
العقول الشيطانية… حين يرتدي الخرابُ وجهَ الحكمة
بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل
ليست الكارثة أن يسقط العالم تحت وابل النيران، بل أن تُشعَل النيران في العقول أولًا، ثم يُصفَّق لمن أوقدها، ويُمنح لقب الحكيم، ويُترك الأبرياء ليتعلّموا من رماد بيوتهم معنى الخسارة. ليست المأساة أن يولد الشرّ من رحم الجهل، بل أن يولد من عقلٍ يعرف، ويخطّط، ويحسب، ويُتقن اختيار الضحايا، ثم ينام قرير العين؛ لأنّه استطاع أن يمنح جريمته اسمًا جميلًا، وأن يكسو أنيابه بربطة عنق، وأن يجعل الوحش يتحدّث بلغة المنطق، فيما تتعالى خلفه صرخات الذين سحقهم.
يا لغرابة هذا العالم! لقد بلغ الإنسان من الذكاء ما يمكّنه من ملامسة النجوم، لكنّه لم يبلغ من الرحمة ما يمنعه من إحراق الأرض تحت أقدام أخيه.** شقّ الفضاء، وفكّ شيفرات الحياة، واخترع آلاتٍ تسبق الضوء، لكنّه ما زال عاجزًا عن اختراع ضميرٍ يوقف يدًا حين تمتدّ إلى رقبة بريء. كأنّ الحضارة ركضت بعقل الإنسان إلى أقصى المسافات، بينما ظلّ قلبه عالقًا في كهوف الأنانية، يجرّ خلفه غرائز السيطرة، ويُخفيها تحت أسماء براقة لا تنطلي إلا على من اعتادوا النظر إلى الواجهات ونسيوا تفحّص ما وراءها.
العقول الشيطانية لا حتاج دائمًا إلى قرونٍ من الحديد كي تغزو العالم؛ يكفيها أن تتسلّل إلى الفكرة، فتسمّمها، وإلى الوعي، فتُربكه، وإلى الحقيقة، فتقصّ أجنحتها حتى لا تعود قادرةً على الطيران. إنّها لا تكتفي بصناعة الأكاذيب، بل تصنع لها جمهورًا، ولا تكتفي بتبرير الظلم، بل تعيد صياغة اللغة حتى يصبح الظالم صاحب حقّ، والمظلوم متّهمًا، والدم مجرّد تفصيلٍ صغير في تقريرٍ سياسيّ طويل. وحين تُصبح الكلمات أقنعةً للجرائم، لا تعود اللغة جسرًا بين البشر، بل تتحوّل إلى متاهةٍ يُدفن فيها المعنى، وتُغتال الحقيقة من دون أن يسمع أحدٌ صوت الرصاصة.
وما أخطر العقل حين ينفصل عن الضمير! فالعقل وحده يستطيع أن يبني قنبلة، لكنّه لا يستطيع أن يقرّر وحده إن كان ينبغي أن تُلقى. يستطيع أن يرسم خريطة الحرب بدقّة، لكنّه لا يسمع أنين الأمّ التي تبحث بين الركام عن طفلها. يستطيع أن يحسب عدد الصواريخ، ومساحة الدمار، وكلفة المعركة، لكنّه يعجز عن وضع ثمنٍ عادلٍ لروحٍ واحدة. هنا تتحوّل العبقرية إلى لعنة، والمعرفة إلى أداة افتراس، والتقدّم إلى قطارٍ مسرعٍ نحو الهاوية، يقوده أناسٌ يملكون عقولًا حادّة، لكنّهم فقدوا البوصلة التي تميّز بين أن تكون قويًّا وأن تكون ظالمًا.
وفي مسرح العالم الكبير، حيث تُضاء المنصّات وتُرفع الشعارات وتُصاغ الخطب بعناية، قد تُرسم مصائر الشعوب بأقلامٍ لا ترتجف، وتُحسم حياة الأبرياء على طاولاتٍ لا تسمع نبضهم. هناك، قد يصبح الوطن رقمًا في معادلة، والإنسان ورقةً قابلةً للاحتراق، والطفل خسارةً جانبيةً في حسابات الكبار. تُعلَن القرارات بوجوهٍ جامدة، وتُبرَّر المآسي بمفرداتٍ منمّقة، ثم يعود أصحابها إلى دفء بيوتهم، بينما ينام آخرون تحت السماء المفتوحة، يلتحفون الخوف، ويجمعون من الركام ما تبقّى من أسماء أحبّتهم.
لكنّ الغزو الأكثر رعبًا لا يحدث حين يدخل العدوّ أرضك، بل حين يدخل منطقه إلى عقلك؛ حين يقنعك بأنّ القسوة ضرورة، وأنّ الكراهية شجاعة، وأنّ التخلّي عن إنسانيتك هو الطريق الوحيد إلى النجاة. عندها لا يحتاج الطغيان إلى حراسة أبوابه، لأنّ ضحاياه يتولّون حراستها بأنفسهم؛ ولا يحتاج التضليل إلى إخفاء وجهه، لأنّ العيون تعلّمت ألّا ترى؛ ولا يحتاج الظلم إلى إسكات الجميع، لأنّ الخوف يعلّم الناس كيف يبتلعون أصواتهم قبل أن تخرج من حناجرهم.
وما بين عقلٍ يخطّط للخراب وعالمٍ يتلقّاه، تقف الحقيقة وحيدةً كشمعةٍ في مهبّ الريح. قد يحاصرونها بالدعاية، ويثقلونها بالتشكيك، ويطمرونها تحت جبالٍ من الأكاذيب، لكنّها تظلّ تملك ما لا يملكه الباطل: القدرة على البقاء بعد سقوط الأقنعة. فالأكاذيب تحتاج إلى أيدٍ تحرسها كلّ يوم، أمّا الحقيقة، فتكفيها لحظةٌ واحدة يسقط فيها القناع كي يظهر الوجه الذي أخفاه الزمن.
ومع ذلك، لا يجوز أن نواجه عتمة العقول الشيطانية بعتمةٍ تشبهها؛ فليس الحلّ أن نصبح نسخةً أخرى من الوحش الذي نخافه، ولا أن نُطفئ إنسانيتنا بحجّة حماية إنسانيتنا. إنّ المقاومة الحقيقية تبدأ حين نرفض أن نُستدرج إلى الكراهية، وحين نُحصّن عقولنا بالوعي، وألسنتنا بالصدق، ومواقفنا بالعدل. تبدأ حين نتعلّم أن نسأل قبل أن نصدّق، وأن نفكّر قبل أن نُردّد، وأن نميّز بين الحقيقة وما صُنع بعنايةٍ ليبدو حقيقة. فالعقل الواعي ليس عقلًا يعرف كلّ شيء، بل عقلٌ لا يسمح لأحدٍ أن يستعيره ليصنع به خرابًا لا يجرؤ على صنعه بيديه.
سيبقى العالم مهدّدًا ما دامت هناك عقولٌ تُتقن بناء المتاهات، وتترك للبشر مهمّة الضياع فيها؛ وما دام هناك من يظنّ أنّ امتلاك القوّة يمنحه حقّ التحكّم في مصائر الآخرين، وأنّ القدرة على ارتكاب الجريمة تعني القدرة على تبريرها. لكنّ التاريخ لا يخلّد الأقنعة إلى الأبد، ولا يمنح الأكاذيب حقّ الإقامة الدائمة في ذاكرة الشعوب؛ فكم من عروشٍ ظنّت نفسها أبديّةً، ثم ابتلعها الغبار، وكم من أصواتٍ أرادت إسكات الحقيقة، فإذا بصداها يعود من أفواه الذين ظنّوا أنّهم هُزموا.
يا أيّها الإنسان، احذر أن يتحوّل عقلك إلى قصرٍ يسكنه الشيطان، ثم تظنّ أنّك صاحبه لمجرّد أنّك تحمل مفاتيحه. احذر أن تبيع ضميرك مقابل وهم القوّة، وأن تمنح الظلم لغةً تبرّره، وأن تصمت حتى يعتاد العالم غياب صوتك. فليست الهزيمة أن تُحاصَر الحقيقة، بل أن تتخلّى عنها؛ وليست الكارثة أن يكثر الأشرار، بل أن يقلّ الذين يملكون الشجاعة لرفض شرّهم.
فحين تغزو العقول الشيطانية العالم، لا يكون الخطر في أنّها تعرف كيف تهدم الحضارات، بل في أنّها تعرف كيف تجعل البشر يصفّقون للهدم، ويقدّسون اليد التي ترفع المطرقة، ثم يبحثون بين الأنقاض عن معنى الحياة. وحينها، لا يعود السؤال: مَن أشعل النار في العالم؟ بل يصبح السؤال الأكثر وجعًا: مَن أقنع الإنسان بأنّ النار نور، وأنّ الرماد بداية الحضارة؟



