بقلم : أمين السكافي
منذ أن حلّت لعنة الجغرافيا على الجنوب اللبناني، ومنذ أن وُلد على حدِّ النار، لم يعرف أهله معنى الطمأنينة الكاملة. هناك، على تخوم فلسطين المحتلة، حيث يلامس الترابُ الدمَ، وحيث تتعانق السنابل مع رائحة البارود، بدأ أبناء جبل عامل رحلةً طويلةً على درب الجلجلة، يحملون صليب عذاباتهم جيلاً بعد جيل، كأن القدر كتب عليهم أن يكونوا حرّاس الألم الأبدي في هذا الشرق المتعب.
في عام ١٩٤٨، لم تسقط فلسطين وحدها، بل سقط معها جزء من روح الجنوب. منذ ذلك التاريخ، تبدّل كل شيء. القرى التي كانت تعيش على مواسم التبغ والزيتون والقمح، تحوّلت إلى خطوط تماس مفتوحة مع الموت. صار الجنوب يعيش عمره بين هدنة مؤقتة وعدوان آتٍ، بين شهيد يُشيَّع وطفل يولد على صوت الطائرات. وكأن أبناءه لم يُمنحوا حق الحياة الطبيعية كباقي البشر، بل كُتب عليهم أن يكونوا وقود الحروب ومادة نشرات الأخبار.
ثمانية وسبعون عاماً من الشقاء، والجنوب يمشي حافي الروح فوق أشواك الخذلان. ثمانية وسبعون عاماً والدولة اللبنانية تتذكّر أن لها أرضاً في جبل عامل فقط عندما تشتعل الحدود أو تسيل الدماء. أما في أيام السلم القليل، فكان الجنوب يُترك وحيداً، مهملاً، كشيخٍ طاعنٍ في العمر نسيه أبناؤه في آخر الطريق.
هناك، في القرى المعلّقة بين السماء والخوف، لم يكن الناس يطلبون المعجزات. كانوا يريدون فقط حياة عادية؛ مدرسة لا تُقصف، بيتاً لا تهدمه الغارات، حقلاً لا تحرقه القنابل، وطريقاً لا تنتهي عند حاجز موت. لكن حتى هذه الأمنيات البسيطة بدت أكبر من قدرة هذا الشرق على منحها.
الجنوب لم يكن مجرد أرض، بل كان حكاية وجعٍ مفتوح. أمهاته تعلّمن كيف يخبزن الخبز وهنّ ينتظرن خبراً عن ابنٍ على الجبهة. أطفاله كبروا قبل أوانهم، يحفظون أسماء الطائرات كما يحفظ أطفال العالم أسماء الألعاب. شيوخه دفنوا أبناءهم وأحفادهم ثم عادوا ليجلسوا أمام بيوت مهدّمة، ينظرون إلى الركام بصمت يشبه صلاة طويلة لله.
وما أقسى أن يتحوّل الحزن إلى عادة. أن يصبح الموت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. أن يعتاد الإنسان على الرحيل المؤقت، وعلى حقيبة الطوارئ، وعلى النوم بعينٍ مفتوحة خوفاً من غارة أو اجتياح أو قذيفة طائشة. كأن الجنوب كُتب عليه أن يعيش دائماً في المنطقة الفاصلة بين الحياة والموت.
ومع ذلك، لم ينكسر أبناء الجنوب. كانوا، في كل مرة، ينهضون من تحت الركام كأشجار الزيتون؛ تُحرق، تُقطع، ثم تعود لتنبت من جديد. في وجوههم شيء من عناد الأرض، وفي قلوبهم إيمان غريب بأن هذه البلاد، مهما قست عليهم، تبقى جديرة بالحب. ولذلك ظلوا هناك، يحرسون الحدود بدمائهم، بينما كثيرون في هذا الوطن كانوا يتجادلون في السياسة والمصالح والحصص، ناسِين أن ثمة أناساً على الطرف الآخر من البلاد يدفعون ثمن وجود لبنان نفسه.
أما آن لهذا الحزن أن ينتهي؟ أما آن لأبناء الجنوب أن يعيشوا كبقية البشر، بلا خوف، بلا تهجير، بلا مقابر جديدة كل عام؟ أما آن للدولة أن تنظر إلى الجنوب لا كخندقٍ للحروب فقط، بل كأرضٍ تستحق الحياة؟
سؤال يتكرر منذ عقود، لكن الجواب يضيع دائماً بين الدخان والخرائط والصفقات والحسابات الكبرى. ويبقى الجنوب، ذلك الجزء المنسي من الوطن، مصلوباً على حدود النار، يحمل صليب عذاباته بصبر الأنبياء، وينتظر منذ ثمانية وسبعين عاماً قيامةً لم تأتِ بعد .


















Discussion about this post