سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لعبور النفط، بل تحوّل إلى عقدة حيوية تتقاطع فيها شرايين الطاقة مع شرايين الاتصال العالمي. فإلى جانب ناقلات النفط، تمر في أعماقه كابلات الألياف الضوئية التي تحمل الجزء الأكبر من بيانات العالم، لتربط الشرق بالغرب، وتؤمّن تدفق المعلومات الذي يقوم عليه الاقتصاد الحديث.
إن استهداف هذه الكابلات أو تعطيلها لا يُعد حادثًا تقنيًا، بل فعلًا ذا أبعاد استراتيجية خطيرة، لأن العالم اليوم لا يقوم فقط على تدفق الطاقة، بل على تدفق البيانات.
في لحظة واحدة، يمكن لقطع هذه الخطوط أن يؤدي إلى:
شلل جزئي في الإنترنت في مناطق واسعة
تعطّل الأنظمة المصرفية والتحويلات المالية
اضطراب في عمل المطارات والموانئ والخدمات الحيوية
إرباك في الأسواق العالمية التي تعتمد على الاتصال اللحظي
لكن الأخطر من ذلك، هو البعد الأمني. فهذه الكابلات لا تنقل فقط بيانات مدنية، بل تمر عبرها اتصالات حساسة تتعلق بإدارة الأزمات، والتنسيق الأمني، وحتى بعض أنماط القيادة والسيطرة. وبالتالي، فإن استهدافها قد يكون جزءًا من حرب غير معلنة، تُخاض بصمت تحت الماء، لكنها تُحدث أثرًا هائلًا فوقه.
تكشف هذه الحقيقة عن مفارقة لافتة:
العالم الذي بلغ ذروة التطور التكنولوجي، لا يزال يعتمد في بنيته الأساسية على كابلات رفيعة ممتدة في قاع البحار، عرضة للقطع، سواء بفعل عمل تخريبي متعمد، أو حتى بسبب مرساة سفينة عابرة.
إن خطورة ما قد يحدث في مضيق هرمز لا تتعلق فقط بدول المنطقة، بل بالعالم بأسره. فتعطيل هذه الشرايين يعني خنقًا جزئيًا للاقتصاد الرقمي العالمي، وإدخال الأسواق في حالة ارتباك قد تتجاوز آثارها الحدود الجغرافية.
من هنا، لم يعد أمن المضائق مسألة عسكرية مرتبطة بحماية السفن فقط، بل أصبح جزءًا من مفهوم أوسع: الأمن السيبراني الجيوسياسي، حيث تتداخل الجغرافيا مع التكنولوجيا، وتصبح البنية التحتية الرقمية هدفًا مباشرًا في أي صراع.
إن ما يجري في هذه المنطقة الحساسة يفرض على المجتمع الدولي إعادة التفكير في:
حماية الكابلات البحرية
تنويع مسارات الاتصال
بناء أنظمة احتياطية أكثر صلابة
لأن المعركة القادمة قد لا تبدأ بصاروخ…
بل بانقطاع مفاجئ في الإنترنت.
وفي عالم تحكمه البيانات، قد يكون هذا الانقطاع أخطر من أي انفجار.
















Discussion about this post