كرد سوريا : من سلطة الأرض إلى ضمانة الحقوق

 

أ د بشير عصمت

 

 

 

الكرد والدولة: من البندقية إلى العقد السياسي

 

بحث من تسعة فصول – مقالات

 

 

 

أ د بشير عصمت

 

المقال الرابع

 

 

الاندماج أم إعادة الاستيعاب في الدولة المركزية؟

 

تبدو تركيا وسوريا، للوهلة الأولى، أمام مسار متشابه : تراجع السلاح الكردي ، عودة الدولة إلى احتكار القوة، وانتقال القضية إلى السياسة والحقوق . لكن التشابه ينتهي تقريبًا عند هذه النقطة . ففي تركيا تتخلى حركة مسلحة عن سلاحها داخل دولة لم تتفكك قط ، لها مؤسساتها وجيشها ودستورها وحدودها المستقرة ، ويبقى الكرد مواطنين داخلها يطالبون بتوسيع معنى المواطنة والاعتراف بهويتهم وحقوقهم . أما في سوريا ، فالمسألة معكوسة وأكثر تعقيدًا : الكرد لا ينتقلون فقط من السلاح إلى السياسة، بل من وضع مارسوا فيه قدرًا واسعًا من السلطة الفعلية على الأرض إلى التفاوض على الضمانات التي سيحتفظون بها بعدما تستعيد الدولة الأرض والمؤسسات والموارد والسلاح.

 

ولهذا فإن السؤال الذي طُرح في تركيا كان: ماذا ستفعل الدولة بالهدوء الذي حصلت عليه؟ أما في سوريا فالسؤال أشد قسوة: ماذا ستفعل الدولة بالقوة التي استعادتْها، وماذا سيبقى للكرد بعدما سلموا جزءًا كبيرًا من القوة التي كانت في أيديهم؟

 

هذا الفارق يجب أن يبقى حاضرًا في قراءة التجربتين. فالتسوية التركية، إذا استمرت، تعيد حركة مسلحة إلى المجال السياسي داخل دولة قائمة . أما التسوية السورية فتعيد مؤسسات نشأت خارج سلطة المركز إلى دولة ما زالت هي نفسها في طور إعادة البناء . تركيا مطالبة بتوسيع مواطنة موجودة أصلًا؛ سوريا مطالبة بتحديد شكل الدولة التي سيعود الجميع إليها . وفي تركيا يجري النقاش على حقوق داخل بنية راسخة، بينما يجري في سوريا على البنية ذاتها : مقدار المركزية ، وحدود الإدارة المحلية ، وموقع المكونات ، ومن يملك القرار في الدولة الجديدة.

 

ولفهم ثقل التحول السوري، لا بد من العودة إلى ما أنتجته الحرب . فقد أصبحت قوات سوريا الديمقراطية خلال المواجهة مع تنظيم داعش الشريك البري الرئيسي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وسيطرت في ذروة نفوذها على مساحات واسعة من الشمال والشمال الشرقي ، وضمت مناطق ذات غالبية كردية وأخرى ذات أكثرية عربية ومكونات سريانية وآشورية وغيرها، كما أدارت موارد ومنشآت ومعابر ومؤسسات أمنية ومدنية، وحملت مسؤولية السجون والمخيمات التي ضمت آلاف المرتبطين بداعش . لم يكن هذا مجرد نفوذ عسكري؛ لقد نشأ خلال سنوات الحرب شكل من أشكال السلطة الفعلية، وإن بقي بلا اعتراف دولي كدولة أو كيان سيادي مستقل.

 

وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة مع تركيا مختلفة. ففي تركيا لم يمتلك حزب العمال الكردستاني يومًا ربع البلاد أو إدارة حقول النفط والمؤسسات المدنية والحدود باعتبارها إدارة سياسية بديلة للدولة. كانت هناك حركة تمرد قوية وطويلة الأمد، لكنها ظلت تواجه دولة بقيت حاضرة في كامل بنيتها السيادية. أما في سوريا فقد جاءت التجربة الكردية نتيجة انهيار سلطة الدولة نفسها في مناطق واسعة . ومن هنا فإن التخلي السوري أكبر من مجرد التخلي عن السلاح، لأن ما يعاد إلى دمشق هو جزء من عناصر السيادة التي كانت غائبة عنها فعلًا.

 

لكن القوة التي بنتها قسد حملت منذ البداية حدودها الخاصة . فقد نشأت في ظرف استثنائي، واعتمدت جزئيًا على حاجة دولية محددة : هزيمة داعش ومنع عودته . الولايات المتحدة احتاجت إلى شريك عسكري فعال ، لكنها لم تقدم في أي مرحلة ضمانًا واضحًا بقيام دولة كردية أو باستمرار كيان مستقل عن دمشق إلى أجل غير محدد . وهذا فرق آخر مع تركيا. ففي تركيا تُحل القضية داخل علاقة مباشرة بين دولة ومواطنيها وحركة مسلحة نشأت داخل حدودها. أما في سوريا فقد كان طرف ثالث، هو الولايات المتحدة والتحالف الدولي ، جزءًا أساسيًا من ميزان القوة الذي سمح ببناء الوضع القائم ، ولذلك أصبح تغير الموقف الخارجي عاملًا حاسمًا في مصيره.

 

هنا يظهر درس السياسة الدولية بأوضح صوره: الحليف العسكري ليس بالضرورة ضامنًا سياسيًا دائمًا. قد يحتاجك في معركة، ثم يقرر أن الاستقرار في المرحلة التالية يقتضي دعم الدولة المركزية. وقد يساعدك على امتلاك أوراق القوة، من دون أن يلتزم بالصيغة السياسية التي تريد استخدامها من أجلها.

 

لم تخسر قسد الحرب التي طلب منها العالم أن تخوضها ضد داعش ، لكنها اكتشفت أن الانتصار في تلك الحرب لا يمنحها وحده حق كتابة النظام السوري الذي سيأتي بعدها.

 

ومع سقوط النظام السابق وصعود سلطة جديدة في دمشق، تحولت الأولويات الدولية والإقليمية بسرعة ، فلم تعد المسألة منع انهيار الدولة بقدر ما أصبحت إعادة توحيد مؤسساتها ، وضبط الحدود والسلاح والموارد ، ومنع نشوء سلطات متوازية قد تعرقل بناء المركز الجديد . وهكذا انتقل الضغط تدريجيًا من دعم قدرة قسد على البقاء العسكري إلى دفعها نحو التفاهم مع دمشق.

 

وفي هذه اللحظة كان ميزان القوة قد تغير. تقدمت قوات الحكومة في مناطق كانت تحت سيطرة قسد، وخسرت الأخيرة مساحات ومواقع وموارد مهمة، ثم دخل الطرفان في مسار وقف النار والدمج التدريجي للقوات والمؤسسات. لم تعد المفاوضات بين قوتين متعادلتين، لكنها لم تكن أيضًا تسليمًا بلا مقابل.

 

وهذا التفصيل ضروري.

 

ففي تركيا يحصل الانسحاب من السلاح قبل أن يكون هناك إعادة توزيع واسعة لمؤسسات الدولة نفسها؛ ولذلك يبقى السؤال: ماذا ستعطي الدولة سياسيًا بعد نهاية التمرد؟ أما في سوريا، فإن الدولة تحصل في الوقت نفسه تقريبًا على السلاح والأرض والمؤسسات والموارد، ولذلك تصبح طبيعة المقابل أكثر أهمية بكثير. كلما كبر ما يعيده الطرف الكردي إلى المركز، أصبح السؤال عن صلابة الحقوق التي يحصل عليها في المقابل أكثر إلحاحًا.

 

وقد حصل الكرد السوريون بالفعل على اعترافات لم تكن موجودة في الدولة السابقة: الاعتراف بالهوية الكردية جزءًا من النسيج الوطني، الاعتراف باللغة الكردية وإمكان تعليمها، معالجة آثار الحرمان من الجنسية، الاعتراف بعيد نوروز، وحظر التمييز القومي واللغوي . وهذه ليست مكاسب شكلية، ولا يجوز النظر إليها باستخفاف لمجرد أنها جاءت في ظرف كان ميزان القوة فيه يتحول لمصلحة دمشق . فهي تمثل تحولًا حقيقيًا قياسًا بتاريخ طويل من الإنكار والتهميش.

 

لكن المقارنة بتركيا تكشف هنا أيضًا فارقًا أساسيًا . ففي تركيا يدور الصراع أساسًا حول توسيع الاعتراف بحقوق موجودين أصلًا داخل نظام قديم ومؤسسات دولة مستقرة . أما في سوريا، فالاعتراف الجديد يولد داخل دولة انتقالية لم تستقر قواعدها الدستورية بعد، وتتركز فيها السلطة بدرجة كبيرة في الرئاسة . ولذلك فإن قيمة الاعتراف لا تتحدد فقط بما يقوله المرسوم، بل بموقعه داخل نظام سياسي لم تتحدد بعد الضمانات التي ستمنع التراجع عنه.

 

في تركيا يصبح السؤال: هل تتحول المواطنة التركية القائمة إلى مواطنة أكثر تعددًا ؟ وفي سوريا يصبح السؤال: هل تتحول الحقوق الجديدة إلى جزء من تعريف الدولة قبل أن تستعيد الدولة كامل قدرتها على فرض تعريفها الخاص؟

 

هذا فارق جوهري.

 

فالحقوق في تركيا تواجه دولة قوية قد تكون مترددة في توسيع مفهومها القومي ، لكنها دولة ذات مؤسسات وقواعد مستقرة نسبيًا. أما في سوريا فتواجه الحقوق مركزًا يعيد بناء قوته بسرعة، فيما لم يكتمل بعد العقد الدستوري الذي يحدد مدى سلطة هذا المركز. وهنا لا يكون الخوف فقط من نقص الحقوق، بل من أن تبقى الحقوق مرتبطة بإرادة السلطة التي اعترفت بها أكثر من ارتباطها بمؤسسات قادرة على حمايتها من السلطة نفسها.

 

إن الحق الذي يمنحه رئيس ليس مساويًا بعد للحق الذي لا يستطيع الرئيس التالي أن يسحبه.

 

وهذه هي العقدة السورية.

 

فالكرد تنازلوا عن أشياء مادية: سلاح، مواقع، أجهزة، موارد، معابر، مؤسسات، وقدرة على فرض أمر واقع. وفي المقابل حصلوا على اعترافات وحقوق سياسية وثقافية وقانونية تحتاج إلى دستور دائم وقضاء مستقل ومؤسسات محلية واضحة الصلاحيات لكي تصبح غير قابلة للتراجع.

 

وهنا يظهر عدم التكافؤ المحتمل بين طبيعة التنازلات: الأرض تُسلَّم مرة واحدة، أما الحق فقد يحتاج إلى سنوات كي يثبت أنه غير قابل للسحب.

 

ومع ذلك لا ينبغي القفز إلى استنتاج أن التسوية كانت خطأ. فقد يكون الاحتفاظ بالوضع السابق أصبح مستحيلًا أصلًا بعد تغير البيئة الدولية والإقليمية، وقد يكون الدفاع العسكري عنه أدى إلى خسائر أكبر وانهيار أشد. كما أن المناطق التي كانت تحت إدارة قسد لم تكن منطقة كردية خالصة، بل شملت مساحات واسعة ذات غالبية عربية، ما جعل تحويل واقع الحرب إلى كيان قومي دائم أكثر صعوبة سياسيًا وديموغرافيًا ودوليًا.

 

هنا تختلف سوريا مرة أخرى عن إقليم كردستان العراق، كما تختلف عن تركيا. فإقليم كردستان يمتلك أساسًا دستوريًا اتحاديًا وأرضًا أكثر وضوحًا من حيث ارتباطها التاريخي بالوجود الكردي، بينما نشأت تجربة شمال شرق سوريا في فضاء مختلط فرضت الحرب حدوده أكثر مما رسمتها تسوية سياسية مستقرة.

 

لكن إدراك محدودية المشروع السابق لا يحسم طبيعة المشروع الجديد.

 

فهل نحن أمام اندماج أم أمام إعادة استيعاب؟

 

الفرق بين الكلمتين ليس لفظيًا. الاندماج يعني أن يتغير الطرفان . تتخلى قسد عن الاستقلال العسكري والإداري، وفي المقابل تتغير الدولة نفسها لتصبح أكثر قبولًا بالتعدد، وأكثر استعدادًا لتوزيع بعض الصلاحيات، وأكثر قدرة على الاعتراف بالهوية واللغة والمؤسسات المحلية. أما إعادة الاستيعاب فتعني أن تتخلى الأطراف المحلية عن استقلالها، بينما يستعيد المركز كل أدوات السلطة ويبقى هو في جوهره على حاله، مكتفيًا بإعطاء بعض الحقوق الثقافية والسياسية التي لا تغير طريقة توزيع القوة.

 

وفي تركيا يوجد الخطر ذاته بصورة مختلفة. فهناك يمكن للدولة أن تنهي حزب العمال، تسمح بقدر أوسع من التعبير الثقافي، ثم تعتبر أن القضية انتهت من دون تعديل جوهري في علاقة المركز بالهوية الكردية. لكن حتى في هذه الحالة يبقى الكردي داخل مواطنة قديمة ومؤسسات دولة مستقرة. أما في سوريا، فإن إعادة الاستيعاب ستكون أوسع أثرًا لأنها قد تعني تفكيك تجربة كاملة من الإدارة المحلية ثم إعادتها إلى مركز لم يتحدد بعد مقدار قبوله بتقاسم القرار.

 

لذلك قد تكون المفارقة الأساسية بين الحالتين هي الآتية: في تركيا يختبر الكرد مقدار ما ستغيره الدولة بعد أن يتركوا السلاح؛ وفي سوريا يختبرون مقدار ما سيبقى لهم بعدما تترك الدولة لهم بعض الحقوق وتستعيد منهم أدوات السيادة.

 

وفي الحالتين لا يكفي الإعلان.

 

تركيا تحتاج إلى دولة قانون تجعل الحقوق السياسية والثقافية والإدارة المحلية جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة. وسوريا تحتاج إلى ما هو أكثر: إلى عقد تأسيسي يحدد شكل الدولة نفسها، ومدى المركزية، وصلاحيات المناطق، وطبيعة المشاركة في الموارد والقرار، ومكان اللغات والهويات المختلفة في الفضاء العام.

 

ومن هنا تصبح المسألة الكردية في سوريا مدخلًا إلى السؤال السوري الأكبر. فالمشكلة ليست كردية فقط . بعد حرب طويلة وانهيار مؤسسات الدولة ، تخشى مكونات ومناطق مختلفة من عودة نموذج يجعل إعادة توحيد الدولة مرادفة لإعادة تركيز كل السلطة في المركز . ولذلك فإن نجاح التسوية الكردية قد يقدم نموذجًا لسوريا كلها: دولة واحدة من دون سلطة واحدة تحتكر كل شيء ، ومؤسسات موحدة من دون محو الخصوصيات المحلية.

 

الحاجة إلى دولة قوية مفهومة. سوريا خرجت من حرب أهلية وتدخلات خارجية وتعدد مسلح وانهيار اقتصادي ومؤسسي، ولا يمكن إعادة بناء بلد بهذه الحالة من دون سلطة مركزية قادرة على ضبط الحدود والجيش والمالية والسياسة الخارجية. لكن هناك فرقًا بين الدولة القوية والدولة التي لا تكون قوية إلا إذا كانت شديدة المركزية.

 

الدولة القوية لا تخشى التعدد لأنها تمتلك مؤسسات تحكمه. أما الدولة المركزية المغلقة فتتعامل مع كل تنوع بوصفه نقصًا في سلطتها.

 

وهذا هو الامتحان الحقيقي لدمشق.

 

فإذا استطاعت تحويل الاعتراف بالكرد إلى حق دستوري، وترجمة اللغة إلى تعليم وثقافة ومؤسسات، والإدارة المحلية إلى صلاحيات حقيقية ، والتمثيل إلى مشاركة لا إلى مناصب رمزية ، فإن استعادة السيادة يمكن أن تكون مدخلًا إلى بناء دولة جديدة . أما إذا استعاد المركز الأرض والموارد والأمن، وظلت الحقوق مرهونة بقرارات قابلة للتعديل، فإن ما حدث سيكون أقرب إلى إعادة الاستيعاب منه إلى اندماج متبادل.

 

وهنا تصبح مقارنة تركيا وسوريا أكثر وضوحًا.

 

في تركيا، الخوف هو أن تنتهي الحركة المسلحة وتبقى الدولة كما هي.

 

في سوريا، الخوف هو أن تنتهي الحركة المسلحة والإدارة المستقلة معًا وتعود الدولة إلى مركزيتها القديمة بوجه جديد.

 

ولهذا فإن المخاطرة السورية أكبر من حيث نوع الأوراق التي يجري التخلي عنها.

 

في تركيا يترك الكرد أداة عسكرية كانت تتحدى الدولة، لكن الدولة نفسها لم تكن غائبة. أما في سوريا فتترك القوة الكردية مواقع من السلطة كانت تمارسها يوميًا: إدارة وأمن وموارد وأرض ومؤسسات. ولذلك يصبح أي تراجع لاحق في الحقوق أشد كلفة، لأن استعادة تلك الأوراق ستكون أكثر صعوبة بكثير من استعادة حركة سياسية لنشاطها.

 

من هنا يأتي السؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة: كم ستصمد الحقوق عندما تصبح دمشق أقوى؟

 

فالمرحلة الحالية قد تكون مرحلة احتياج متبادل. دمشق تريد إنهاء تعدد الجيوش واستعادة الأراضي والمؤسسات، والكرد يريدون ضمان حقوقهم وتجنب حرب جديدة. لكن ماذا يحدث بعد خمس سنوات إذا استقرت الدولة، وتحسنت علاقاتها الدولية، واستعادت اقتصادها ومواردها، وتراجعت أهمية الضغوط الخارجية التي دفعتها إلى التسوية؟

 

هنا تظهر قيمة الدستور.

 

بعض الحقوق يصعب التراجع عنها بعد تثبيتها اجتماعيًا وقانونيًا، مثل الجنسية والاعتراف بالهوية واللغة إذا دخلت التعليم والمؤسسات. أما القضايا المرتبطة بالإدارة المحلية وتوزيع الموارد والصلاحيات والأمن والتمثيل فهي أكثر عرضة للصراع لأنها تمس جوهر السلطة المركزية.

 

ولهذا فإن المعركة الكردية الجديدة في سوريا لم تعد معركة الاحتفاظ بكل قطعة أرض، بل معركة تحويل الأرض التي فُقد جزء من سلطتها إلى حقوق دستورية لا تتراجع بفقدان ميزان القوة الذي أنتجها.

 

وهنا تعود المقارنة مع تركيا إلى نقطة مشتركة عميقة. ففي البلدين انتقل الكرد من الاعتماد بدرجات مختلفة على القوة إلى اختبار القانون. لكن نقطة البداية مختلفة: تركيا مطالبة بأن تجعل القانون أوسع من تعريفها القومي القديم، وسوريا مطالبة بأن تجعل القانون أقوى من إرادة المركز الذي يعيد بناء نفسه.

 

في تركيا يكون النجاح عندما يستطيع الكردي أن يكون مواطنًا كاملًا من دون أن يُطلب منه تخفيف هويته.

 

وفي سوريا يكون النجاح عندما يستطيع الكردي أن يتخلى عن دولة الأمر الواقع من دون أن يخشى أن تعود الدولة الرسمية إلى إنكار ما اعترفت به.

 

ولذلك فإن السلام في تركيا يقوم على توسيع الدولة، بينما السلام في سوريا يقوم على إعادة تأسيسها.

 

هذه هي الخلاصة الأهم في المقارنة بين التجربتين.

 

تركيا لا تحتاج إلى بناء دولة جديدة لكي تحل قضيتها الكردية؛ تحتاج إلى توسيع مفهوم المواطنة ودولة القانون. أما سوريا فلا تستطيع معالجة قضيتها الكردية من دون أن تجيب أصلًا عن سؤال الدولة التي تريد بناءها بعد الحرب: مركزية أم لامركزية، أحادية الهوية أم تعددية، دولة تمنح الحقوق أم دولة يضمن دستورها الحقوق في مواجهة من يحكمها.

 

وهذا يجعل القضية الكردية في سوريا أشد ارتباطًا بمستقبل الدولة كلها.

 

فإذا نجح الكرد في تحويل ما خسروا من سلطة على الأرض إلى حقوق ثابتة، يمكن اعتبار ما جرى انتقالًا من قوة مؤقتة فرضتها الحرب إلى شراكة أكثر استقرارًا داخل الدولة. أما إذا عادت الأرض والسلاح والمؤسسات والموارد إلى دمشق، ثم بدأت الحقوق بالانكماش مع استعادة المركز قوته، فستكون التسوية قد حلت مشكلة السلطة الموازية من دون أن تحل القضية التي سمحت بقيامها.

 

وفي تركيا قد تنتهي مشكلة حزب العمال وتبقى القضية الكردية.

 

أما في سوريا فقد تنتهي قسد كقوة مستقلة، وتعود الأرض إلى الدولة، ثم تبقى القضية الكردية بعد أن تكون قد فقدت جزءًا كبيرًا من أوراق القوة التي كانت تملكها.

 

لهذا فإن الاختبار السوري أكثر إلحاحًا.

 

ليس السؤال ما إذا كانت دمشق استعادت سيادتها؛ فهذا أصبح إلى حد كبير واقعًا سياسيًا يتقدم على الأرض. السؤال هو ما إذا كانت السيادة التي استعادتْها ستصبح سيادة على مواطنين متساوين أم عودة لسلطة المركز على الأطراف.

 

وليس السؤال ما إذا حصل الكرد على بعض الحقوق؛ لقد حصلوا فعلًا على حقوق واعترافات مهمة. السؤال هو مقدار ما أصبح من هذه الحقوق خارج قدرة السلطة على استعادته منهم.

 

في تركيا، كان السؤال: ماذا ستفعل الدولة بالهدوء الذي حصلت عليه؟

 

أما في سوريا فهو أشد حسمًا:

 

ماذا ستفعل الدولة بالقوة التي استعادتْها؟

 

فإذا استخدمتها لبناء عقد جديد، يكون الكرد قد انتقلوا من سلطة الأرض إلى ضمانة الحقوق، وتكون سوريا قد انتقلت من استعادة الدولة إلى إعادة تأسيسها.

 

أما إذا استخدمتها لإعادة بناء المركزية، فسيكون الاندماج اسمًا آخر لإعادة الاستيعاب.

 

وقيمة الحق، في الحالتين، لا تظهر يوم تعترف به السلطة؛ تظهر يوم تريد التراجع عنه ولا تستطيع.

 

 

 

شارك