
ضربات أمريكية جديدة ضد إيران تثير مخاوف من توسع نطاق الحرب، وطهران تطلق تحذيراً شديد اللهجة
أشرف التهامي.
بين شجاعة الدبلوماسية وثبات الشعوب: هل ينكسر قيد الحرب في الشرق الأوسط؟ ، في أحلك لحظات التاريخ، وحين ترتفع أصوات التهديدات وتتعالى أدخنة الانفجارات فوق مضيق هرمز، يثبت الشرق الأوسط دائماً أنه إقليم عصي على الانكسار.
إن هذا الصراع الذي يتراوح بين الضغوط العسكرية والمساعي الدبلوماسية الحثيثة ليس مجرد جولة أخرى من التوتر السياسي، بل هو امتحان لإرادة المنطقة في الخروج من دائرة الحروب العابرة للحدود نحو أفق يضمن سيادتها وكرامة شعوبها.
وبينما تفرض الدبلوماسية العربية في قطر ومصر وسلطنة عمان نفسها كجسور أمل لإطفاء الحرائق التي تشعلها السياسات المأزومة، يقف الجميع أمام لحظة فارقة تتطلب صوتاً حكيماً يصنع السلام دون تسليم بفرض الشروط، ويضع حداً لدورات الدم والتصعيد التي أنهكت الإقليم.
ترامب يؤكد شنّ ضربات أمريكية جديدة على الدفاعات الجوية الإيرانية، في حين تحذّر طهران من ردّ فوري ومن اتساع نطاق الصراع؛ وتتكثف الجهود الدبلوماسية بقيادة قطر، حيث يطرح الوسطاء اتفاقاً لإعادة فتح مضيق هرمز ودفع المحادثات النووية قدماً.
أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بسماع دوي انفجارين في منطقة “سوزا” بجزيرة قشم، الواقعة في ممر مائي حيوي لشحنات النفط ، و قد صف ترامب، في حديث مع الصحفيين، العمل العسكري بأنه “طفيف”.
“لقد دمروا… أقصد أنهم بنوا نوعاً من الأجهزة المضادة للطائرات، فقمنا بتدميره في غضون 15 دقيقة، أو ربما خمس دقائق”، هكذا صرّح ترامب للصحفيين بعد وصوله إلى ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا، مساء الجمعة.
وفي ظل هذه الظروف، حذّر الجيش الإيراني يوم السبت من أن قواته أصبحت أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، وأنها على أهبة الاستعداد للرد فوراً على أي هجوم، دون أي قيود جغرافية.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عن المتحدث العسكري محمد أكرمينيا قوله: “إن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية باتت الآن في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى بكثير مما كانت عليه في مستهل الحرب”.
وأضاف: “بناءً على أوامر المرشد الأعلى، سيكون أي رد من جانب القوات المسلحة فورياً وفعالاً وغير مقيد بحدود جغرافية”.
من جانبه، أفاد الجيش الأمريكي بأنه شنّ ما وصفها بـ “ضربات دفاعية” يوم الاثنين ، وقد سُمعت دوي انفجارات في جزيرتي قشم وهنجام الواقعتين في مضيق هرمز الاستراتيجي، وكذلك في منطقة بندر عباس على البر الرئيسي القريب.
كما أكد الجيش الإيراني -وفقاً لوسائل إعلام إيرانية- أنه أسقط طائرة مسيرة أمريكية فوق جزيرة قشم عقب الانفجارات التي أُبلغ عنها مساء الجمعة. ،ولم يتسنَّ التحقق من هذا التأكيد من مصدر مستقل.
وتأتي ضربات يوم الجمعة في أعقاب الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الجمهوري -الذي ينتمي إليه ترامب- في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت يوم الثلاثاء.
وقد ساهم في هذه الانتكاسة الانتخابية -حيث خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس- استياء الناخبين من طريقة إدارة ترامب للصراع، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود؛ وهو أحد تداعيات الحرب التي طالت تقريباً كل قطاعات الاقتصاد العالمي.
وفي الأيام التي تلت الهزيمة الانتخابية للجمهوريين، تراوح خطاب ترامب بين التهديد بـ “تدمير” إيران، وبين الإيحاء بأن التوصل إلى حل للحرب بات قريباً.
قطر تطرح مقترحات جديدة على المسؤولين الإيرانيين.
وفي وقت سابق من يوم الجمعة، ذكر مسؤولان حكوميان في الشرق الأوسط أن إيران تدرس مقترحات قدمتها قطر -التي تلعب دور الوسيط الرئيسي- بهدف تسوية الخلافات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي لطهران.
غير أن أحد المسؤولين أكد أن الجانب الإيراني -في الوقت الراهن على الأقل- لا يبدي رغبة في الدخول في مفاوضات مع إدارة ترامب حول أنشطته النووية، ما لم توافق الولايات المتحدة على عدة شروط جوهرية تصر إيران على إدراجها ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار.
يُعد الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر تعقيداً، وهي مسألة يصر ترامب على ضرورة تسويتها كجزء من أي اتفاق يهدف إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثمانية أشهر.
ولم يكن أي من المسؤولين مخولاً بالتعليق علناً على هذه المفاوضات الحساسة، لذا فقد تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتيهما.
في غضون ذلك، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية -التي تشرف على العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط- في منشور على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) في وقت متأخر من يوم الجمعة، أن الولايات المتحدة تعرض “مكافأة تصل إلى 20 مليون دولار، مع إمكانية توفير ترتيبات للانتقال إلى مكان آخر، مقابل الحصول على معلومات حول البرنامج النووي الإيراني؛ بما في ذلك منشآته ومعداته والأفراد المرتبطين به -مثل العاملين في الوسط العلمي- أو أي تحركات تتعلق بهذه العناصر”.
وتضمن المنشور رابطاً لبرنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأمريكية ، إيران تصر على تقديم تنازلات عدة قبل الدخول في محادثات نووية.
رفض البيت الأبيض التعليق على المقترحات التي قدمتها قطر بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكن ترامب أشار في وقت سابق من يوم الجمعة، خلال حديثه مع الصحفيين، إلى أن المناقشات التي يجريها الوسطاء مع إيران لا تزال مستمرة.
وقال ترامب: “نحن نتحدث مع إيران، وقد كنا نتحدث معها بالفعل”، مؤكداً في الوقت ذاته أن الجيش الأمريكي لا يزال يمسك بزمام الأمور في الصراع مع إيران التي تعاني من أوضاع صعبة.
ومع ذلك، تصر طهران على الحصول على عدة تنازلات من الجانب الأمريكي، وهي مطالب سبق أن رفضها ترامب ،ومن بين المطالب الجوهرية التي تشترط إيران تلبيتها قبل الانخراط في أي محادثات نووية:
1. إنهاء الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
2. رفع العقوبات.
3. الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
4. تقديم تعويضات عن أضرار الحرب.
5. وقف الأعمال العدائية في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك العمليات الإسرائيلية في لبنان.
من جانبه، جدد المتحدث العسكري الإيراني، محمد أكرمينيا، يوم السبت التأكيد على أن طهران لن تعيد فتح مضيق هرمز -وهو ممر حيوي لشحنات الطاقة العالمية- إلا إذا وافقت واشنطن على شروطها.
قطر وإيران تبحثان “اتفاقاً تمهيدياً” للوصول إلى محادثات نووية.
أفاد مسؤولون إقليميون بأن الوسطاء وإيران ناقشوا إمكانية التوصل إلى “اتفاق تمهيدي” يهدف إلى تمهيد الطريق لإجراء مزيد من المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني.
وأوضح المسؤولون أن المقترح -الذي قدمه الوسطاء القطريون مؤخراً للطرفين- يدعو إلى تنفيذ تدابير لبناء الثقة على مدى يومين.
وتشمل هذه التدابير إنهاء الحصار الأمريكي والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة -التي تقدر بمليارات الدولارات- والتي تم احتجازها على مدى سنوات في إطار حملة أمريكية تهدف إلى عزل إيران بسبب برنامجها النووي.
وذكر المسؤولون أن طهران ستسمح، في المقابل، لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول مواقعها التي تعرضت للقصف من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأضاف المسؤولون أنه في اليوم الثاني، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز، وذلك بموجب اتفاق معدّل توصلت إليه مع سلطنة عمان بشأن الممر المائي، رغم أن الولايات المتحدة لم تصادق عليه بعد ،وأوضحوا أن هذه الآلية ستكون مؤقتة، إلى حين التوصل إلى اتفاق دائم بشأن المضيق بالتعاون مع دول خليجية أخرى.
وذكر مسؤولون أنه بعد تنفيذ هذه التدابير، ستشرع الولايات المتحدة وإيران في محادثات موسعة تتناول مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب جوانب أخرى من برنامجها النووي.
لطالما أكدت إيران أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية ، ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران 440.9 كيلوغرام (972 رطلاً) من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة لا تفصلها سوى خطوة تقنية قصيرة عن مستوى الـ 90% اللازم لصنع أسلحة نووية.
تكثيف الجهود الدبلوماسية في أعقاب الانتخابات الأمريكية.
شهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية المكثفة بين قادة في منطقة الخليج وخارجها، بهدف تخفيف حدة التوترات في المنطقة ، وقد تصاعدت المخاوف من احتمال أن يصدر ترامب أوامر للجيش الأمريكي بشن ضربات جديدة ضد إيران.
وأفادت الحكومة القطرية بأن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أجرى محادثات يوم الجمعة مع نظيره القطري، الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، حول آخر التطورات.
وجاء الإعلان عن هذه المحادثات بين مسؤولي الدفاع في البلدين بعد تأكيد الحكومة القطرية، في وقت سابق من يوم الجمعة، إجراء اتصال هاتفي منفصل بين ترامب وأمير قطر، ناقشا خلاله الجهود الرامية إلى خفض التصعيد.
المساعي المصرية لإنهاء الصراع.
كما أجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اتصالات هاتفية يوم الجمعة مع نظيريه العراقي والتونسي لمناقشة التوترات الإقليمية ، وذكرت وكالة الأنباء العراقية أن عراقجي بحث مع وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، رؤية طهران لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة.
من جانبه، أشار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي -الذي أجرى اتصالين مع عراقجي هذا الأسبوع- في تدوينة على منصة “إكس” يوم الجمعة، إلى ضرورة أن يبدي الطرفان “مرونة” للتوصل إلى “حلول توافقية” تحول دون انزلاق المنطقة نحو موجة جديدة من التصعيد.
ووفقاً لبيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، أجرى الوزير المصري أيضاً اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، أكدا خلاله على أهمية المفاوضات السياسية لتجنب مواجهة عسكرية أخرى قد تؤدي إلى مزيد من العنف والدمار.
وفي غضون ذلك، حذّر المرشد الأعلى في إيران، آية الله مجتبى خامنئي، من أن الصراع في الشرق الأوسط سيتوسع إذا ما استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها ضد الجمهورية الإسلامية.
كما استبعد إمكانية حدوث تغيير في السياسة الأمريكية في أعقاب انتخابات التجديد النصفي التي جرت يوم الثلاثاء، مشيراً إلى أن من يتوقعون تحولاً كهذا “مخطئون تماماً”.
الخاتمة.
لحظة الحقيقة: إما سلام الشجعان أو الانزلاق الكبير، حيث تضع هذه المستجدات الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما:
“فإما الانصياع لصوت العقل والاستجابة للحلول التوافقية التي تقودها الوساطات الإقليمية لإنهاء الحصار وفتح الممرات المائية الحيوية، وإما الاستمرار في سياسة الضربات الاستعراضية والتهديدات المتبادلة التي لن تجلب سوى مزيد من الدمار.
إن النزول عن شجرة التصعيد يتطلب إرادة سياسية حقيقية تدرك أن الشعوب قد ضاقت ذرعاً بكلف الحروب، وأن أي حسابات خاطئة جديدة في واشنطن أو طهران ستتعدى حدود الممر المائي لتشعل حريقاً إقليمياً لا يمكن السيطرة عليه.



