
نتنياهو وإيران: حين تتقاطع حسابات السلطة مع مخاطر الحرب وأمن المنطقة
كتب/. سعيد فارس السعيد
ليست المسألة الأخطر في المشهد الإسرائيلي الراهن مجرد احتمال شنّ هجوم جديد على إيران، بل احتمال تداخل الحسابات السياسية والانتخابية مع القرارات العسكرية التي قد تحدد مصير المنطقة بأسرها. فعندما تتزامن المنافسة على السلطة مع تصاعد التهديدات الأمنية، يصبح السؤال الجوهري: أين تنتهي الضرورات الاستراتيجية للدولة، وأين تبدأ مصالح القيادة السياسية في الحفاظ على موقعها؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة اليوم في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في ظل المنافسة بين بنيامين نتنياهو وخصومه، وفي مقدمتهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، وما يرافق ذلك من انقسام سياسي بشأن إدارة الحروب ومستقبل العلاقة مع إيران.
أولاً:
الأمن القومي بين الضرورة العسكرية والحسابات الانتخابية
تُظهر التقارير الإعلامية التي سبقت الانتخابات وجود خلافات بشأن توقيت أي تحرك عسكري جديد ضد إيران، كما نقلت تصريحات منسوبة إلى رئيس الأركان إيال زامير تفيد بأنه لا يرى، في الظروف القائمة آنذاك، مؤشرات عملياتية تستدعي شن هجوم قبل الانتخابات.
في المقابل، نفى نتنياهو حصول مواجهة معه، مع تأكيده استمرار التهديد الإيراني وضرورة التعامل معه.
وهنا ينبغي التمييز بين حقيقتين:
الأولى أن لإسرائيل خلافات أمنية واستراتيجية معلنة مع إيران، والثانية أن وجود هذه الخلافات لا يمنح أي قيادة سياسية تفويضاً مفتوحاً لتحويلها إلى حرب في أي توقيت تختاره.
إن اتخاذ قرار الحرب يجب أن يستند إلى تقدير واضح للتهديد، وأهداف قابلة للتحقيق، وحساب دقيق للتكاليف البشرية والاقتصادية والعسكرية، وتقدير لاحتمالات الرد واتساع المواجهة.
أما إذا تزامن القرار مع استحقاق انتخابي حساس، فإن واجب الشفافية والمساءلة يصبح أكثر إلحاحاً.
ولا يمكن الجزم بأن نتنياهو يسعى إلى الحرب لمجرد البقاء في السلطة، كما لا يجوز استبعاد احتمال توظيف التهديدات الأمنية في المنافسة السياسية.
المطلوب هو فحص الوقائع والأدلة، لا الاكتفاء بتفسير واحد للدوافع.
ثانياً:
هل تتحول إيران إلى ورقة في الصراع على السلطة؟
تاريخياً، كثيراً ما احتلت القضايا الأمنية موقعاً مركزياً في الانتخابات الإسرائيلية، حيث تتنافس الأحزاب على تقديم نفسها بوصفها الأقدر على حماية الدولة ومواجهة الأخطار الخارجية.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن أن يؤدي رفع مستوى التهديد إلى تغيير أولويات النقاش العام، بحيث تتراجع قضايا الفساد والإخفاقات الحكومية والمسؤولية عن نتائج الحروب لمصلحة سؤال الأمن والبقاء.
لكن هذا التأثير ليس مضموناً.
فقد تمنح المواجهة العسكرية القيادة السياسية دعماً مؤقتاً، وقد تؤدي، على العكس، إلى زيادة الشكوك بشأن جدوى قراراتها، خصوصاً إذا ارتفعت الخسائر أو اتسعت الجبهات أو لم تتحقق الأهداف المعلنة.
ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي ليس الخطاب الذي يرفع شعار حماية الدولة، بل النتائج التي يحققها القرار، ومدى اتساقه مع المصالح الوطنية بعيدة المدى.
إن أمن الشعوب لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للمنافسة الانتخابية، كما لا يجوز استخدام المخاوف المشروعة لتبرير قرارات عسكرية لا تستند إلى ضرورة واضحة أو لا تراعي عواقبها الإقليمية.
ثالثاً:
المؤسسة العسكرية وحدود السلطة السياسية
تطرح التقارير المتعلقة بالخلاف بين نتنياهو وزامير مسألة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية.
فالقيادة السياسية المنتخبة تتحمل مسؤولية تحديد السياسات العامة واتخاذ القرارات الاستراتيجية، بينما تقع على القيادة العسكرية مسؤولية تقديم التقديرات المهنية، وتوضيح المخاطر العملياتية، والالتزام بالقانون.
ولا يعني ذلك أن المؤسسة العسكرية تحل محل الحكومة في اتخاذ القرارات، ولا أن الأوامر السياسية تُنفذ من دون مراجعة قانونيتها أو جدواها.
إنما تكمن أهمية العلاقة السليمة بين الطرفين في الجمع بين الشرعية السياسية والكفاءة المهنية والمساءلة القانونية.
وإذا صحت التقارير عن طلب توثيق رسمي لأمر عسكري محتمل، فإن القضية تستوجب توضيحاً مؤسسياً بشأن طبيعة الأمر وأساسه القانوني، بعيداً عن التسريبات والتوظيف الحزبي.
وفي المقابل، فإن اتهام رئيس الحكومة بتعريض أمن الدولة للخطر لمجرد اختلاف التقديرات لا ينبغي أن يحل محل التحقيق المستقل.
والمعروف انه لدى المؤسسات الاستراتيجية في الكيان الاسرائيلي هو حماية المؤسسة العسكرية من التسييس، وضمان خضوع القرار الأمني للمساءلة، أياً كانت الجهة التي أصدرته.
رابعاً:
الولايات المتحدة وإسرائيل وحدود حرية القرار العسكري
لا يمكن فهم احتمال تجدد الحرب مع إيران بمعزل عن الموقف الأميركي.
فإسرائيل تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، لكن أي مواجهة واسعة مع إيران تترتب عليها حسابات تتصل بالدعم العسكري والاستخباراتي، وحماية القوات والمصالح الأميركية، وأسواق الطاقة، وأمن الملاحة الدولية.
وقد تناولت تقارير صحفية الخلاف حول توقيت استئناف الضربات، ونقلت أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تكن راغبة في تجدد المواجهة قبل الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر.
ومهما يكن من أمر هذه التقارير، فإنها تكشف عن مسألة استراتيجية أساسية: 【لا تتطابق بالضرورة حسابات الحليفين في توقيت الحرب أو نطاقها أو كلفتها】.
فقد ترى القيادة الإسرائيلية أن التصعيد يخدم أهدافاً أمنية مباشرة، بينما ترى واشنطن أن توقيته يهدد مصالح أوسع أو يفتح جبهات يصعب احتواؤها.
ومن هنا، لا تكفي العلاقة السياسية الوثيقة بين الطرفين لضمان التطابق في القرار العسكري.
كما لا يجوز افتراض أن الولايات المتحدة ستؤيد تلقائياً كل عملية إسرائيلية، أو أن رفضها توقيتاً معيناً يعني رفضها الدائم لأي عمل عسكري مستقبلي.
إن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية هو قدرتها على منع تحول الخلافات إلى حرب، وإيجاد بدائل سياسية تحقق المصالح الأمنية المشروعة من دون دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
خامساً:
الاجتماع الرباعي في طهران وإمكان بناء أمن إقليمي مستقل.
اكتسب الاجتماع الذي استضافته طهران في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمشاركة مسؤولين من إيران والسعودية وتركيا وباكستان، أهمية سياسية خاصة في ظل مخاطر تجدد المواجهة.
ووفقاً للبيان المنقول عن الاجتماع، اتفق المشاركون على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون في القضايا الإقليمية، بما فيها السلام والأمن.
وهذا تطور يستحق المتابعة، لكنه لا يعني أن الدول الأربع أنشأت بالفعل حلفاً دفاعياً موحداً، أو أنها تجاوزت جميع خلافاتها ومصالحها المتباينة.
إن الأهمية الاستراتيجية لهذا المسار تكمن في إمكان الانتقال من الاتصالات الدبلوماسية إلى تفاهمات عملية تمنع الحرب، وتخفض احتمالات سوء التقدير، وتحمي أمن الدول وشعوبها.
فالمنطقة لا تحتاج إلى اصطفاف جديد يزيد الاستقطاب، ولا إلى تحالفات تُبنى على استبعاد دولة أو استهداف أخرى، بل إلى إطار أمني إقليمي يقوم على احترام السيادة، وعدم الاعتداء، وتسوية النزاعات، ورفض التدخلات التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار.
وإذا أرادت الدول الأربع تحويل الاجتماع إلى مسار مؤثر، فعليها أن تبدأ بخطوات قابلة للقياس:
قنوات اتصال دائمة في الأزمات، وآليات للإخطار بالتحركات العسكرية الخطرة، وتفاهمات بشأن أمن الملاحة، والتزام متبادل بعدم استخدام أراضي الدول للإضرار بأمن جيرانها، ودعم المسارات الدبلوماسية لمعالجة النزاعات.
كما ينبغي أن يبقى هذا المسار مفتوحاً أمام بقية دول المنطقة، لأن الأمن المشترك لا يمكن أن يستقر عبر تفاهمات ضيقة أو ترتيبات تستبعد أصحاب المصالح المباشرة.
إن نجاح الحوار الرباعي لا يُقاس بالتصريحات التي تصدر عنه، بل بقدرته على منع الحرب وتثبيت قواعد تعاون تحترم مصالح المشاركين وسائر دول المنطقة.
امام كل ذلك يبقى العدوان الاسرائيلي على الجنوب اللبناني والحرب مابين اليمن والسعودية هما من اهم الملفات بالاجتماع الرباعي .
سادساً:
لبنان في قلب معادلة الأمن الإقليمي
لا يمكن الحديث عن أمن إيران وإسرائيل وتركيا والسعودية وباكستان بمعزل عن لبنان، الذي يدفع أثماناً باهظة كلما اتسعت المواجهات الإقليمية وتحولت أراضيه إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية.
فأي تصعيد جديد بين إسرائيل وإيران قد يرفع مخاطر توسع العمليات، ويضاعف الضغوط على الدولة اللبنانية واقتصادها ومؤسساتها، ويعرّض المدنيين والبنية التحتية لمخاطر إضافية.
ومن هنا، فإن إدراج لبنان في أي تفاهم إقليمي ليس مسألة تضامن سياسي فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي نفسه.
ويقتضي ذلك دعم سيادة الدولة اللبنانية، وحماية المدنيين، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب الإسرائيلي الفوري من الأراضي اللبنانية المحتلة، واحترام الحدود والقانون الدولي، ومنع استخدام لبنان منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.
كما يتطلب تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وقدرتها على بسط سلطتها وحماية مواطنيها، بالتوازي مع حوار وطني مسؤول يحدد أولويات الأمن والدفاع، ويعالج الخلافات الداخلية بعيداً عن التهديد والتخوين.
____ولا يجوز أن يكون لبنان مجرد بند ثانوي في مفاوضات الآخرين، أو ورقة تفاوض تُستخدم لتحسين شروط التسوية بين القوى الإقليمية والدولية. فاستقراره مصلحة لبنانية وعربية وإقليمية، وأي تفاهم لا يضع أمنه وسيادته في صلب أولوياته سيبقى عرضة للاهتزاز.
إن التفاهم الإقليمي المنشود يجب أن يضمن عدم الاعتداء على لبنان، ووقف العمليات التي تهدد أراضيه، واحترام قرارات الدولة، وتوفير الظروف اللازمة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وعودة النازحين إلى مناطقهم بأمان وكرامة.
سابعاً:
ما الذي ينبغي أن يحدث لمنع الحرب؟
إن مواجهة خطر التصعيد لا تكون بإطلاق التحذيرات وحدها، بل بإجراءات سياسية ودبلوماسية واضحة.
أولاً،
ينبغي للولايات المتحدة أن تستخدم نفوذها لمنع القرارات العسكرية المتسرعة، وأن تدعم مساراً تفاوضياً يعالج مصادر التوتر بدلاً من الاكتفاء بإدارة المواجهة بعد اندلاعها.
ثانياً،
ينبغي لإيران وإسرائيل تجنب أي تحرك عسكري لا تفرضه ضرورة دفاعية واضحة، والامتناع عن التهديدات التي تجعل الحرب تبدو خياراً حتمياً أو وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية.
ثالثاً،
يتعين على السعودية وتركيا وباكستان وإيران تحويل الحوار الرباعي إلى آلية مستمرة للتشاور وإدارة الأزمات، مع فتح المجال أمام مشاركة بقية دول المنطقة في صياغة ترتيبات الأمن المشترك.
رابعاً،
يجب حماية استقلالية المؤسسات العسكرية والقضائية عن التجاذبات الحزبية، وإخضاع قرارات الحرب والسلم للقانون والمساءلة، ومنع استغلال الخوف العام لتقييد الحقوق السياسية أو الالتفاف على الاستحقاقات الدستورية.
خامساً،
ينبغي وضع لبنان في صلب الجهود الإقليمية، من خلال ضمان سيادته ووقف الاعتداءات عليه، ودعم مؤسساته، ومنع تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
أما في إسرائيل، فإن مسؤولية الناخبين والمؤسسات الدستورية تتمثل في محاسبة القيادة السياسية على قراراتها ونتائجها، لا في منح أي طرف تفويضاً غير محدود باسم الأمن.
ولا ينبغي افتراض أن الحرب ستؤجل الانتخابات تلقائياً؛
____ فتأجيل انتخابات الكنيست يخضع لشروط دستورية وقانونية محددة، وليس قراراً يستطيع رئيس الحكومة اتخاذه منفرداً.
خاتمةالقول :
أمن المنطقة لا يُبنى على الخوف بل على التفاهم
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وإيران،
بل في أن تتداخل الحسابات الانتخابية مع المصالح الاستراتيجية، فتتحول المخاوف الأمنية إلى عامل يدفع نحو قرارات قد تتجاوز نتائجها قدرة أصحابها على التحكم بها.
ولا يمكن الجزم بأن أي تصعيد محتمل سيكون هدفه البقاء في السلطة، كما لا يمكن تجاهل ضرورة التحقيق في أي مؤشرات تدل على توظيف الأمن القومي في المنافسة السياسية.
فالمسؤولية تقتضي التحقق من الوقائع، ومساءلة أصحاب القرار، ورفض تحويل الاحتمالات إلى حقائق.
وفي المقابل، يفتح الاجتماع الرباعي في طهران فرصة ينبغي عدم إهدارها:
【الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء تفاهم إقليمي يضمن أمن الدول، ويحترم سيادتها، ويمنع التدخلات والاعتداءات، ويضع مصالح الشعوب فوق حسابات الحكومات الآنية】.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة تثبت قوة طرف أو تضعف خصماً، بل إلى نظام أمني يضمن ألا تكون حياة الشعوب ومصائر الدول رهينة لمنافسة انتخابية أو حسابات نفوذ.
والخطوة العملية المطلوبة اليوم هي إطلاق مسار تفاوضي إقليمي واضح، تشارك فيه الدول المعنية، وتكون أولوياته منع الحرب، وحماية لبنان، وضمان أمن الملاحة، واحترام السيادة، ووضع آليات ملزمة لخفض التصعيد وتسوية النزاعات.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق عندما يمتلك طرف القدرة على إشعال الحرب، بل عندما تمتلك دول المنطقة الإرادة السياسية لمنعها.
ويبقى لبنان وامنه واستقراره وسيادته كما اليمن ووقف الحرب بينه وبين السعودية
ومضيق هرمز كما باب المندب
ملفات من مسؤولية الدول الأربعة ( ايران وتركيا والسعودية باكستان )
لاتتدخل فيها القوى الخارجية .
سعيد فارس السعيد
كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام
27 تشرين الأول/أكتوبر 2026



