في لحظة تعب صامتة.يقف كل أب وأم ويسأل نفسه:هل قصّرت؟
هل بذلت كل ما أستطيع ولم أَرَ النتيجة؟
بين الجهد والدعاء، وبين التربية والنتائج..
هناك سرّ لا ينتبه له الكثيرون في القرآن، سرّ يغيّر نظرتك تمامًا لكل ما يحدث مع أولادك.
وفي قصة
قصيرة داخل سورة هود، تختبئ رسالة قد تُريح قلبك أكثر مما تتخيل
ركز معي جيدًا في الكلام هذا..
الشيخ ياسر الدوسري كان بيصلي التراويح،
قرأ سورة هود، ولما وصل إلى قوله تعالى:
“يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا”
بكى بكاءً شديدًا، وأبكى المصلين معه إلى نهاية آيات القصة.
والحقيقة أن البكاء في هذه الآية مكتسب من بكاء سيدنا نوح، والواضح في نطق الآية الكريمة أن أحد العلماء قال:
الغُنّة في إدغام الباء بالميم تحكي ارتعاشة صوت الأب المشفق في النداء الأخير على الابن.
أيوه.. إيه المشكلة دلوقتي؟!
هقولك أن تتخيل أن سيدنا نوح صانع السفينة الوحيدة للنجاة على وجه الأرض
وهو قائدها، نجح في أن يقنع العديد من البشر الغرباء للركوب فيها لينجوا من الغرق والهلاك، ولا يستطيع إقناع ابنه
وإنقاذه من الهلاك. سيدنا نوح صنع الوسيلة الوحيدة للنجاة، فاستخدمها الكثير، ولم يستخدمها ابنه.
الفكرة:
أنت ممكن توفر لأولادك الوسيلة التي توصلهم لبر الأمان، الوسيلة التي تحفظهم وتصونهم، لكن للأسف
ليس في يدك أن تهديهم لهذه الوسيلة. واعلم أنك مهما فعلت لأولادك في حياتك، ووفرت لهم جميع الوسائل، ستبقى هداية الله لهم أهم من كل شيء.
فلا تلوموا أحدًا إذا رأيت أولاده على غير تربيته، ولا شاكلته، ولا تسخر منه أو تنهره أو تغتابه بحجة أنه قصّر في تربية أولاده:
فأبونا آدم عليه السلام لم يقصّر في تربية ولديه، وبالرغم من ذلك قتل أحدهما الآخر.
وكذلك كما ذكرنا في أول المنشور، فإن نوحًا عليه السلام لم يقصّر في تربية أبنائه، وبالرغم من ذلك مات أحدهم كافرًا.
ويعقوب عليه السلام لم يقصّر في تربية أبنائه، الذين حقدوا على أخيهم يوسف عليه السلام، وألقوه في غيابة الجب ليتخلصوا منه.
كل ما في الأمر يا صديقي:
(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
فإذا رزقك الله بأبناء صالحين فاحمد الله واشكره كل يوم، ولا داعي للافتخار بأنك أحسنت تربية أولادك
وغيرك لم يحسن. فخير البشرية رسول الله محمد بن عبد الله صل الله عليه وسلم..
رباه جده وعمه الكافران، وفي النهاية مدحه ربّه (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).
سؤال لك بقى
أين جاء الخلق العظيم؟!
عرفت الآن؟ إنه إعداد الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين.
(فلا تنسب هداية وأدب ابنك لنفسك)
وتنسى أن هذا توفيق من الله سبحانه. ولا تجلد ذاتك لأن ابنك الذي بذلت جهدك ومالك وعمرك في تربيته ما زال بعيدًا عنك وعن الهداية.
ومش معنى كده إنك تسيب ابنك، لا، لكن خذ بالأسباب وتوكل على الله، (استمر واجتهد في الدعاء له)، والله يأتي بالهداية في الوقت الذي يريده سبحانه.
قل معي…
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا…
تأمل معي.. كم من أبٍ تمنى لو يفتدي ابنه بعمره، وكم من ابنٍ كان هو الابتلاء الأعظم لوالديه رغم صلاحهم.. إنها ‘شفرة’ التسليم لله التي تجعل قلبك يهدأ، فابنك في يد الله قبل أن يكون في يدك.”
رسالة لكل مربٍّ مجهد
بذلُ الأسباب (واجبك)، أما النتائج فهي (حق الله).لا تحمل همّ الهداية، فهي رزق، والرزق لا يُطلب إلا من الرزاق.
أنت تزرع والله هو الذي يُنبت، فاستودع بذورك في حفظ الله، ونَم قرير العين.”
بل انظر إلى سرٍّ عجيب في سورة الكهف، حين أقام العبد الصالح الجدار ليتيمين دون أن يعرفا السبب، ثم كشف الله الحكمة فقال:
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾
تأمل.. لم يقل لأنهما صالحان، بل لأن الأب كان صالحًا.فامتد أثر الصلاح ليحفظ الله به أبناءه، حتى وهم لا يشعرون.
فالصلاح ليس لحظة عابرة، بل قد يكون أمانًا ممتدًا عبر الأجيال، لا تدركه العيون لكنه محفوظ عند الله.
فالصلح يبدأ منك أنت قبل أولادك.
ف اللهم اجعل أولادنا وبناتنا في عنايتك، واجعلهم في حفظك، فاللهم اهدِ أبناءنا واحفظهم، ولا تصيبنا فيهم بمكروه.

















Discussion about this post