أوهام اليسار الصهيوني: حين يُصبح ‘كوهين’ مخلِّصاً و’ترامب’ كافلاً لسلامة إسرائيل

 

أشرف التهامي.

 

 

خذ نفساً عميقاً، عزيزي القارئ، واخلع منطقك على أعتاب صحيفة “يديعوت أحرونوت”. نحن هنا أمام العرض المسرحي العبراني الأحدث: “البكائية الأخيرة على أعتاب صندوق الاقتراع”.

يطل علينا المحلل السياسي الإسرائيلي ” Shimon Shiffer” وهو يتأبط كتاباً لـ “ألبير كامو” بيد، وأغنية لـ “ليونارد كوهين” باليد الأخرى، بينما عيناه شاخصتان نحو البيت الأبيض، يتوسل “مسيحه المخلص الجديد” دونالد ترامب كي يمسك بيد “بيبي” المجنونة حتى لا تُشعل المجرة بأكملها!

في عالم هذا المحلل، يُصبح الحل السياسي بسيطاً لدرجة السحر: “نتنياهو” سينصرف يوم 27 أكتوبر وكأنه كان مجرد زائر ثقيل الظل في حفل شاي، و”عوفر وينتر” القائد العسكري القاسي يبكي لأن آلة التشويه طالته واكتشف فجأة أن السياسة ليست نزهة للأطفال، وأرييه درعي يحسب “البركة الإلهية” بمدى الانضباط الجنسي لرئيس الكنيست!

ولكن، لا تقلقوا جميعاً.. فالخلاص قد وصل! ليس عبر صندوق الاقتراع، ولا عبر مراجعة تاريخية للجرائم، بل من خلال “حفل أغاني ساخر” في تل أبيب، تُغنى فيه موشحات عاطفية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين: “تخلَّ عن الأمر يا أخي.. من حقك أن تحب!”.

نعم، لقد قرأت السطر الأخير بشكل صحيح.. المخرج من أزمة إسرائيل الأبدية هو أن يغني الكيان الإسرائيلي لنفسه أغنية عاطفية أُهديت لصدام حسين!

اليوم و على الموقع الرسمي للصحيفة العبرية ” يديعوت احرونوت “نشر المحلل السياسي الإسرائيلي ” Shimon Shiffer”رأياً بعنوان ” اقتربت الانتخابات في إسرائيل، وأجرؤ على الأمل في مستقبلٍ بلا نتنياهو” تحت الرابط التالي:

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/bjw8xrbhgl

يقول فيه : “مع اقتراب إسرائيل من انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر، تُعيد المخاوف من اندلاع حرب أخرى إلى الأذهان ذكريات هجوم دامٍ وقع قبيل انتخابات عام 1988؛ وفي ظل أجواء من العداء السياسي والانقسامات العميقة، تأتي أمسية من السخرية وكلمات ليونارد كوهين لتمنح بصيصاً غير متوقع من الأمل”.

و في السطور التالية نقدم لكمالترجمة الحرفية لما جاء على الموقع الرسمي للصحيفة العبرية .

نص الرأي الإسرائيلي:

يقدم التاريخ تذكيراً مروعاً بكيفية طغيان العنف على الانتخابات الإسرائيلية. ففي عام 1988، وقبل 36 ساعة فقط من التصويت لانتخابات الكنيست الثاني عشر، قُتلت راحيل فايس وأطفالها الثلاثة في هجوم إرهابي مروع، إثر إلقاء زجاجات حارقة على حافلة كانت متجهة نحو القدس، شمال أريحا.

في الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل لانتخاب الكنيست السادس والعشرين في السابع والعشرين من أكتوبر، تُطرح مجدداً تساؤلات حول ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى في موعدها المقرر، وذلك في ظل التوترات القائمة على جميع الجبهات المحيطة بالبلاد تقريباً.

اسمحوا لي أن أقدم لكم بعض الطمأنة؛ فبحسب علمي، لن يسمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالقيام بتحركات عسكرية قد تجر الولايات المتحدة إلى مواجهة أخرى مع النظام الديني في إيران، أو تشعل فتيل قتال جديد في مناطق أخرى من المنطقة.

ولكن، تأمَّل ما قد يحدث إذا بقي نتنياهو في السلطة. يكاد يتراءى لي مشهد أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد الانتخابات، حيث يطلب رئيس الوزراء من وزرائه الموافقة على قرارين: الأول، أن الأرض مسطحة؛ والثاني، أن على جيش الدفاع الإسرائيلي إنجاز المهمة ضد إيران، وفي كل من غزة ولبنان وسوريا.

من المرجح أن يتسابق الوزراء -الذين يترقب كثيرٌ منهم بلهفةٍ تولي حقائبهم الوزارية الجديدة- في كيل المديح لنتنياهو، واصفين إياه بأنه “أعظم زعيم في جيلنا”.

لكنني أقترح أن نضع هذا السيناريو جانباً؛ فأنا لا أعتقد أنه سيتحقق. بل أنا على قناعة بأن نتنياهو سيغادر منصبه بعد السابع والعشرين من أكتوبر، تاركاً لخلفه بلداً يحتاج إلى أكثر بكثير من مجرد إصلاحات؛ فهو بحاجة إلى التحرر من عبءٍ ثقيلٍ من القيود السياسية، والإخفاقات المؤسسية، ونمطٍ من الحكم تدنى إلى ما دون أي معايير مقبولة.

ولإلقاء نظرة على الثقافة السياسية التي آمل أن نتجاوزها، تأملوا حالة “عوفر وينتر”، وهو قائد عسكري إسرائيلي رفيع المستوى سابق، وجد نفسه على خلاف مع نتنياهو وحلفائه السياسيين. يشتكي وينتر الآن من أنهم يعاملونه بأساليب تذكّره بما كان يسمعه في قصص المافيا.

ولا أملك رداً على ذلك سوى قولٍ واحد: أهلاً بك في النادي.

 

أوهام اليسار الصهيوني: حين يُصبح ‘كوهين’ مخلِّصاً و’ترامب’ كافلاً لسلامة إسرائيل 5179

عوفر وينتر.

انضم “وينتر” الآن إلى القائمة الطويلة للأشخاص الذين استهدفتهم -حسب رأيي- آلة التشويه السياسي التي باتت سمةً مميزةً لأسلوب نتنياهو في التعامل مع خصومه. وإذا أراد “وينتر” أن يدرك إلى أي مدى يمكن أن تصل مثل هذه الهجمات، فأنصحه بالتحدث إلى جدعون ساعر، السياسي الإسرائيلي المخضرم الذي اختبر بنفسه ما يمكن أن يفعله المعسكر السياسي التابع لنتنياهو بعائلة أحد خصومه.

ولا تقتصر قبح هذه الثقافة السياسية على كيفية التعامل مع الخصوم الأفراد فحسب؛ فقد بات من الصعب بشكل متزايد إجراء حوارٍ هادفٍ يتجاوز الانقسامات السياسية والأيديولوجية في إسرائيل. وفي كتابه “الأزمة الإنسانية” (The Human Crisis) -وهو مجموعة من التأملات حول الحرب العالمية الثانية والنازية- ناقش الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو واحدة من أعقد معضلات البشرية: العجز عن إقناع الآخر.

يرى كامو أننا نميل إلى الاعتقاد بأننا إذا تعاملنا مع الآخرين بإنسانية، فسنلقى منهم استجابةً إنسانيةً مماثلة؛ غير أن التجربة تُعلّمنا أن ثمة أشخاصاً يستحيل إقناعهم.

وفي المرحلة الأخيرة من هذه الحملة الانتخابية، واجهنا تذكيراً قبيحاً آخر بمدى عمق الانقسام الذي يعاني منه المجتمع الإسرائيلي.

فقد أدلى أرييه درعي، زعيم حزب “شاس” (الممثل لليهود المتشددين دينياً)، بتصريحات مسيئة للغاية حول التوجه الجنسي لرئيس الكنيست أمير أوحانا، الذي يجاهر بكونه مثلياً. وقد ألمح درعي إلى أن هذا التوجه الجنسي لأوحانا هو السبب وراء حرمان الائتلاف الحاكم من “المعونة الإلهية” (siyata dishmaya) في مساعيه الرامية لاستصدار إعفاءات من الخدمة العسكرية لطلاب المعاهد الدينية (اليشيفوت) من اليهود المتشددين.

هذا النوع من الخطاب يكشف عن الوجه الأكثر قبحاً للسياسة الإسرائيلية. ولا يسعني إلا أن آمل، بعد انقضاء هذه الانتخابات، أن نخرج منها وقد خفت حدة ندوبنا قليلاً.

ولحسن الحظ، لا تزال هناك لحظات تذكرني بإسرائيل أخرى؛ إسرائيل التي لا تزال مبدعةً وحيويةً، وقادرةً على تجاوز مرارة السياسة.

ففي يوم الثلاثاء الماضي، لم يتبقَ مقعدٌ واحدٌ شاغرٌ في قاعة الحفلات الرئيسية في تل أبيب، حيث أقيمت فعالية “بيتشاكوتشا” (PechaKucha) -وهو تنسيق ياباني الأصل يجمع الفنانين والمؤدين- إذ مُنح كل مشارك ست دقائق وأربعين ثانية بالضبط لعرض أعماله.

لقد كانت أمسية استثنائية، منحتني شعوراً متجدداً بالأمل؛ فبرغم كل ما مرّت به هذه البلاد، ما زلنا نعيش في فترة خصبة ومثيرة للغاية على صعيد الإبداع الفني. كانت إحدى أبرز فقرات الأمسية تلك التي قدمها أولي دانون ويوناتان بلومنفيلد؛ إذ تضمّن عرضهما الموسيقي الساخر والمبتكر للغاية، “أغانٍ وأشرار: مذنبون بالغناء” (Songs and Villains: Guilty of Song)، صوراً ضخمة لكل من ماو تسي تونغ، وجوزيف ستالين، وعلي خامنئي، وصدام حسين.

ومن بين الأغاني التي قدّماها، كانت هناك أغنية موجهة إلى صدام حسين، علقت في ذاكرتي منها بضعة أسطر:

“تخلَّ عن الأمر يا أخي، تخلَّ عنه. لقد مضت سنوات طويلة. نحن نتغير. يحق لك أن تعيش، وأن تكون سعيداً، وأن تحب. تخلَّ عن الأمر يا أخي. تخلَّ عنه وامضِ في طريقك”.

وبينما كنت أستمع، وجدت نفسي أتساءل في صمت: هل ربما نقترب نحن أيضاً، قريباً، من ذلك الخلاص الذي طال انتظاره؛ فرصةً للتحرر أخيراً من كل ما قاسيناه؟

بالطبع، إنَّ مَن يرى رابطاً بين هذه الكلمات وما يجري حالياً في إسرائيل، فإنه يفعل ذلك على مسؤوليته الخاصة.

تعيدني فكرة التحرر هذه إلى ليونارد كوهين، الذي جمع في كتابه «كتاب التوق» (Book of Longing) -كما كتبتُ الأسبوع الماضي- أفكاراً وتأملات تراكمت على مدى سنوات طويلة.

في عام 1973، حين انضم كوهين إلى وحدات عسكرية إسرائيلية كانت تقاتل في سيناء خلال حرب «يوم الغفران»، كتب يقول:

«الطوفان قادم / والمياه في صعود / ستعبر الوديان / وستبلغ أسطح المنازل / سيغرق الجسد / وتزهر الروح / لقد كتبتُ كل هذا / لكن شيئاً منه لم يثبت بعد».

لا يسعني إلا أن آمل أن أكون على صواب.

و ختاماً و في نهاية المطاف، يكشف هذا المقال -دون أن يقصد كاتبه- عن المأزق الوجودي والأخلاقي الذي يعيشه الفكر السياسي الإسرائيلي ، إنه هروب مُتقن ومثير للشفقة من مواجهة الحقيقة:

” حقيقة أن “نتنياهو” ليس طارئاً على النظام، بل هو إفرازه الطبيعي والمنطقي”.

يتطلع الكاتب إلى “طوفان” كوهين الشاعري ليصلح ما أفسده الدهر، ويستجدى لحظة “بيتشاكوتشا” فنّية في تل أبيب كي يغطي بها على ضجيج القنابل وصراخ الضحايا والانقسام المجتمعي العمودي.

يبحث المقال عن الأمل في أغنية لـ “كوهين” أو نظرة حانية من “ترامب”، متجاهلاً أن الأزمة ليست في شَخص نتنياهو، ولا في شطحات درعي، بل في البنية العميقة لدولة تبحث عن “إنسانية كامو” في قاعات الحفلات المغلقة، بينما تُمارس عكسها تماماً على الأرض.

ينتهي التقرير بتوسل شعري:

“لقد كتبتُ كل هذا، لكن شيئاً منه لم يثبت بعد”.

والحقيقة الوحيدة التي تثبت يوماً بعد يوم للمجتمع الاستيطاني ، هي أن العيش في أوهام “الإبداع والتسامح الذاتي” وسط إقليم يغلي، لن ينقذ سفينة تغرق من الداخل؛ مهما بلغت بلاغة “كوهين”، ومهما طال عرض الـ “بيتشاكوتشا”.

 

شارك