بين قاعات بغداد وكواليس الصراع: رسالة شجاعة لإنهاء العبث الإقليمي

 

بقلم الباحث والكاتب السياسي/ عدنان صگر الخليفة

(رئيس اتحاد القبائل العراقية)

اختتمت في العاصمة بغداد أعمال الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، وحيدت مخرجاتها الرسمية – كما كان متوقعاً في أروقة الدبلوماسية التقليدية – عن ملامسة الحقيقة الجوهرية للنزاعات الملتهبة في المنطقة. لقد عكس البيان الختامي الصادر تحت مسمى “إعلان بغداد” والمؤتمر الصحفي المرافقة له حالةً صارخة من التغاضي والصمت المريب تجاه الحرب العدوانية والدائمة على اليمن؛ حيث غابت أي إشارة جادة أو نص صريح يدين التدخلات العسكرية الإقليمية والدولية، وتجييش الجيوش، واستمرار الحصار المفروض على هذا البلد العربي والإسلامي الشقيق منذ أعوام طويلة.

إن هذا التجاهل الرسمي يضع علامات استفهام كبرى أمام جدوى المؤتمرات الإقليمية؛ إذ كان من الواجب الأخلاقي والسياسي المباشر تضمين البيان الختامي خريطة طريق واضحة تُنهي هذا العدوان، وتدعو بشكل صريح إلى تحقيق السلام الشامل في اليمن عبر الحوار الوطني المباشر بين أبنائه وعلى ترابهم الوطني، بعيداً عن صلف التدخلات العسكرية والوصاية الإقليمية والدولية التي لم تنتج سوى استنزاف مقدرات شعب يمني عزيز ونشوء أزمات إنسانية واقتصادية يندى لها جبين البشرية.

أمام هذا الهروب الدبلوماسي إلى الأمام وتدوير الأزمات في قاعات بغداد المغلقة، تكتسب الرسائل والمواقف الصادرة من الميدان أهمية استثنائية؛ ولا سيما الرسائل الموجّهة من صنعاء إلى وزراء الخارجية، والتي تفند كلفة الحصار والعدوان المستمر منذ مارس 2015، وتوضح أن التعاطي الإيجابي مع خيارات التفاوض قوبل دائماً بالتنصل والمناورة لترسيخ حالة “اللا سلم واللا حرب”. إن غياب اليمن عن مخرجات مؤتمر بغداد يثبت أن الحسابات التوافقية والتكتم البرتوكولي لا يمكنهما إسقاط حقيقة الأرض والسيادة؛ إذ تبقى الشرعية الحقيقية والناجزة هي تلك المستمدة من الميدان ومن التراب الوطني، وليست غطاءً شكلياً تُسبغه عواصم الجوار على كيانات لا تملك شبرًا واحدًا من السيطرة الفعلية ولا جيشًا يحمي حقوقها من الداخل.

كما لا يمكن فصل هذا التغاضي عن خلفية التحركات غير المعلنة التي سبقت انطلاق الاجتماعات، ولا سيما الزيارة الرسمية خاطفة الساعات لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض وما رافقها من ترتيبات غير معلنة لضبط إيقاع المؤتمر وتفادي الصدام، لتبقى مخرجات بغداد مجرد إدارة للوقت وتأجيل للاستحقاقات الوطنية الإقليمية تحت أفق التوازنات الدولية لعام 2027.

إننا نضع هذه القراءة الشجاعة والمجردة أمام الشارع العربي والإسلامي وأمام المجتمعين في بغداد: إن أي مسعى حقيقي لوقف نزيف الدم وإرساء السلام في اليمن والمنطقة لا يتأتى عبر صياغات البيان الختامي المائعة ولا التغاضي عن العدوان، بل عبر العودة الصادقة إلى حقيقة الميدان، ورفع كافة أشكال الحصار والتدخل الخارجي، وترك مقدرات اليمن لأبنائه لتقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم في أمان وسيادة كاملة. أما وقد غلبت المداراة الدبلوماسية، فالجميع أعلم بما اجتمعوا لأجله، والتاريخ كفيل بتسجيل المواقف وتعرية السياسات في ميزان الحقيقة والضمير.

شارك