كتب: سعيد فارس السعيد
إن ما يهيّئ الأجواء الشعبية والسياسية لأي مسار تسوية أو اتجاه نحو التفاوض، يبدأ أولًا بوقفٍ كاملٍ لإطلاق النار، ووقف خرق السيادة اللبنانية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. كما أن عودة النازحين إلى ديارهم وبيوتهم تشكّل المدخل الطبيعي للاستقرار، والانطلاق في عملية إعادة الإعمار، بما يمكّن الدولة اللبنانية من استعادة دورها وفرض هيبتها وسيطرتها على مختلف مناحي الحياة.
في ظلّ الاعتداءات والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، وفي غياب أي وقف فعلي لإطلاق النار، تتصاعد في لبنان الأصوات الداعية إلى حماية ما تبقّى من الوطن والإنسان، وإلى وقف آلة التدمير التي طالت القرى والبلدات والبيوت المدنية، وأدّت إلى سقوط آلاف الضحايا ومئات آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى ولا استقرار ولا أفق واضح للمستقبل.
لقد تحوّلت معاناة اللبنانيين اليوم إلى مأساة إنسانية ووطنية مفتوحة، تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتفرض على الجميع إعادة النظر في أولويات المرحلة. فحين تصبح القرى مدمّرة، والعائلات مشرّدة، والأطفال بلا أمان، فإن أي خطاب سياسي لا ينطلق من حماية الإنسان اللبناني يفقد معناه الأخلاقي والوطني.
وفي مقابل هذا المشهد المؤلم، تتباين المواقف داخل القوى السياسية اللبنانية بين اتجاه يدعو إلى الاستمرار في المفاوضات المباشرة كمدخل لوقف الحرب وتخفيف الخسائر، وبين اتجاه آخر يرى أن الأولوية يجب أن تكون أولًا لوقف إطلاق النار الكامل، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، ومن ثم الانتقال إلى أي مسار تفاوضي برعاية وضمانات دولية وأممية وإقليمية تحفظ سيادة لبنان وحقوقه الوطنية.
هذا الانقسام السياسي، على الرغم من خطورته، يعكس حجم التعقيد الذي يعيشه لبنان، لكنه في الوقت نفسه يكشف حاجة ملحّة إلى مساحة حوار وطني هادئ ومسؤول، بعيدًا عن التخوين والانفعال، لأن الخطر الحقيقي اليوم لا يهدد فريقًا دون آخر، بل يهدد الكيان اللبناني بأكمله، ويضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية.
إن الدعوة إلى وقف إطلاق النار لا يجب أن تُفهم كضعف، كما أن الدعوة إلى التفاوض لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للاتهام أو الانقسام الداخلي. فالدول تُبنى بالحكمة وحماية الشعوب، لا بإدامة النزيف. وأي مسار سياسي أو تفاوضي لا يهدف أولًا إلى حماية المدنيين وعودة النازحين وإعادة إعمار ما تهدّم، سيبقى ناقصًا وعاجزًا عن إنتاج سلام حقيقي ومستدام.
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن تفرضه قوة القتل والتدمير والتهجير، بل تصنعه العدالة والكرامة والاعتراف بحق الشعوب في الحياة والأمان والسيادة. فالقوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تبني استقرارًا دائمًا فوق أنقاض البيوت ودموع الأطفال وصرخات الأمهات.
إن لبنان اليوم يحتاج إلى موقف وطني جامع، يوازن بين الكرامة الوطنية وحق الناس في الحياة والأمان، ويؤكد أن وحدة اللبنانيين هي الضمانة الأساسية لمنع انهيار الدولة والمجتمع معًا. فالحروب مهما طالت لا يمكن أن تكون قدرًا دائمًا، والرهان الحقيقي يبقى على قدرة اللبنانيين في حماية وطنهم بالحوار، والدولة، والعدالة، والشراكة الوطنية الكاملة.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”
















Discussion about this post