتفاقية التجارية، لشعر كل مواطن إسرائيلي بتبعات ذلك ، كانت العواقب الاقتصادية ستكون وخيمة، لكن تم الحيلولة دون وقوعها؛ إذ ظل ذلك “القبة الحديدية” الدبلوماسية صامدًا.
“عندما تكون داخل ‘قبة حديدية’ وتُطلق عليك صواريخ كثيرة، قد ينجح بعضها في الاختراق. لكن الرأس الحربي -الذي يحمل في طياته أطنانًا من المتفجرات الدبلوماسية والاقتصادية- لم يتمكن من النفاذ. وفي نهاية المطاف، نحن نحقق النجاح لأن لدينا دولًا صديقة يمكننا حشد دعمها، مثل ألمانيا وإيطاليا وجمهورية التشيك ، ولا يقتصر الأمر على المجر فحسب؛ فالمجر قد تغيرت، بينما لا تزال ‘القبة الحديدية’ الدبلوماسية قائمةً ومتماسكة.”
وتابع المسؤولون: “صحيح أن سموتريتش وبن غفير لا يستطيعان دخول الاتحاد الأوروبي، وأن هناك عقوبات مفروضة على المستوطنين، لكن في نهاية المطاف، لا يشعر الأشخاص الذين يتسوقون في المتاجر الكبرى في ‘رمات غان’ و’تل أبيب’ بتأثير السلاح الأقوى، وهو اتفاقية التجارة ، كما ظلت اتفاقيات ‘أفق’ (Horizon) واتفاقية ‘السماء المفتوحة’ (Open Skies) قائمة”.
ومع ذلك، حذروا من أن الوضع قد يتغير، متسائلين:
“هل سيستمر هذا؟
لا يوجد ضمان لبقائه إلى الأبد. فإذا استمرت التوجهات على حالها، فقد تكون النتائج مختلفة في المستقبل”.
ووفقاً للمسؤولين في الكيان الإسرائيلي ، فإن “هولندا وإسبانيا وأيرلندا تشعر بالإحباط لعدم قدرتها على تحقيق النتائج التي تصبو إليها في بروكسل ، وقد ساد شعور بالإحباط خلال الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بسبب غياب النتائج المرجوة؛ لذا، ولعدم وجود خيارات أخرى، بدأت هذه الدول في سلوك مسارات بديلة، مثل فرض عقوبات من جانب هولندا”.
وأضافوا: “نحن ننجح في الحفاظ على مصالحنا الجوهرية، كما تمكنا من إلغاء إجراءات سلبية في دول مثل سلوفينيا وكولومبيا ، إنه عمل شاق ومضنٍ لا يحظى بالتقدير، لأن أحداً لا يرى ما نجحنا في منعه”.
ومع ذلك، أقر المسؤولون في الكيان بأن الإجراءات التي اتخذتها إسبانيا وأيرلندا وبريطانيا فيما يتعلق بالتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية “ليست إيجابية”، مشيرين إلى أن أحد التداعيات المقلقة هو التوجه نحو اتخاذ إجراءات أحادية من قبل دول منفردة.
رد وزارة خارجية الكيان الإسرائيلي.
وفي معرض الرد، صرحت وزارة الخارجية الإسرائيلية قائلة:
“الأرقام الواردة في التقرير لا تعكس بدقة واقع العقوبات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية ، إن وزارة الخارجية تواصل جهودها في هذا الصدد، وتستثمر موارد هائلة لمواجهة العقوبات التي تستهدف إسرائيل”.
وتابعت الوزارة: “على سبيل المثال، ومن خلال جهود متواصلة استمرت عاماً ونصف العام، نجحنا في منع فرض عقوبات على إسرائيل من قبل الاتحاد الأوروبي ودول أخرى عديدة ، كما نبذل جهوداً كبيرة لإلغاء عقوبات فرضتها حكومات معادية، وذلك في أعقاب تغيرات في قيادات تلك الدول؛ وقد حققنا نجاحاً ملموساً في هذا الشأن في كولومبيا وسلوفينيا ودول أخرى”.
وأضافت: “إن الدول التي تروج لعقوبات ضد إسرائيل أو تفرضها، تضعف مكانتها وتأثيرها في المنطقة ، وكما أثبتنا في تعاملنا مع دول مختلفة -كان آخرها هولندا وبريطانيا- فإن إسرائيل سترد بحزم وقوة على أي دولة تتخذ إجراءات من هذا القبيل ضدها”.
و ختاماً ، مهما حاولت الدبلوماسية الإسرائيلية التباهي بصمود “قبتها الحديدية الدبلوماسية”، فإن الواقع يؤكد أن هيكل المناعة الاقتصادية للكيان قد بدأ بالتصدع البنيوي.
إن وجود 121 تدبيراً تقييدياً تتوزع على كافة قارات العالم ليس مجرد أرقام على خريطة صماء، بل هو بداية نزيف بطيء ومؤلم يطال الشرايين المالية، وسلاسل التوريد، والصناعات الدفاعية.
فعندما يبدأ حلفاء الكيان أنفسهم بالضجر، وتتجه الدول لاتخاذ إجراءات أحادية تضيق الخناق على الاستثمار والتجارة، تصبح مسألة السقوط النهائي في عزلة دولية كاملة مجرد مسألة وقت.
لقد دخل الكيان مرحلة “التأثير التراكمي” القاتل؛ حيث لن ينفعه الاختباء خلف اتفاقيات هشّة، وسيكتشف الإسرائيليون قريباً أن الرأس الحربي للعقوبات الدولية قد اخترق قبتهم بالفعل، تاركاً اقتصادهم وأمنهم يواجهان مصيراً معزولاً ومظطرباً لا مناص منه.




