كتب رياض الفرطوسي
ملاحظة: (المكبسل: مصطلح عراقي دارج يُطلق على مدمني الحبوب المخدرة “الكباسيل”، وبات يُستخدم مجازاً لوصف المغيبين عن الوعي، والجهلة، وضاحلي الفكر).
حين تلتفت الذاكرة إلى الوراء، يصاب العقل بذهول صاعق؛ كيف لأرضٍ كانت مهد الحرف الأول ومصنع التنوير الكوني، الأرض التي أهدت التاريخ عبقرية الكندي، وبلاغة الشريف الرضي، وموسوعية ابن النديم، أن تصحو اليوم على مشهد مغاير تماماً؟ وكيف لمنارة أنجبت في القرن العشرين فرادة المعمارية زها حديد، وعمق مؤرخ الجمال مصطفى جواد، وجسارة المفكر التنويري حسين مروة، أن يتراجع فضاؤها الإبداعي لتتصدره جموع من السطحيين والعابثين؟ هذا التراجع المخيف ليس مجرد عثرة عابرة في طريق الزمن، بل هو جرس إنذار يكشف عن أزمة بنيوية حادة أصابت المجتمع، حيث جرى تهميش العقل النقدي لحساب الخرافة، وصناعة الجهل الممنهج.
إن أزمة الإبداع في جوهرها هي أزمة حرية وصدق. فالبيئات الفكرية التي قامت على الفصام الاجتماعي( حيث يُمارس في الخفاء عكس ما يُعلن في العلن ) تتحول بمرور الوقت إلى مستنقعات طاردة للفكر الحر. الفلسفة والأدب الحقيقي لا ينبتان إلا في تربة الوضوح والشجاعة، وتلك هي البيئة التي سمحت لأوروبا بأن تنجب ألبير كامو وفرجينيا وولف، ودعت فضاءنا العربي لاستقبال أطروحات مالك بن نبي، وجورج طرابيشي، وفاطمة المرنيسي. أما عندما يضيق الأفق، ويتحكم في مصير الوعي تحالف مصلحي نفعي يقوده اللص السياسي، والمقاول، والواعظ المزيف، فإن السؤال العاري يصبح تهمة، وتتحول اللغة إلى رطانة جوفاء خالية من المعنى. وفي هذا المناخ المأزوم، يزدهر الانتحال السياسي والأدبي والسرقة الفكرية كوسيلة بائسة لادعاء التميز : فتجد من يستعيرون نصوصاً للشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش أو الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو، محاولين “تعريقها” أو تبيئتها لمداراة فقرهم الروحي، غافلين عن حقيقة أن الإبداع لا يُزيّف،وأن الأقنعة المستعارة لا تصنع وجهاً حقيقياً.
هذا الحصار الممنهج والتضييق الذي تسبب في انكفاء الأقلام التنويرية وغياب الكفاءات العلمية عن المشهد، دفع بالمبدعين الحقيقيين إلى هجرات قسرية متتالية. وكما كانت عواصم الضباب والنور كباريس ولندن وامستردام الملاذ الآمن لعمالقة الفكر الإنساني، وكما التمس فيها أدونيس، والطاهر بن جلون، وآسيا جبار فضاءً نقيّاً للتنفس والكتابة، يظل المبدع اليوم يبحث عن منفاه لإنقاذ ما تبقى من وعيه. وسط هذا الشتات، يبدو الصخب اليومي والاستعراض الأجوف على منصات التواصل الاجتماعي بمثابة تبديد مجاني للطاقة، وحيلة لتعويض الغياب الحقيقي؛ فالعمل العظيم يتطلب عزلة وتوتراً خلاقاً ينضج في الصمت والمسافة، بعيداً عن ضجيج القطيع، تماماً كالعالِم الذي ينكب على أبحاثه سنوات طويلة ليغير مجرى التاريخ بكشف غير متوقع. إن المجتمعات لا تستعيد عافيتها الفكرية عبر تجميل قبحها أو الهروب إلى الأمام، بل بمواجهة الحقائق العارية؛ فما يصفه البعض مستكيناً بأنه “فتنة نائمة” ليس في عمقه سوى ركام متراكم من الزيف والجهل، وبدون تنظيف هذا القاع بشجاعة، لن تنهض امة ولا فكر، ولن تعود النخب الواعية، وسيبقى السؤال يطاردنا في كل زاوية: كيف هبطنا من زمن المفكرين… إلى قاع المكبسلين؟

















Discussion about this post