ما جرى أمس في الضاحية الجنوبية لم يكن عملاً عسكرياً عادياً. كان إعلاناً سياسياً بالنار. نتنياهو وجّه صاروخين، الأول على بناية في حارة حريك، والثاني على كل مسار التفاوض بين طهران وواشنطن، وعلى رأس جوزيف عون تحديداً.
الضربة أتت بعد ساعات فقط على تسريب بوادر أتفاق أميركي-إيراني في مسقط.أتفاق تقول التسريبات إنه يتضمن بنداً (واضحاً) وقف إطلاق النار في لبنان وغزة كجزء من صفقة إقليمية شاملة.
نتنياهو يفهم اللعبة. يعرف أن أي أتفاق بين طهران وواشنطن يعني نهاية مشروعه: حرب بلا أفق، وحكومة بلا شرعية إلا بالدم. لذلك قرر نسف الطاولة. أستهدف الضاحية تحديداً، ليقول لترامب وللإيرانيين،
أنا هنا. لا أتفاق يمر فوق جثتي السياسية. أنا من يقرر متى تنتهي الحرب، لا أنتم.
ضرب الضاحية هو ضرب لجوهر الأتفاق. لأن الأتفاق يعني حماية العمق اللبناني، ونتنياهو أراد أن يثبت أن العمق اللبناني مستباح بقراره هو فقط.
وهنا بيت القصيد. جوزيف عون، المهرول نحو التفاوض المباشر مع العدو، كان قد خرج قبل أيام ليقول، (شكراً صديقي ترامب) بعد أن أخذ منه وعداً بعدم أستهداف الضاحية وبيروت. باع الناس وهم (الضمانة الأميركية) . قال لهم ،ترامب يحميكم. أنا أتكفل بذلك.
جاء الرد أمس من نتنياهو. صفعة مدوية على وجه كل خطابه. ترامب الصديق لم يحمِ الضاحية. الوعد الأميركي تبخّر مع أول غارة إسرائيلية. جوزيف عون ظهر أمام اللبنانيين بما هو عليه، رئيس بلا غطاء، بلا ضمانات، بلا قيمة عند الإسرائيلي.
نتنياهو تعمّد إذلاله. تعمّد أن يقول له، وعد ترامب لكَ لا يساوي الحبر الذي كُتب به. أنا من أقرر، وأنا من أضرب، وأنت مجرد متفرج.
هذه الضربة نسفت مصداقية عون قبل أن تنسف البناية. نسفت كل خطاب (الواقعية) و(التفاوض) الذي يسوّق له.
جوزيف عون يريد أن يذهب بعيداً. يريد لقاء مباشراً مع نتنياهو. يريد أن يقدّم نفسه رجل السلام، ورجل أميركا في لبنان. لكن نتنياهو أمس قال له، لا مكان لكَ.
الرسالة الإسرائيلية واضحة، لا نريد رئيساً لبنانياً معتدلاً نتحاور معه. نريد لبنان ضعيفاً، منقسماً، محروقاً. نريد رئيساً يتوسل وقف النار، لا رئيساً يفاوض من موقع الند. ضرب الضاحية هو لإبقاء لبنان تحت النار، لإبقاء عون ضعيفاً، ليأتي لاحقاً إلى التفاوض زاحفاً لا واقفاً.
كل ضربة على الضاحية هي مسمار في نعش مشروع جوزيف عون. لأنه يراهن على معادلة ماتت أمس، معادلة أميركا تحميني وإسرائيل تحترمني. إسرائيل أثبتت أنها لا تحترم أحداً، وأميركا أثبتت أنها لا تحمي حلفاءها.
الكرة الآن في ملعب طهران وواشنطن. إذا مرت ضربة الضاحية بلا رد، فالأتفاق مات قبل أن يولد. نتنياهو سيفهم أن في يده فيتو على أي تفاهم. وسيستمر بالتصعيد حتى إشعال المنطقة كلها.
أما جوزيف عون، فهو أمام خيارين، إما أن يصمت ويبلع الإهانة ويستمر بمهزلة (شكراً صديقي ترامب) فيسقط كلياً في نظر شعبه. وإما أن يفهم أن الرهان على الأميركي والإسرائيلي خاسر، وأن الضمانة الوحيدة للبنان هي معادلة الردع التي يصنعها المقاومون، لا الوعود التي يطلقها ترامب.
ضربة أمس كانت كاشفة. كشفت أن نتنياهو مستعد لحرق المنطقة كلها ليبقى في الحكم. وكشفت أن وعود ترامب لجوزيف عون كاذبة. وكشفت أن من يهرول نحو العدو بلا سلاح، يعود بالخيبة وبالإهانة.
الضاحية دفعت الثمن بالنار، لكنها أعطت الدرس بالدم، لا ضمانة إلا بيدك، ولا سيادة إلا بسلاحك، ولا رئيس يحترمه العدو إلا إذا كان خلفه شعب ومقاومة.
أنتهى زمن( شكراً صديقي ترامب). بدأ زمن الحقيقة التي يجب أن يعرفها جوزيف عون.
نضال عيسى

















Discussion about this post