وصمة “صُنع في إسرائيل”: المقاطعة الدولية تكسر ظهر الصناعة والكيان ينكمش اقتصادياً

 

أشرف التهامي.

 

 

من الهالة الاقتصاديّة إلى العزلة الشاملة: علامة الكيان تتحول إلى “تُهمة تجارية”، فلم تعد عزلة الكيان الصهيوني مجرد شارات احتجاج تُرش على جدران العواصم الغربية أو مظاهرات تغص بها الشوارع الدولية؛ بل تحولت إلى ساطور يقطع الشريان الاقتصادي والصناعي الذي طالما تباهى به في الأسواق العالمية.

ففي اعتراف صريح ينسف أسطورة “المرونة الاقتصادية”، يقر اتحاد المصنعين في تل أبيب بأن عبارة “صُنع في إسرائيل” باتت عائقاً تجارياً ووصمة تتجنبها الشركات الموزعة والعملاء حول العالم.

إن هذه “المقاطعة الهادئة” المتصاعدة لا تكتفي بتجميد الصفقة تلو الأخرى وتآكل أرباح المصدّرين فحسب، بل تعلن بوضوح انحسار الكيان دولياً وتحوله إلى بيئة منفرة للاستثمار؛ حيث تسعى المصانع للخروج بإنتاجها وخبراتها نحو الخارج فراراً من كابوس العزلة وتكاليف الحروب التي تلتهم الاقتصاد من جذوره.

يقول أفراهام “نوفو” نوفوغروكي، رئيس اتحاد المصنعين في الكيان الإسرائيلي في حوار مع موقع “واي نت ” العبري تم نشره اليوم على الموقع الرسمي للموقع، إن العملاء يجمّدون الصفقات ويتجنبون الموردين الإسرائيليين، في ظل ضغوط تواجه المصانع ناجمة عن نقص العمالة، وقوة الشيكل، والاضطرابات المرتبطة بالحرب؛ محذراً من أن الاستثمارات وفرص العمل المستقبلية قد تنتقل إلى الخارج.

يواجه القطاع الصناعي في الكيان الإسرائيلي واحدة من أصعب فتراته منذ سنوات. فإلى جانب الاضطرابات الناجمة عن الحرب، والنقص الحاد في الأيدي العاملة، وقوة الشيكل التي تؤدي إلى تآكل أرباح المُصدِّرين، يواجه المُصنِّعون الآن تحدياً يصفه أبراهام “نوفو” نوفوجروكي، رئيس اتحاد المصنِّعين في الكيان، بأنه أكثر خطورة؛ ألا وهو انتشار حملات المقاطعة في الأسواق الدولية، مما يجعل بيع المنتجات الإسرائيلية أمراً يزداد صعوبة.

ويُحذِّر نوفوجروكي من أنه ما لم يحدث تغيير فوري في السياسة الحكومية، فإن إسرائيل تخاطر بفقدان خبراتها الصناعية، ووظائفها عالية الجودة، وقدراتها الإنتاجية المحلية.

يقول المصدّرون في الكيان الإسرائيلي إنهم يُجبرون على إزالة عبارة “صُنع في إسرائيل” عن منتجاتهم. فهل الكيان أمام مقاطعة خفية بالفعل؟ وهل تدرك حكومتة مدى خطورة هذه المشكلة؟

يجيب إفرام : “للأسف، لم يعد الأمر مجرد مقاطعة خفية، فقد شهدنا في السنوات الأخيرة إجراءات علنية، إلى جانب عدد لا يحصى من الحواجز غير الرسمية التي تزيد من صعوبة عمل الشركات الإسرائيلية في الأسواق الدولية ، فإلى جانب المبادرات التشريعية، والتصريحات السياسية، والقيود المتنوعة في بعض الدول، ثمة ظاهرة أوسع نطاقاً يمكن وصفها بـ ’المقاطعة الهادئة‘؛ إذ يفضّل الزبائن والموزعون والشركات تجنّب إبرام اتفاقيات مع الموردين الإسرائيليين، فيعمدون إلى تأجيل القرارات، أو تجميد الصفقات، أو فرض شروط لم تكن موجودة من قبل. وفي بعض الحالات، أصبح مجرد وجود عبارة ’صُنع في إسرائيل‘ على المنتج عائقاً تجارياً بحد ذاته ، ولا يقتصر الضرر على شركة بعينها، بل يطال ’العلامة التجارية‘ لإسرائيل ككل، إن الخطاب الدولي الدائر حول إسرائيل، مقترناً بمحاولات إضفاء الشرعية على المقاطعة كأداة مقبولة، يخلق تحديات جسيمة أمام المصدّرين الإسرائيليين”.

الحكومة في الكيان على دراية بالأمر.

ذكر نوفوغروكي أن حكومة الكيان الإسرائيلي تدرك حجم المشكلة وتحاول تقديم المساعدة، لكنه أشار إلى أن أبعاد الأزمة تتطلب تدابير أكثر شمولاً وأهمية. وقال:

“يتعين على إسرائيل الاستثمار بفاعلية في تعزيز الصادرات، وفتح أسواق جديدة، ودعم الشركات المتضررة من المقاطعة، وتحسين صورة الصناعة الإسرائيلية على مستوى العالم ، فعندما تتضرر الصادرات الإسرائيلية، تتأثر أيضاً فرص العمل، والنمو الاقتصادي، والاستثمارات، وقدرة البلاد على الصمود اقتصادياً، هذا و لم تعد هذه مجرد مشكلة تواجه المصدّرين فحسب، بل أصبحت تحدياً وطنياً ، وهذا يتطلب منا أيضاً تعزيز وضعنا داخلياً، من خلال جعل المنتجات المصنوعة في إسرائيل جزءاً أكبر بكثير من قوائم مشتريات المستهلكين والوزارات الحكومية”.

ما هو عدد المصانع المعرضة فعلياً لخطر الإغلاق في حال عدم حدوث تغيير جوهري؟

يجيب إفرام ” لا تكمن المسألة في عدد المصانع التي ستُغلق، بل في حجم الوظائف عالية الجودة، والمعرفة الصناعية، والقدرة الإنتاجية الإسرائيلية التي قد نفقدها. فقد واجه القطاع الصناعي الإسرائيلي، على مدى العام ونصف العام الماضيين، مزيجاً استثنائياً من التحديات: نقصاً حاداً في الأيدي العاملة، وأسعار فائدة مرتفعة، وارتفاعاً حاداً في قيمة الشيكل مقابل الدولار، وبالنسبة للمُصدِّرين، يعني هذا تآكلاً كبيراً في القدرة التنافسية والربحية. ورغم ذلك، لا يزال القطاع الصناعي الإسرائيلي يُظهر مرونة استثنائية؛ إذ ارتفعت صادرات السلع الصناعية بنحو 17% مقوّمةً بالدولار، لكن جزءاً كبيراً من هذا المكسب تبخّر فعلياً بسبب قوة الشيكل. وبعبارة أخرى، تنجح المصانع في زيادة مبيعاتها حول العالم، لكنها لا تجني سوى جزء ضئيل من تلك المكاسب كأرباح صافية. كما تأثرت سلاسل التوريد والصادرات خلال الفترات التي فُرضت فيها قيود على المجال الجوي الإسرائيلي وسط المواجهات مع إيران. وخلال عملية “الأسد الهادر” (Roaring Lion)، أفاد 83% من المُصدِّرين الصناعيين الذين شملهم الاستطلاع بأنهم يتوقعون تضرر الصادرات جراء الحرب. وحتى أكثر المصانع كفاءةً ستواجه صعوبات بمرور الوقت إذا كانت ظروف المنافسة لا تسمح لها بتحقيق الربح. وإذا لم يطرأ تغيير على السياسة الحكومية وبيئة الأعمال بشكل عام، فلن تقتصر النتيجة بالضرورة على إغلاق المزيد من المصانع؛ بل ستتجه الاستثمارات وخطوط الإنتاج والوظائف الجديدة نحو الخارج، بدلاً من إقامتها داخل إسرائيل”.

 

وصمة “صُنع في إسرائيل”: المقاطعة الدولية تكسر ظهر الصناعة والكيان ينكمش اقتصادياً 5193

أفرام “نوفو” نوفوغروكي، رئيس اتحاد المصنّعين في الكيان الإسرائيلي.

يواجه الكيان الإسرائيلي ضغوطاً استثنائية منذ سنوات، تتراوح بين الحروب وتفاقم العجز المالي، وخفض التصنيف الائتماني، وحالة من عدم اليقين السياسي. فهل يواصل المصنّعون الاستثمار، أم أنهم يكتفون بمحاولة البقاء والصمود؟

يجيب إفرام :”تواجه إسرائيل تحديات جسيمة، بدءاً من خفض التصنيف الائتماني وصولاً إلى حالة عدم اليقين الأمني والاقتصادي. لكن عند النظر إلى الأرقام، نجد أن القطاع الصناعي لا يكتفي بالصمود فحسب، بل يواصل الاستثمار أيضاً؛ فقد ارتفع حجم الاستثمارات في الآلات والمعدات الصناعية من 12.5 مليار شيكل في عام 2024 إلى 13.8 مليار شيكل في عام 2025. ورغم ارتفاع أسعار الفائدة ونقص الأيدي العاملة، تواصل المصانع الاستثمار في التكنولوجيا والإنتاجية والنمو. ومع ذلك، يجب أن نكون صادقين: جزء كبير من هذه الاستثمارات ينبع من الإيمان بالصناعة الإسرائيلية وبدولة إسرائيل، وليس لأن إسرائيل توفر حالياً ميزة تنافسية أو اقتصادية واضحة. ونحن نلاحظ بالفعل أن اتخاذ قرارات بشأن الاستثمار أو التوسع في إسرائيل أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات. ويكمن التحدي الحقيقي في ضمان أن تكون الاستثمارات القادمة للشركات الإسرائيلية العاملة هنا داخل إسرائيل، وليس في الخارج. لقد أظهر القطاع الصناعي مرونة استثنائية؛ والآن، يتعين على الدولة تهيئة الظروف المناسبة وتوفير بيئة أعمال ملائمة تتيح لهذا القطاع مواصلة النمو هنا».

 

خطة وطنية.

 

تناقش وزارة المالية في الكيان خفض الإنفاق في مسعى منها لتقليص العجز المالي، في حين يطالب المصنّعون بتخصيص المزيد من الأموال للاستثمارات الرأسمالية وتدريب القوى العاملة.

 

يقول إفرام : ” علينا أن ندرك أن القطاع الصناعي ليس مجرد بند من بنود الإنفاق في الميزانية، بل هو محرك للنمو. ففي عام 2025، ساهم هذا القطاع بنحو 240 مليار شيكل في ناتج قطاع الأعمال، ووفر فرص عمل لما يقرب من 400 ألف شخص، وبلغت قيمة صادراته قرابة 183 مليار شيكل، كما قدم أجوراً تفوق في المتوسط نظيرتها في الاقتصاد ككل بنحو 45%. إن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت الدولة قادرة على تحمل تكاليف الاستثمار في الصناعة، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل تبعات عدم الاستثمار فيها. وقد طرح “اتحاد المصنعين” خطة وطنية بتكلفة تبلغ نحو 2.2 مليار شيكل سنوياً؛ ووفقاً لحساباتنا المتحفظة للتكلفة والعائد، فإن هذا الاستثمار يبدأ في تغطية تكاليفه منذ العام الأول، ومن المتوقع أن يحقق صافي منفعة للاقتصاد تصل إلى نحو 9.7 مليار شيكل على مدى خمس سنوات. إن تقليص الاستثمارات التي تعزز النمو والإنتاجية والصادرات قد يوفر حلاً قصير الأمد، لكنه قد يلحق الضرر بإيرادات الدولة في المستقبل. فإذا كان الهدف هو خفض العجز، فينبغي تعزيز الشركات التي تعمل في مجالات التصنيع والتصدير وتوظف مئات الآلاف من الأشخاص، بدلاً من إضعافها”.

 

ويضيف : “نحن لا ننتظر الحكومة كي نبادر بالعمل. فقد أطلقنا مؤخراً مركزاً للذكاء الاصطناعي تابعاً للجمعية، يهدف إلى مساعدة المصانع على دمج حلول الذكاء الاصطناعي في خطوط الإنتاج وعبر سلسلة القيمة بأكملها، وذلك بهدف تعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية. وإلى جانب ذلك، نساعد الشركات في تشجيع الاستثمار، وإدخال تقنيات الروبوتات والأتمتة، وربط شركات التكنولوجيا المتقدمة والشركات الناشئة بالصناعات التقليدية، فضلاً عن تدريب المديرين والموظفين على كيفية تحقيق قيمة فعلية من هذه الأدوات داخل بيئة العمل في المصانع ” .

 

ما هو المطلب الأول الذي تودون تحقيقه من الحكومة القادمة؟

 

يجيب إفرام :”لو كان عليّ اختيار أمر واحد، فسيكون تبني وتنفيذ سياسة صناعية وطنية طويلة الأمد. نحن بحاجة إلى استراتيجية واضحة تحدد المسار الذي نريد للصناعة الإسرائيلية أن تكون عليه بعد عقد من الزمن. لقد قدمنا لجميع المرشحين خطة مفصلة تغطي مجالات العمل، والاستثمار، والطاقة، والابتكار، والصادرات، والتنظيم”.

“لا يمكن للصناعة أن تستمر في العمل وهي تتنقل من أزمة إلى أخرى، ومن دورة انتخابية إلى أخرى؛ فهي بحاجة إلى اليقين. فالمصانع قادرة على التعامل مع المنافسة والتحديات، لكن ما لا يمكنها التعامل معه هو غياب السياسات الواضحة. لذا، يتعين على الحكومة القادمة – أياً كانت تشكيلتها – أن توفر أفقاً واضحاً؛ وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام تراجع في الاستثمارات وفقدان للوظائف في إسرائيل. ونحن، من جانبنا، سنعمل بمهنية مع أي حكومة يتم تشكيلها”.

الخاتمة.

انحسار الكيان صناعياً وسقوط رهاناته، حيث تثبت شهادات أقطاب الصناعة داخل الكيان أن الانكسار العسكري والسياسي يوازيه انكسار هيكلي غير مسبوق في بنيته الاقتصادية.

إن اضطرار المصدّرين الصهاينة لإخفاء هويتهم وإزالة عبارة “صُنع في إسرائيل” لعرض منتجاتهم يخسرهم معركة الوجود التجاري، ويؤكد أن الكيان بات مطروداً من شبكات التوريد الدولية.

ومع هروب رؤوس الأموال، ونزيف الوظائف عالية الجودة، وعجز الحكومة عن مواجهة موجات الغضب الشعبي والتجاري العالمي، ينكشف الاقتصاد الصهيوني ككيان هش يعيش على التنفس الاصطناعي والمغامرات الأزموية.

إن الكيان الذي حاول احتكار القوة يجد نفسه اليوم محاصراً بجدار رفص دولي لا يمكن اختراقه، لتكون هذه العزلة الصناعية خطوة حاسمة على طريق تفكك المقومات الحيوية لمشروعه الاستيطاني.

 

 

شارك