الغائب الذي لا يغيب … ثلاثة رجال وطائفة

 

الحلقة الرابعة

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

حين وصل السيد موسى الصدر إلى لبنان عام 1959، كان الشيعة هناك كتلة سكانية كبيرة في أسفل السلم الاجتماعي: حضورهم في الدولة ضعيف، وحصتهم من الاقتصاد متواضعة. ما فعله الصدر يمكن وصفه بلغة المفكر بنديكت أندرسون، صاحب (الجماعات المتخيَّلة): أخذ مجتمعاً متفرق المناطق وأعطاه مؤسسات تجعله يرى نفسه كياناً واحداً. مدارس، وجمعيات، ومجلس شيعي أعلى اعترف به النظام اللبناني وخاطبه بصفته ممثل الطائفة.

 

ولم يكن الصدر وحده في الميدان. السيد محمد حسين فضل الله حمل معه تجربة العمل الإسلامي المنظم، والشيخ محمد مهدي شمس الدين حمل مشروع الاندماج الذي سماه «اندماج الشيعة في أوطانهم»، أي أن يتعامل الشيعة مع لبنان بوصفه وطناً يشاركون في إصلاحه من داخل الدولة. ثلاثة علماء، وثلاث رؤى لسؤال واحد: ما الدور المطلوب من طائفة صار لها وزن ولم يصبح لها بعد قرار؟

 

ألبرت حوراني مؤرخ بريطاني من أصل لبناني، وصاحب (تاريخ الشعوب العربية)، ومما بيّنه أن الجماعات في المشرق تحمل هويات متراكبة لا تحتملها التصنيفات الصلبة. ومثال الشيعة في لبنان، وفي العراق كذلك، واضح: مواطنون في دولة، وأبناء طائفة، ومقلِّدون لمرجعية تتجاوز الحدود، في آن واحد.

 

وفي منتصف الثمانينات جاءت لحظة كشفت تنوع الاجتهاد. حين أُعلن عن حزب الله وطُلب من العلماء أن يتولوا رعايته الدينية، رأى كلٌّ منهم الأمر بعينه: بعضهم دعمه، وبعضهم تحفظ على التسمية وعلى الصيغة الحزبية لعمل ديني. ولا يسيء هذا التنوع إلى أحد منهم، فهو في عمقه اختلاف علماء مخلصين في تقدير ما يحتاجه الناس في ظرف صعب.

 

وما يعنينا هنا أكبر من لبنان. حين يتحول مجتمع ديني إلى كتلة سياسية، يصبح سؤال الغياب سؤالاً يومياً. هل تنظم الطائفة نفسها داخل الدولة أم تجاورها؟ وهل تحمي نفسها بإغلاق أبوابها أم بفتحها على شركائها في الوطن؟

 

في الحلقة القادمة نعود إلى إيران. كيف وصلت فكرة طرحها منفيٌّ في النجف على طلابه إلى أن صارت أساس دستور؟ وما الاجتهادات التي ظهرت حولها داخل المدرسة العلمية نفسها؟

 

ثلاثة علماء، وثلاث رؤى، وطائفة تتعلم في كل جيل كيف توازن بينها.

شارك