أوغاريت..حين تحفظ الأرض اسماء أبنائها |الدكتور غسان القيم

كاتب وباحث ومؤرخ أكاديمي| سوري
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
هناك أمكنةٌ لا تموت حتى وإن غابت قصورها وانهارت أسوارها وابتلعت التلال معابدها. تبقى حيةً..
في شيءٍ يبدو للوهلة الأولى بسيطًا.. في اسم قرية أو نبع أو وادٍ يردده الناس كل صباح دون أن يعلموا أنهم يستحضرون ذاكرة عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام.
هذه هي مدينة أوغاريت..
المدينة التي لم تمنح الإنسانية أول أبجدية فحسب بل تركت في تراب الساحل السوري سجلًا آخر لا يقل أهمية عن الرقم الطينية نفسها سجلًا كُتب بأسماء القرى والحقول والينابيع، لتظل شاهدة على أن المكان يحتفظ بذاكرته حتى عندما ينسى الإنسان.
في القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد كانت أوغاريت قلب مملكة مزدهرة تمتد بين جبل صفن شمالًا، ونهر السن جنوبًا والجبال الساحلية شرقًا والبحر المتوسط غربًا. وكانت هذه المملكة أشبه بلوحة فسيفسائية تتوزع فيها المدن والقرى والمزارع والمرافئ وتتصل جميعها بعاصمة نابضة بالحياة والتجارة والفكر.
وعندما أخرج علماء الآثار الرقم الفخارية من بين أنقاض رأس شمرا لم يعثروا على نصوص دبلوماسية وأساطير ومراسلات ملكية فحسب بل وجدوا ما يشبه الخريطة الإدارية الكاملة للمملكة تضم ما يقارب ثلاثمئة وخمسين اسمًا لقرى ومدن ومزارع كانت تنبض بالحياة تحت راية أوغاريت.
ومنذ تلك اللحظة بدأ سؤال كبير يرافق كل باحث في تاريخ الساحل السوري:
هل اختفت تلك القرى فعلًا.. أم أنها ما زالت تعيش بيننا بأسماء تغيرت قليلًا لكنها لم تفقد روحها؟
لقد أثبت التاريخ أن أسماء الأماكن أكثر وفاءً من البشر. فاللغات تتبدل والدول تزول والإمبراطوريات تنهار أما الاسم فيظل يقاوم يغيّر حرفًا هنا وصوتًا هناك لكنه يبقى ممسكًا بجذوره الأولى.
ولهذا لم يكن التشابه بين أسماء القرى الأوغاريتية وأسماء قرى اللاذقية الحالية مجرد مصادفة لغوية بل نافذة واسعة تطل على استمرارية الحياة في هذه الأرض.
فـ”شا ميا” ما زالت “الشامية”، و”جنّاتا” بقيت “جنّاتا” و”مغريت” أصبحت “مغريط” و”لبنا” تحولت إلى “عين اللبن”، و”قمند” إلى “بيت قمند”، و”خفّو” إلى “الحفة” و”سوكسي” إلى “سوكاس” و”كسابلا” إلى “كسب”.. وعشرات الأسماء الأخرى ما زالت تتنفس فوق التلال ذاتها التي عرفها أهل أوغاريت قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنًا غبرت.
ولعل أجمل ما في هذه الظاهرة أنها لا تُقرأ بالحروف وحدها بل تُقرأ بالجغرافيا أيضًا. فالأرض لا تكذب والتلال لا تغيّر أماكنها والينابيع التي شرب منها أهل أوغاريت ما زالت تتدفق وإن تغيّرت أسماء أصحابها.
ولذلك فإن كل تل أثري في محافظة اللاذقية ليس مجرد كومة من التراب بل مكتبة مغلقة تنتظر من يفتح أبوابها. وكل قطعة فخار وكل أساس جدار وكل ختم طيني قد يكون مفتاحًا لقرية ورد اسمها في وثيقة أوغاريتية قبل آلاف السنين.
لقد أسهمت أعمال السبر الأثري والدراسات التي قام بها علماء الآثار السوريون وفي مقدمتهم الدكتور جمال حيدر والدكتور بسام جاموس ومعهم باحثون مخلصون لتاريخ هذه الأرض في الكشف عن دلائل تعود إلى العصر البرونزي الحديث وهو العصر الذي بلغت فيه أوغاريت ذروة مجدها. وما كُشف حتى اليوم ليس سوى بداية الطريق فما تزال عشرات التلال تنتظر أن تُنطق بالحقيقة.
إن استعادة أسماء القرى الأوغاريتية ليست ترفًا علميًا بل هي استعادة لذاكرة وطن. فالاسم ليس مجرد لفظ بل وثيقة تاريخية تحمل في حروفها رحلة آلاف السنين وتروي كيف بقي الإنسان متمسكًا بأرضه حتى وإن تبدلت اللغات وتعاقبت الحضارات.
وكلما سار فلاح في قرية “مغريط”، أو شرب مسافر من نبع قرية “عين اللبن” أو مرّ بطريق “بيت قمند” أو وقف على تلال “كسب” فقد يكون من حيث لا يدري يعبر فوق صفحات كتاب لم يُغلق منذ العصر البرونزي.
وهنا تكمن عظمة أوغاريت..
فهي لم تترك آثارًا من الحجر فقط بل تركت آثارًا من الكلمات. والكلمة حين تسكن ذاكرة الناس تصبح أقدر على مقاومة الزمن من القصور والمعابد.
إن أوغاريت لم تختفِ بل توزعت في أسماء القرى وفي ذاكرة الجبال وفي رائحة البحر وفي الحقول التي ما زالت تنبت فوق الأرض نفسها التي مشت عليها أقدام الكنعانيين قبل آلاف السنين.
ولهذا كلما اكتُشفت رقيمات فخارية جديدة أو نُقّب في تل منسي لا نكون أمام اكتشاف أثري فحسب بل أمام لقاء جديد بين الحاضر والماضي وبين الإنسان وجذوره.
إن الأرض تعرف أسماء أبنائها..
وأوغاريت ما زالت تنطق بها حتى اليوم.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة

شارك