منطقة غرب آسيا، وقلبها سورية (بلاد الشام) تعتبر على مدى التاريخ، المنطقة التي ترتسم منها الحدود الرئيسية، لتوازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، والمؤشر على صعود وهبوط الامبراطوريات والدول العظمى.
في التاريخ الحديث، ومنذ انهيار الامبراطورية العثمانية، مرت المنطقة بتطورات عديدة، كان أبرزها اتفاق سايكس بيكو، الذي شكل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وحكمها حتى اليوم، وكان من أبرز نتائجه إقامة الكيان الصهيوني، في قلب المنطقة العربية، لمنع وحدتها ونهضتها، لأنها تشكل خطراً على المكانة الجيوسياسية لأوروبا.
شهدت هذه المنظومة دفعة قوية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتقال العالم إلى مرحلة القطب الأمريكي الواحد، ووصول اليمين الأمريكي المحافظ إلى البيت الأبيض، خلال إدارة الرئيس جورج بوش الابن، والذي اعتمد منهج الغزو والعمل العسكري ورأى أن توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية تتغير بسرعة، ولا بد من مشروع جديد يرث سايكس بيكو، فكان مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أراد إعادة تشكيل المنطقة، على أسس عرقية وطائفية، وتشكيل كيانات وكانتونات تدور في الفلك الإسرائيلي، والغاية أبعد من ذلك بكثير، وتصل إلى الصين وروسيا، وتشكيل خارطة جديدة للعالم، تضمن تجديد الهيمنة الأمريكية والغربية، على السياسات والاقتصاديات العالمية.
تنفيذاً لهذا المخطط، تم غزو أفغانستان، ثم العراق، ثم العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، ومن قلب بيروت، وعلى وقع أصوات المعارك، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية غوندليزا رايس، بأن ما يجري، هو المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد.
وسط هذا المخاض الصعب، جاء مشروع “الربيع العربي” الذي كان الخطوة الأهم لمشروع الشرق الأوسط الجديد، ورأينا كيف انفجرت المنطقة العربية، وتهاوت عدة أنظمة، وكاد المشروع أن ينجح، لكنه فشل بنسخته التي طرحها اليمن الأمريكي المحافظ، وفشلت أفكاره النيوليبرالية، وخطته للسيطرة على العالم خلال أزمة الكورونا، وهو ما مهد الطريق لبروز الظاهرة الترامبية، ورؤيتها المختلفة للعالم، والقائمة على الهيمنة السياسية والاقتصادية، بدل الغزو العسكري والحروب، عن طريق الامساك بمفاصل الاقتصاد العالمي، والممرات البرية والبحرية، وطرق الامداد وسلاسل التوريد، لكن المشكلة ان تحقيق هذه الهيمنة، تتطلب استخدام القوة العسكرية، وهو ما يحدث الآن في منطقة الخليج، ومضيق هرمز.
شهدت هذه الفترة تغيرات هائلة، في التوازنات الإقليمية والدولية، مع صعود الصين، وبروزها كمنافس حقيقي للولايات المتحدة الأمريكية، على القيادة للسياسات والاقتصاديات العالمية، وحرب أوكرانيا، التي كانت تستهدف سيطرة الغرب على روسيا وثرواتها، ثم جاء طوفان الأقصى وتداعياته، فكان لا بد من تغيير الوسائل، لكن الهدف بقي واحد، وهو ضمان تجديد الهيمنة على السياسات والاقتصاديات العالمية، وهو ما يتطلب إعادة تشكيل المنطقة، وإسقاط إيران، وفرملة الصين، واستكمال محاصرة روسيا.
كان اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، والسيطرة على النفط الفنزويلي، الذي يشكل أحد أهم ثلاثة مزودين للصين بالنفط الخطوة الأولى في هذا المخطط الجديد، وكانت محاولة إسقاط إيران المزود الثاني للصين بالنفط، الخطوة الثانية، وبعدها كان يمكن تحقيق السيطرة على كامل منطقة غرب آسيا، والتفرغ للصين ومحاصرتها، وتسعير الحرب الأوكرانية لتجديد محاولات السيطرة على روسيا وثرواتها.
حتى الآن يبدو أن محاولة إسقاط إيران تتعثر، وتجري محاولات للخروج من حالة الحرب، لأن الاستمرار فيها بدون ضمان نتائجها، يشكل خطراً استراتيجياً كبيراً على الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، وسيكون لهذا الفشل ثمن جيوسياسي كبير والنتيجة الأهم، لكل هذه التطورات، أن مساراً عالمياً بدأ يفرض وجوده، قائم على التعددية القطبية، وانتقال الثقل العالمي من ضفتي الأطلسي إلى آسيا، وتراجع دراماتيكي في الأهمية الجيوسياسية لأوروبا ولحلف الناتو، وستكون منطقة غرب اسيا، امتدادا الى مصر، البديل عنها، ولكن بعد إعادة تشكيل خريطتها الجيوسياسية، وبناء على هذه النتائج، والكيفية التي ستتوقف فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ستتشكل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، وسيتم رسم الخرائط الجيوسياسية للمنطقة والعالم، والمنتصر في هذه الحرب، سيكون له الدور الاكبر في رسم هذه الخرائط والتي ستكون مختلفة كثيراً عن الخرائط الحالية التي تتداعى، وقد تشهد المرحلة المقبلة انهيار وصعود دول وقوى عديدة.
أحمد رفعت يوسف

















Discussion about this post