بوصلة المواقف …
منذ أن هدأت جبهات المواجهة نسبيًا بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، بدا واضحًا أن ما يجري ليس سلامًا حقيقيًا، بل مرحلة اختبار متبادل يحاول فيها كل طرف فرض معادلة جديدة على الآخر. فالحرب لم تعد مجرد صواريخ وغارات، بل أصبحت حربًا على تثبيت الوقائع وإجبار الخصم على التعايش معها وكأنها أمر طبيعي.
إيران اليوم تريد من العالم أن يتعامل مع حقيقة أنها أصبحت لاعبًا مباشرًا في أمن الطاقة العالمي، وأن قبضتها على مضيق هرمز تمنحها قدرة على تهديد الاقتصاد الدولي بأكمله، بما فيه الاقتصاد الأمريكي وحلفاء واشنطن. ومن هنا فإن الرسالة الإيرانية تقوم على فكرة واضحة: إذا فُرضت الحرب أو الحصار، فإن العالم كله سيدفع الثمن، وليس إيران وحدها.
في المقابل، تبدو أمريكا وإسرائيل وكأنهما تريدان فرض تطبيع من نوع آخر، تطبيع مع الخروقات العسكرية والأمنية المستمرة، ومع بقاء التفوق الجوي والاستخباري الإسرائيلي حاضرًا في المنطقة. فهما تريدان أن يصبح استمرار الضربات المحدودة أو عمليات الضغط الأمني جزءًا من واقع اعتيادي لا يؤدي إلى انفجار شامل.
لكن إيران، بحسب ما تظهره ردودها الأخيرة، لا تبدو مستعدة لقبول هذه المعادلة. فهي ترى أن السكوت الطويل قد يُفهم باعتباره ضعفًا أو تراجعًا، ولذلك جاءت بعض الردود الإيرانية لتؤكد أن الهدنة لا تعني التسليم، وأن أي محاولة لفرض قواعد اشتباك أحادية ستقابل برد يحافظ على توازن الردع.
وسط هذا المشهد، يبرز عامل مهم يتمثل في مونديال كأس العالم لكرة القدم وما يرافقه من حسابات سياسية واقتصادية دولية. فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب كبرى قبل انطلاق نهائيات كأس العالم قد تؤدي إلى اضطراب اقتصادي عالمي واسع، وارتفاع هائل في أسعار الطاقة، وفوضى سياسية وإعلامية تؤثر على مصالح حلفائها وعلى الاستقرار الدولي. ولهذا يبدو أن واشنطن تحاول إدارة الصراع بحذر، وكسب الوقت، وتأجيل الانفجار الكبير إلى مرحلة أكثر ملاءمة.
لكن المشكلة أن هذا التأجيل لا يعني بالضرورة وجود مشروع سلام حقيقي، بل قد يكون مجرد إعادة تموضع واستعداد لمرحلة لاحقة. فهناك من يرى أن أمريكا تريد استثمار فترة الهدنة لترتيب التحالفات، وإعادة بناء أوراق الضغط، ثم العودة إلى التصعيد سواء قبل مونديال كأس العالم إذا شعرت أن الظروف مواتية، أو بعده عندما تنتهي الحسابات الاقتصادية والإعلامية الحساسة المرتبطة بهذا الحدث العالمي.
أما إيران، فهي تدرك أن عامل الوقت ليس محايدًا، ولذلك تحاول خلال هذه المرحلة تثبيت وقائع جديدة على الأرض، وتعزيز حضورها الإقليمي، وإرسال رسالة مفادها أن أي حرب قادمة لن تكون محدودة ولا سهلة، بل ستفتح أبوابًا خطيرة على الاقتصاد العالمي والممرات البحرية وأسواق الطاقة.
وهكذا تبدو المنطقة وكأنها تعيش بين احتمالين متوازيين: إما فرض نوع من التطبيع القسري مع واقع القوة الحالي، وإما العودة إلى جولات مواجهة قد تندلع قبل أو بعد نهائيات كأس العالم لكرة القدم، بحسب اتجاه المصالح الدولية وحسابات الربح والخسارة لدى القوى الكبرى.
بقلم جليل هاشم البكاء

















Discussion about this post