كتب د. سليم الخراط
ثقافة الاختلاف بالرأي حقيقة وواقعا ..
كما أن الحوارات المستمرة ما بين الرأي .. والرأي الاخر ..، تؤكد معضلة تصوير حقيقة الحقيقة في أي مقاربة كانت ..!! .
الأحداث المتسارعة تقودنا إلى رؤى متعددة تعتبر نموذج يجسد الاختلافات ..!!
الحقيقة مهما تم قراءتها ومحاولة حياكتها وتحليلها وبأي صورة قدمت .. ستبقى حقيقة ناقصة بالمطلق ..!!
قراءات تعددت عن محللين يحاولون تجسيد الحقيقة بصورة يجتهدونها ..، ومنها ما تم بحثه في الحقيقة ومتاهاتها كواقع للكاتب البليهي تؤكد هذه المقاربة ..
خاصة وأن ما يتم تأكيده في هذه الرؤية للحقيقة انه ومنذ بداية الحرب بين أمريكا وإسرائيل ..، وإيران من جهة أخرى ..، تستضيف قناة الجزيرة بشكل خاص ومعها الكثير من القنوات كل ليلة عددًا كبيرا من ذوي التخصص العالي ويكونون مجتمعين ويتلقون نفس الأسئلة ورغم أنهم متخصصون في موضوعات النقاش وأنهم في الغالب مثقفون، أي أنهم على اطلاع واسع ويتابعون نفس الموضوعات فإن النتائج التي يتوصل إليها كل شخص منهم تختلف عن النتائج التي يتوصل إليها الآخرون، إن هذا المشهد يعطينا نموذجا صارخا على أصالة الاختلاف واستحالة التماثل، فإذا كان كل هذا الاختلاف يحصل بين متخصصين من ذوي التأهيل العالي فهذا يؤكد أن الطبيعة البشرية تجعل الاتفاق محالًا ..، فما يجري بين أي مختلفين هو في أحسن الحالات محاولات للتقارب بالتنازل النسبي .. .
الموضوعات التي يناقشها المجتمعون محددة ..، والمشهد الذي يناقشونه يراه ويتابعه الجميع ..، والمشاركون قد تابعوه بشكل خاص من أجل المشاركة في النقاش وتقديم رؤية ولكنهم يبقون مختلفين أشد الاختلاف فتتعدد الرؤى بتعدد الأشخاص .. .
هكذا هي الطبيعة البشرية، إنها تتحكم بنا والسوابق عوائق وكل فرد هو عالَمٌ مستقل قائم بذاته .. .
إن كل فرد يوهمه دماغه بأنه على الصواب المحض وأنه يملك الحقيقة المطلقة فتراه أثناء حديث الآخرين لا يصغي ليفهم ما يقوله المتحدث وإنما يكون متحفزا يطلب فرصة الحديث للرد وليس للمناقشة الموضوعية .. .
إن علم النفس قد شخص هذه الطبيعة البشرية فالدكتور ستيفن كوفي يقول :
المشارك في أي نقاش لا يصغي لما يقوله غيره وإنما يكون متحفزًا لتأكيد رأيه ..!! .
إنها معضلة بشرية فظيعة فإذا كان الفرد يملك إعلان حرب فإن الرأي الذي كان محصورا به يصبح معضلة بشرية عامة .. .
الإنسان كائنٌ معطوبٌ فهو يفكر ويقرر ويعمل بطبيعة بشرية متخنة بالنقائص، لكن الفرد ذاته لا يدرك ذلك فيبقى واثقا بما يراه ويتحمل العالم كله نتائج قرارات فرد يجهل طبيعته ولا يدرك هشاشة الأساس الذي يبني عليه قراراته الخطيرة .. .
جميل من مختصر ما تقدمت به كلام مما يعبر ويجسد واقعنا وحقيقته في كلمات تكلمت عن كل شىء اختصرها المبدع الكاتب السوري المرحوم محمد الماغوط يقول قصته :
انه في طفولته حاول أن يصير لحاماً ففشل .. لأنه كان يآكل أكثر مما يبيع ..
ومن ثم حاول أن يصير خياطاً ففشل .. لأنه كان يغرز الأبر في لحم الزبون أكثر ما يغرزها في ثيابه .. خاصة إذا كان تقدميّاًً ..
كما حاول أن يصير رياضياً ونجماً في كرة القدم ففشل من جديد .. لأنه كان قد أعتقد بأن هناك أشياء كثيرة يجب ركلها بالقدم ..، قبل تلك الكرة المطاطية البائسة ..
من جديد حاول أن يصبح مطرباً شعبياً ففشل أيضا .. إذ قالوا له بأن حباله الصوتية تصلح لشحن البضائع لا لشحن العواطف والأحاسيس ..
ثم حاول أخيرا أن يعتزل الدنيا وأ يصير متصوفاً يتعبد ربه ففشل أيضا ومن جديد .. لأنه كما يقول لم يكن يملك من كل الأراضي العربية ولو مساحة جبينه ليركع عليها ويصلي ..!! .
لكن سيبقى صوت الحقيقة هو المستهدف وهو الذي لن يسكت وسيبقى حيا في ضمير كل من آمن به حقيقة مؤكدة ومطلقة .. .
عاشق الوطن ..
د. سليم الخراط

















Discussion about this post