
من هدنة الميدان إلى معركة السياسة… هل بدأت الحرب الحقيقية على مستقبل لبنان؟
بقلم: أمين السكافي.
ليست كل الحروب تنتهي عندما تصمت المدافع، فبعض الحروب تبدأ مرحلتها الأخطر بعد توقف النار. ففي التاريخ السياسي للبنان والمنطقة، كانت لحظات ما بعد المعارك غالبًا أكثر تعقيدًا من لحظات المواجهة نفسها، لأن السلاح يفرض واقعًا بالقوة، أما السياسة فتسعى إلى إعادة تشكيل هذا الواقع عبر التفاوض والضغط والصفقات وتغيير موازين النفوذ.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه لبنان اليوم لا يتعلق فقط بمصير الهدوء على الحدود الجنوبية، ولا بما إذا كانت المواجهة العسكرية ستعود أو لا، بل يتعلق بالسؤال الأكبر: هل دخل لبنان مرحلة إعادة صياغة سياسية عميقة ستحدد شكل الدولة ودورها في السنوات المقبلة؟
فبعد أشهر من التوترات والمواجهات على الحدود الجنوبية، انتقل المشهد اللبناني من ضجيج الميدان إلى صمت السياسة. لكن هذا الصمت لا يعني أن الأزمة انتهت، بل ربما يعني أن طبيعة المعركة تغيرت. فالمواجهة لم تعد فقط حول خطوط النار، بل حول القرارات الدولية، والضغوط الدبلوماسية، والمساعدات الاقتصادية، وشروط إعادة الإعمار، ومستقبل العلاقة بين الدولة ومكونات القوة داخلها.
إن لبنان اليوم يقف في قلب مرحلة إقليمية جديدة فرضتها حرب غزة وما نتج عنها من تحولات كبرى. فهذه الحرب لم تبقَ حدثًا فلسطينيًا محليًا، بل أصبحت محطة أعادت ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط، وفتحت نقاشًا واسعًا حول مستقبل النفوذ الأميركي، ودور إسرائيل، وحضور إيران، وصعود تركيا، ومحاولات الدول العربية إعادة تعريف أدوارها.
ولأن لبنان كان دائمًا جزءًا من توازنات المنطقة، فإنه يجد نفسه مرة أخرى أمام اختبار تاريخي. فكما كان ساحة للصراع خلال الحرب الأهلية، وكما كان محورًا في مراحل الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية والتحولات التي أعقبت عام 2005، فإنه اليوم أمام لحظة قد تعيد رسم موقعه لعقود مقبلة.
لكن الفارق هذه المرة أن الصراع لا يبدو متجهًا فقط إلى تغيير حدود أو إسقاط حكومات، بل إلى تحديد طبيعة الدولة نفسها: هل سيكون لبنان دولة ذات قرار مركزي واضح؟ أم سيبقى دولة تتعايش فيها مراكز نفوذ متعددة؟ وهل يمكن الوصول إلى صيغة تحفظ السيادة والاستقرار في آن واحد؟
من الجنوب إلى طاولة السياسة
لطالما كان الجنوب اللبناني أكثر من مجرد منطقة جغرافية. فهو بوابة لبنان إلى الصراع العربي الإسرائيلي، ومسرح لتحولات عسكرية وسياسية كبرى، ومكان تتقاطع فيه الحسابات الوطنية مع الحسابات الإقليمية.
ولهذا فإن أي نقاش حول مستقبل الجنوب لا يمكن أن يكون أمنيًا فقط، بل هو نقاش حول مفهوم الدولة وحدود مسؤولياتها وقدرتها على حماية أراضيها.
اليوم، يبرز في المشهد الدولي طرح أساسي يقوم على تعزيز دور المؤسسات الرسمية اللبنانية، وخصوصًا الجيش، وترسيخ سلطة الدولة على كامل أراضيها. وهذا الطرح ليس جديدًا، لكنه اكتسب زخمًا إضافيًا بعد المواجهات الأخيرة، لأن القوى الدولية ترى أن استقرار الحدود الجنوبية يشكل جزءًا من استقرار الإقليم.
في المقابل، فإن ملف سلاح المقاومة يبقى العقدة الأكثر حساسية في الداخل اللبناني. فهو ليس مجرد ملف عسكري، بل قضية سياسية وتاريخية مرتبطة بتجربة طويلة من الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وبالجدل حول كيفية حماية لبنان في ظل ضعف الدولة خلال مراحل عديدة.
ولهذا فإن أي محاولة لمعالجة هذا الملف من زاوية واحدة فقط ستبقى ناقصة. فالمطلوب ليس تجاهل مفهوم الدولة، ولا تجاهل الظروف التي نشأ فيها وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية، بل البحث عن صيغة وطنية واقعية تمنع لبنان من العودة إلى دائرة الصراع الداخلي.
واشنطن والضغط السياسي الجديد
لا يمكن فهم الاهتمام الأميركي المتزايد بالملف اللبناني بمعزل عن التحولات الإقليمية. فالولايات المتحدة تنظر إلى لبنان ضمن إطار أوسع يتعلق بأمن إسرائيل، ومواجهة النفوذ الإيراني، وإعادة ترتيب الشرق الأوسط بعد حرب غزة.
لكن السياسة الأميركية تجاه لبنان تحمل دائمًا وجهين: فهي تعلن دعم مؤسسات الدولة والجيش والإصلاح الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تربط هذا الدعم بجملة من الشروط السياسية والأمنية.
وهنا تكمن حساسية المرحلة. فلبنان يحتاج إلى دعم خارجي واسع بسبب أزمته الاقتصادية والانهيار الذي أصاب مؤسساته، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن تتحول المساعدات إلى وسيلة لإعادة رسم توازناته الداخلية وفق مصالح خارجية.
إن المعركة المقبلة قد لا تكون حول من يملك السلاح الأقوى، بل حول من يملك القدرة على صياغة قواعد المرحلة المقبلة . تركيا… لاعب إقليمي يبحث عن موقع جديد
في مقابل الحضور الأميركي، يبرز الدور التركي كأحد المتغيرات التي لا يمكن تجاهلها في المشهد الإقليمي واللبناني. فأنقرة التي تنظر إلى المنطقة من زاوية التاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية، تحاول منذ سنوات استعادة حضور أكثر تأثيرًا في المشرق، مستفيدة من التحولات التي أصابت النظام الإقليمي.
الاهتمام التركي بلبنان لا يرتبط فقط بالسياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد والطاقة وإعادة الإعمار والعلاقات الثقافية. وتدرك أنقرة أن لبنان، رغم صغر مساحته، يمثل نقطة اتصال مهمة بين شرق المتوسط والعالم العربي، وأن أي حضور فيه يمنحها هامشًا أوسع في معادلات المنطقة.
لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن أي نفوذ خارجي، مهما بلغت قوته، يصطدم دائمًا بخصوصية الداخل اللبناني وتعقيداته. فلبنان ليس مجرد ساحة فراغ يمكن لأي طرف ملؤها، بل هو شبكة دقيقة من التوازنات الطائفية والسياسية والمصالح المتشابكة.
ولهذا فإن السؤال الأساسي ليس من يريد الدخول إلى لبنان، بل كيف يستطيع لبنان إدارة علاقاته الخارجية بحيث تتحول هذه العلاقات إلى عنصر قوة لا إلى سبب جديد للانقسام.
الرئيس بري ومعادلة إدارة المرحلة
في الداخل اللبناني، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام مرحلة شديدة الحساسية. فالرجل الذي كان حاضرًا في معظم المحطات الكبرى خلال العقود الماضية يدرك أن لبنان يمر اليوم بمرحلة انتقالية لا تحتمل المغامرات السياسية.
موقع بري يجعله لاعبًا أساسيًا في أي تسوية داخلية، فهو يمثل وزنًا سياسيًا وشعبيًا كبيرًا، وفي الوقت نفسه يدرك طبيعة الضغوط الدولية والإقليمية التي تحيط بلبنان.
لذلك فإن مقاربته للمرحلة تقوم على محاولة الحفاظ على التوازن: منع الانزلاق إلى صدام داخلي، حماية الاستقرار، والتعامل مع الضغوط الخارجية من دون التفريط بما يعتبره ثوابت وطنية.
وهنا تكمن صعوبة اللحظة اللبنانية: فكل طرف يعتقد أنه يحمي لبنان من وجهة نظره، لكن الخطر الحقيقي هو أن يتحول اختلاف الرؤى إلى صراع داخلي يستنزف الدولة مجددًا.
فالتاريخ اللبناني يعلمنا أن أخطر الأزمات لم تكن دائمًا عندما كانت الجبهات مشتعلة، بل عندما عجز اللبنانيون عن الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة خلافاتهم.
إعادة الإعمار… معركة ما بعد الحرب
إلى جانب السياسة والأمن، هناك ملف سيحدد الكثير من مستقبل لبنان: ملف إعادة الإعمار والاقتصاد.
فلبنان لا يواجه فقط آثار المواجهات الأخيرة، بل يحمل تراكمات سنوات من الانهيار المالي، وتراجع مؤسسات الدولة، وفقدان الثقة الداخلية والخارجية.
ومن هنا فإن إعادة الإعمار لن تكون مجرد عملية هندسية لإصلاح المباني والطرق، بل ستكون جزءًا من الصراع السياسي. فالدول المانحة لن تنظر فقط إلى حجم الأضرار، بل ستربط دعمها بطريقة إدارة الدولة، وبالإصلاحات المطلوبة، وبشكل العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومراكز القوة داخل البلاد.
وهذا يضع لبنان أمام اختبار صعب: هل يستطيع تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء دولة أكثر فعالية؟ أم ستتحول مرحلة الإعمار إلى ساحة جديدة للتجاذب السياسي؟
فالاقتصاد ليس منفصلًا عن السياسة. والدولة التي لا تملك اقتصادًا قويًا لا تستطيع حماية قرارها السياسي، كما أن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى توافق وطني يتجاوز الحسابات الضيقة.
هل بدأت الحرب الحقيقية؟
ربما تكون العبارة الأكثر دقة لوصف المرحلة الحالية هي أن الحرب لم تنتهِ، لكنها غيّرت أدواتها.
في السابق كان الصراع يظهر عبر الطائرات والصواريخ والعمليات العسكرية. أما اليوم، فتظهر أدوات أخرى: الضغوط السياسية، الشروط الاقتصادية، المعارك الدبلوماسية، وإعادة رسم التحالفات.
إن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط بما يحدث على الحدود الجنوبية، بل بما سيجري داخل مؤسسات الدولة وفي علاقاته مع العالم.
فالمنطقة كلها تعيش مرحلة إعادة تشكيل. إسرائيل تحاول تثبيت معادلة أمنية جديدة بعد حرب غزة، والولايات المتحدة تسعى إلى إدارة الشرق الأوسط بأقل كلفة ممكنة، وإيران تحاول الحفاظ على أوراق نفوذها، وتركيا توسع حضورها، بينما تبحث الدول العربية عن موقع جديد في نظام إقليمي متغير.
وفي وسط هذه التحولات، يصبح لبنان أمام خيار تاريخي: إما أن يشارك في صياغة مستقبله، أو أن يترك الآخرين يحددون له هذا المستقبل.
الخاتمة: من ينتصر في معركة المستقبل؟
لم يكن لبنان يومًا بلدًا عاديًا في حسابات المنطقة. فموقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وتاريخه جعلته دائمًا في قلب التحولات الكبرى.
واليوم، بعد سنوات من الأزمات والحروب والانقسامات، يقف أمام فرصة نادرة: فرصة إعادة بناء الدولة على أساس توازن جديد يحفظ السيادة والاستقرار معًا.
لكن هذه الفرصة قد تتحول إلى أزمة جديدة إذا بقي اللبنانيون أسرى الصراعات القديمة، وإذا تعامل كل فريق مع المرحلة باعتبارها معركة لإلغاء الآخر بدل أن تكون معركة لإنقاذ البلد.
فالمستقبل لا يصنعه من يملك القوة فقط، بل من يملك الرؤية.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام اللبنانيين ليس فقط: من يربح جولة السياسة الحالية؟
بل:
هل يستطيع لبنان أن يكتب مستقبله بيده قبل أن تكتبه القوى الأخرى عنه ؟



