
من التهديد العسكري إلى توظيف الجغرافيا البحريأ في إدارة الصراع الإقليمي
إيران ترفع سقف الردع: مضيق هرمز في قلب معادلة المواجهة مع واشنطن
كتب / سعيد فارس السعيد
تكتسب التصريحات الأخيرة التي أدلى بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، أهمية خاصة في توقيتها ومضمونها، ولا سيما أنها تتناول ثلاثة ملفات مترابطة: مستقبل المواجهة مع الولايات المتحدة، وتطوير منظومة الردع العسكري الإيرانية، وشروط إعادة فتح مضيق هرمز.
فقد أكد رضائي، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني يوم السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر، أن بلاده تعمل على إرساء معادلة ردع تجعل أي دولة تفكر ملياً قبل اتخاذ قرار بمهاجمة إيران، معتبراً أن عدم تحميل الولايات المتحدة كلفة سياسية وعسكرية لأي مواجهة من شأنه أن يشجع أطرافاً أخرى على تكرار التجربة.
كما استخدم لغة شديدة التصعيد في وصف الرد الإيراني المحتمل إذا اندلعت الحرب مجدداً، وتحدث عن اختبار صواريخ مضادة للسفن في سياق المواجهة البحرية مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن».
ومن المهم هنا التمييز بين ما أعلنه المسؤول الإيراني بوصفه موقفاً رسمياً أو ادعاءً عسكرياً، وبين ما يمكن اعتباره واقعة عسكرية مثبتة بصورة مستقلة.
أولاً: تطوير مفهوم الردع الإيراني
يمكن قراءة تصريحات رضائي في إطار توجه إيراني يسعى إلى تطوير مفهوم الردع، بحيث لا يقتصر على امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات الدفاعية، بل يمتد إلى القدرة على التأثير في حسابات الخصم السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وهذا يعني أن طهران تحاول، وفق خطابها المعلن، الانتقال من سياسة الرد على الهجوم بعد وقوعه إلى بناء معادلة تجعل قرار الهجوم نفسه أكثر كلفة وتعقيداً.
لكن نجاح هذه المعادلة لا يتوقف على التصريحات أو القدرات المعلنة وحدها، بل يرتبط بمدى الجاهزية الفعلية، والقدرة على حماية المنشآت الحيوية، واستدامة القدرات العسكرية والاقتصادية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ثانياً: مضيق هرمز من ممر ملاحي إلى ورقة تفاوض استراتيجية
تتمثل النقطة الأكثر أهمية في تصريحات رضائي في تأكيده أن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه قبل تنفيذ الشروط الإيرانية السبعة، موضحاً أن كل شرط يتضمن شروطاً فرعية.
وهنا تبرز أهمية المضيق باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في الاقتصاد العالمي، نظراً إلى دوره في نقل النفط والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية.
وبالتالي، فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره لا يقتصر تأثيره على إيران أو الولايات المتحدة أو دول الخليج، بل يمتد إلى أسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، والاقتصادات المستوردة للطاقة.
ومن المنظور الإيراني، يبدو أن الاحتفاظ بورقة مضيق هرمز يرتبط بمحاولة الحصول على ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية قبل الدخول في أي تسوية جديدة.
أما من المنظور الدولي، فإن ربط حرية الملاحة بشروط سياسية متبادلة يفتح نقاشاً واسعاً حول أمن الممرات البحرية، وحقوق الدول المشاطئة، ومصالح الدول المستفيدة من حركة التجارة والطاقة.
ومن الضروري الإشارة إلى أن الشروط الإيرانية السبعة لم تُعرض في التصريح المذكور بصورة تفصيلية كاملة، ولذلك لا يصح التعامل مع جميع تفاصيلها باعتبارها معروفة أو محسومة.
ثالثاً: الرسائل العسكرية إلى الولايات المتحدة
تتضمن تصريحات رضائي رسالة عسكرية واضحة إلى واشنطن، مفادها أن إيران لا تريد أن تكون أي مواجهة مستقبلية امتداداً للسيناريوهات السابقة، بل تسعى إلى فرض حسابات جديدة تتصل بالصواريخ والقدرات البحرية والجغرافيا الإقليمية.
والإشارة إلى حاملات الطائرات الأميركية، واختبار الصواريخ المضادة للسفن، تحمل دلالة تتجاوز الجانب التقني، لأنها تتصل بمحاولة التأثير في حسابات الانتشار العسكري الأميركي في الخليج والمياه المحيطة به.
لكن من الناحية العسكرية، ينبغي عدم الخلط بين الإعلان عن اختبار سلاح، وإثبات قدرته العملياتية في ظروف الحرب، أو إثبات قدرته على إصابة هدف بحري متحرك ومحمي.
فالقدرات العسكرية تُقاس بنتائج الاختبارات، والجاهزية، والفاعلية العملياتية، وليس بمجرد التصريحات الإعلامية.
رابعاً: التوازن بين التصعيد والدبلوماسية
على الرغم من ارتفاع سقف الخطاب الإيراني، فإن التصريحات المتعلقة بالشروط السبعة ومضيق هرمز تكشف أيضاً عن وجود مسار تفاوضي لم يُغلق بالكامل.
فطهران تربط العودة إلى المفاوضات بتنفيذ مطالبها، بينما تتمسك واشنطن، وفق المواقف المتداولة، بمطالب مقابلة تتعلق بالملف النووي والأمن الإقليمي وترتيبات الملاحة.
وهذا يعني أن الطرفين لا يتعاملان مع الملف باعتباره مواجهة عسكرية فقط، بل باعتباره صراعاً على شروط التسوية وضماناتها وترتيب الالتزامات المتبادلة.
ومن هنا، فإن ارتفاع حدة التصريحات لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُّخذ، كما أن استمرار الاتصالات الدبلوماسية لا يعني أن الخلافات الأساسية قد جرى تجاوزها.
خامساً: الانعكاسات على دول المنطقة
لا يمكن فصل أي تطور في العلاقة الأميركية الإيرانية عن مصالح دول الخليج والعراق ولبنان وسورية، ولا عن أمن الملاحة والطاقة في المنطقة.
فاستمرار التوتر في مضيق هرمز يضع الدول الخليجية أمام تحديات أمنية واقتصادية مباشرة، كما ينعكس على الدول التي تعتمد على استقرار أسواق الطاقة والتجارة البحرية.
أما لبنان وسورية والعراق، فتتأثر ساحاتها بدرجات مختلفة بأي تحول في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، سواء من خلال المسارات السياسية أو التوازنات الأمنية أو التداعيات الاقتصادية.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرات الإقليمية التي تسعى إلى إشراك دول المنطقة في ترتيبات أمنية وسياسية مشتركة، بدلاً من أن تبقى المنطقة ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الدولية والإقليمية.
كما أن اللقاء الرباعي الذي استضافته طهران في 26 تشرين الأول/أكتوبر، بمشاركة إيران والسعودية وتركيا وباكستان، يكتسب أهمية في هذا السياق، بوصفه مؤشراً إلى استمرار البحث عن أطر إقليمية للحوار والتنسيق، وإن كان من المبكر اعتبار ذلك تحولاً نهائياً في بنية الأمن الإقليمي.
سادساً: الرأي الشخصي والتقدير الاستراتيجي
في تقديري، تكمن أهمية التصريحات الأخيرة في أنها تعكس محاولة إيرانية لربط ثلاثة عناصر ضمن معادلة واحدة: القدرة العسكرية، والتحكم بأوراق الجغرافيا الاستراتيجية، وشروط التفاوض السياسي.
لكن هذه المعادلة تواجه تحديات متبادلة.
فإيران معنية بإثبات قدرتها على حماية مصالحها وسيادتها، مع المحافظة على استقرارها الاقتصادي وتجنب استنزاف طويل الأمد.
والولايات المتحدة معنية بحماية وجودها العسكري ومصالحها وحلفائها، وبضمان استمرار حركة الملاحة والطاقة، دون الانجرار بالضرورة إلى حرب واسعة ومكلفة.
أما دول المنطقة، فإن مصلحتها الأساسية تكمن في عدم تحول أراضيها ومياهها وممراتها الحيوية إلى ساحات مواجهة مفتوحة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لأي استراتيجية ردع لا يتمثل في ارتفاع سقف التهديدات، بل في قدرتها على منع الحرب، وحماية المصالح الوطنية، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
الخلاصة
إن ما يجري حول إيران والولايات المتحدة ومضيق هرمز يتجاوز حدود التصريحات المتبادلة، ويعكس صراعاً على شكل التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط.
ومضيق هرمز، بحكم موقعه وأهميته الدولية، أصبح أحد أبرز عناصر هذه المعادلة، لكنه لا يمكن أن يكون وحده أساساً لأمن المنطقة أو لاستقرارها.
فالأمن الإقليمي لا يتحقق بالتهديدات المتبادلة، ولا بفرض الإرادات بالقوة، وإنما بتفاهمات متوازنة تحترم سيادة الدول، وتضمن حرية الملاحة، وتحمي مصالح الشعوب، وتمنع تحويل الخلافات السياسية إلى حروب مفتوحة.
فالردع الأكثر استقراراً هو الذي يمنع الحرب، والتفاوض الأكثر نجاحاً هو الذي يصنع ضمانات متبادلة، لا انتصاراً مؤقتاً لطرف على حساب طرف آخر.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»
معاً لتبقى الكلمة حياة، ورابطاً للحقيقة، وصوتاً لإنسانية الإنسان في كل مكان، وأملاً ورجاءً لشرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام.



