العقل المتجرد ومأزق الفلسفة المسيرة قراءة إغنائية في أطروحة ميناكوف: تسييس المعرفة، الحاكمية المادية، وأنتولوجيا التحرر

العقل المتجرد ومأزق الفلسفة المسيرة

قراءة إغنائية في أطروحة ميناكوف: تسييس المعرفة، الحاكمية المادية، وأنتولوجيا التحر

 

الشيخ عدنان صگر الخليفه

رئيس إتحاد القبائل العراقية

 

أولاً/ الإشكالية والمدخل الحواري (تأملات في أطروحة ميناكوف)

تستند هذه الدراسة إلى قراءة حوارية وتكاملية للأطروحة القيمة التي قدمها الباحث والأكاديمي ميخائيل ميناكوف (Mikhail Minakov) بعنوان “Litteris et Patriae: Windelband, Strasbourg and the Heresy of National Philosophy” (أي بما معناه: “للآداب والوطن: فيندلباند، ستراسبورغ وهرطقة الفلسفة الوطنية”)، والتي سلّط فيها الضوء على واقعة تاريخية مفصلية شهدتها جامعة ستراسبورغ عام 1914، تمثلت في الخطاب الذي ألقاه الفيلسوف الألماني فيلهلم فيندلباند (Wilhelm Windelband)؛ حيث جرى تدجين الفلسفة وتجريدها من بعدها الكوني لتتحول إلى أداة لخدمة الدولة القومية وتبرير حروبها وسياستها الجيوسياسية. إن ميناكوف يُطلق على هذا التحول اسم “الهرطقة الوطنية”، مشيراً ببراعة إلى أن ربط الدرس الفلسفي بالهوية القومية أو أيديولوجيا النظام السياسي يُشوه النزاهة الإبستيمولوجية (أي المنهجية المعرفية المتعلقة بنظرية المعرفة وشروط صحتها) ويحول المفكر من باحث عن الحقيقة إلى موظف في جهاز السلطة.

وانطلاقاً من التقدير الكبير لهذه الرؤية التاريخية المعمقة، تسعى دراستنا هذه إلى مد الجسور المعرفية مع طرح ميناكوف وإغنائه بزاوية إضافية تتصل بجذور السلوك الإنساني والبنية المادية. إن الارتقاء بالحوار المعرفي يتطلب أن نضم إلى نقد “تسييس الفلسفة” أو قومنتها، التفكيك الدقيق للانحراف الأول الذي يصيب العقل البشري حين يستسلم لمنظومة الدافع المادي والنفعي. فالأيديولوجيا السياسية أو القومية تجد طريقها إلى استعباد الفكر من خلال بيئة تُغذى وتدار عبر آليات رأس المال، والمكتسبات الاقتصادية، ورغبة الأفراد والمؤسسات في الاستحواذ على الامتيازات أو الخوف من فقدانها؛ وبذلك تتكامل الرؤية العلمية حين نلتفت إلى البنية المادية التي تسهم في صنع تلك القيود الفكرية.

 

ثانياً/ الحاكمية المادية والنفعية كعامل بنيوي لتسيير الفكر

يتسع أفق الدرس الفلسفي حين يتتبع التحولات التي تطرأ على المعرفة عندما تنتقل من قيمة وجودية مجردة إلى بضاعة نفعية تُطلب وتُباع داخل سوق التأثير السياسي والتمويل المؤسساتي. فعندما يصبح المحرك الأساسي للفرد أو المؤسسة العلمية هو كيفية تحصيل المال، أو تأمين الامتيازات الطبقية والمكاسب المادية، يفقد الفكر حريته الفطرية، ويصبح محكوماً بأهوائه النفسية والعاطفية والدينية التي قد توظفها السلطات لإحكام السيطرة عليه. إن هذا الارتهان المادي يتجلى بوضوح عند إعادة تأمل الأدبيات الفلسفية النقدية عبر تاريخها العريق:

أ/ باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza): كشف في كتابه “Tractatus Theologico-Politicus” (أي بما معناه: “رسالة في اللاهوت والسياسة”) عن الميكانيزم السيكولوجي (أي الآلية النفسية التي تفسر سلوك الإنسان وانفعالاته) الذي يربط الخوف بالطمع؛ حيث يرى أن الإنسان عندما يكون أسيراً لتقلبات الظروف المادية ورغبة السلامة الشخصية، يصبح عرضة للخضوع للأوهام والانصياع للمؤسسات المستبدة التي تعده بالأمان المادي أو الديني مقابل تنازله عن حريته العقلية.

ب/ إيمانويل كانط (Immanuel Kant): أوضح في مقالته “Beantwortung der Frage: Was ist Aufklärung?” (أي بما معناه: “الإجابة عن سؤال: ما التنوير؟”) أن الوصاية الفكرية التي يُخضع لها الإنسان نفسه لا تنبع فقط من القسر الخارجي للسلطة، بل من العجز والكسل والجبن الفردي. وإن أكبر مظاهر هذا الجبن يتجلى في التخلي عن التفكر الحر لصالح الراحة المادية والانقياد للجهات التي توفر العيش المادي أو الحماية المؤسسية.

ج/ كارل ماركس (Karl Marx): أصل في دراسته الموسومة “Die deutsche Ideologie” (أي بما معناه: “الأيديولوجيا الألمانية”) للبنية التحتية (أي العلاقات والمصطلحات الاقتصادية والمادية التي تشكل قاعدة المجتمع) كيف أن البنية الفوقية (أي الأفكار، والفلسفات، والقوانين، والثقافة) تتأثر تأثراً بنيوياً بالمصالح المادية والقوى التي تمتلك وسائل الإنتاج المادي والمعرفي.

ومن هنا، فإن الحوار المهني يوجه التفكير نحو ضرورة مراجعة الأطروحات التي تدعي الحداثة والتجديد، لتخليصها من التحيزات النفعية والمادية المضمرة، وإعادة إرسائها على قواعد التوازن والحياد الأكاديمي المتجرد.

 

ثالثاً/ أنتولوجيا العقل ومتسامي الأخلاق (تكامل الحرية ورسالية الوعي)

تنفتح هذه الدراسة على البديل المعرفي القائم على العودة إلى أنتولوجيا (أي علم الوجود الذي يبحث في ماهية الكائنات وعلل وجودها الأولى) العقل كما أراده الخالق جل وعلا في أصل الخلقة. إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق العقل البشري ليكون طاقة مسيرة أو أدوات خاضعة للتنظيمات القمعية والمكاسب الضيقة، بل خلقه بوصفه أسمى مكرمة وجودية وطاقة لا متناهية وُجدت لاكتشاف سر الوجود، والتدبر في قوانين الكون، وإقامة العدل والحقيقة المتجردة.

إن التحرر الفكري الحقيقي يتمثل في التعالي الواعي على كافة الأغلال التي قد تكبل حركة العقل—سواء كانت ضغوط الدولة القومية، أو هيمنة رأس المال، أو قراءة الممارسات المؤسسية الدينية والمذهبية القائمة على احتكار القداسة الإلهية. وإن السلامة المنهجية تقتضي التمييز بين القداسة الإلهية المطلقة وبين الاجتهادات والممارسات البشرية التي تصيب وتخطئ؛ حيث تُظهر القراءة الموضعية الممتدة أن إضفاء القداسة العصمية على خطأ البشر يمثل تجاوزاً للمبدأ الرسالي الأصيل الذي يُحمّل كل صاحب فعل مسؤولية أفعاله وسننه (“مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا”).

ولكي تتضح الصورة العملية لهذا التجرد المعرفي، يستحضر المتن شواهد راقية من التراث العرفاني (أي المعرفة الذوقية الروحية القائمة على الانكشاف واليقين المباشر) التي تُمثل نموذجاً للوعي الإنساني والمتسامي:

أ/ المفهوم الأخلاقي للحرية والمسؤولية تجاه المجال العام: يتجلى في المسؤولية العالية للإنسان عن أفعاله اليومية؛ حيث يُقاس نبل الفكر وحريته الحقيقية بمدى شعور الإنسان بالرقابة الإلهية والمسؤولية الأخلاقية تجاه بيئته ومجتمعه (كالحفاظ على الممتلكات والمجال العام وإماطة الأذى عن الطريق)، بدلاً من الحرية الشكلية التي يمارسها الإنسان بعيداً عن الاستشعار الأخلاقي بآثار أفعاله.

ب/ المفهوم العلوي للتجرد المعرفي من النفعية والترهيب: يتمثل في المقولة التأسيسية المأثورة والواردة في أمهات كتب الحديث والتراث عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “إِلَهِي مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلاَ طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ، وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ”. إن هذه الصياغة الفكرية تضع يداً حانية على المفهوم الأصيل للوعي الإنساني؛ فالعبادة أو الفكر القائم على الترغيب والترهيب المادي والمعنوي يظل فكراً مرتبطاً بالحسابات النفعية، بينما الفكر المتجرد هو الذي يتجه نحو الحق والعدل لذاته وبصفائه الذاتي.

 

رابعاً/ الميكانيزم المعرفي للتحرير وروح التوصيات الضمنية

تستعرض الدراسة ضمن بنيتها التحليلية الميكانيزم (أي الآلية والخطوات التشغيلية الحاكمة لعملية معقدة) المنهجي الموصى به لتحرير العقل البشري من الانجرار التلقائي والأدْلجة النفعية، وذلك عبر ممارسة “التوقف الاستبصاري” والانسحاب الإرادي الهادئ من زحام التدافع اليومي والسباق المحموم نحو المكتسبات:

أ/ تفكيك عمى الاعتياد: كما يحدث في العلاقات الإنسانية والاجتماعية حين يلازم المرء بيئة أو شخصاً بصفة دائمة فيقع في “عمى الاعتياد” ويستصعب التمييز الموضوعي لأخطائه، كذلك يقع العقل أسيراً للأفكار الموجهة حين يندمج فيها دون مسافة زمنية تفصل بينه وبين التلقي المستمر.

ب/ تأسيس المسافة النقدية الهادئة: يتجلى البعد المنهجي في إتاحة فرصة للتفكر والسكون الناقد؛ حيث تمنح هذه المسافة العقل القدرة على قراءة المسارات برصانة، واكتشاف المؤثرات المادية أو التقليدية، والتمييز الواعي بين الحقيقة المطلقة والمتغيرات البشرية القاصرة.

وبذلك تنتهي الدراسة إلى الإشارة في متنها إلى أن مسار التحرر الفكري الحقيقي لا يبنى على مواجهة الآخرين أو انتقاص أطروحاتهم، بل على توفير بيئة استبصارية هادئة تتيح لكل عقل بشري استعادة سيادته، وتصفية حريته الفكرية، ليغدو الفكر متسامياً، جامعاً، وكونياً كغاية أصل الخلقة.

19 تشرين الاول 2026

شارك