
بعد أربعة وأربعين عامًا من الحروب… هل استنزفت التجربة حزب الله أم صنعت منه تنظيمًا مختلفًا؟
بقلم: أمين السكافي.
في حياة التنظيمات والحركات السياسية التي ولدت من رحم الصراعات الكبرى، لا يكفي أن نقرأ سجل الانتصارات والهزائم، بل يجب أن نسأل: ماذا فعل الزمن بهذه الحركات؟ وكيف أعادت الحروب المتتالية تشكيلها؟ وهل تكون سنوات المواجهة الطويلة مصدر قوة وخبرة، أم أنها تتحول مع مرور الوقت إلى استنزاف يترك أثره على البنية والدور والقدرة على الاستمرار؟
بعد أربعة وأربعين عامًا على نشوء حزب الله، يصبح هذا السؤال مشروعًا: هل كانت مسيرته الطويلة في ساحات القتال والسياسة والأمن عامل إنهاك استهلك جزءًا كبيرًا من طاقته، أم أنها حولته إلى تنظيم مختلف عما كان عليه عند ولادته في بداية الثمانينيات؟
لم يولد حزب الله في فراغ. فقد ظهر في مرحلة كانت المنطقة تعيش تحولات تاريخية عميقة، وفي مقدمتها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، وانهيار جزء كبير من التوازنات التي حكمت لبنان خلال الحرب الأهلية. في ذلك المناخ نشأت مجموعات مقاومة لبنانية متعددة، قبل أن يتبلور حزب الله كتنظيم يحمل مشروعًا سياسيًا وعسكريًا يقوم أساسًا على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
في سنواته الأولى، كان الحزب حركة مقاومة تعمل في بيئة جنوب لبنان، حيث كانت المواجهة مع إسرائيل هي العنوان الرئيسي. ومع مرور الوقت، لم تبقِ تجربته محصورة في نطاق جغرافي واحد، بل دخلت في سياقات إقليمية أوسع، ومن بينها ما أثير حول مشاركة عناصر منه في حرب البوسنة إلى جانب المسلمين هناك خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي محطة عكست طبيعة المرحلة التي شهدت انتقال بعض القوى والحركات من ساحاتها المحلية إلى ملفات إقليمية ودولية.
ثم جاءت مرحلة المواجهات الكبرى مع إسرائيل في جنوب لبنان. ففي عام 1993 شهد الجنوب عملية “تصفية الحساب”، وهي مواجهة عسكرية واسعة أعقبتها مرحلة جديدة من قواعد الاشتباك. وبعد ثلاث سنوات، جاءت عملية “عناقيد الغضب” عام 1996، التي كانت أكثر قسوة واتساعًا، وانتهت بمجزرة قانا التي تركت أثرًا كبيرًا في الذاكرة اللبنانية والإقليمية.
هذه السنوات لم تكن مجرد سلسلة من المعارك، بل كانت مرحلة أعادت تشكيل موقع الحزب في المعادلة اللبنانية. فمع كل مواجهة كان يخرج من الحرب بأسئلة جديدة حول دوره، وحدود العلاقة بين المقاومة والدولة، ومستقبل الجنوب اللبناني.
عام 2000 شكل محطة مفصلية مع انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة. فقد تغيرت طبيعة المرحلة؛ فالتنظيم الذي نشأ في ظل احتلال مباشر وجد نفسه أمام واقع جديد: كيف يحافظ على دوره بعد انتهاء الاحتلال؟ وكيف ينتقل من مرحلة المقاومة اليومية إلى مرحلة سياسية أكثر تعقيدًا؟
بعد ست سنوات فقط اندلعت حرب تموز 2006، وكانت واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ لبنان الحديث. فقد أعادت الحرب وضع لبنان في قلب المواجهة الإقليمية، وفتحت نقاشًا واسعًا حول مفهوم الردع، ودور القوى غير التابعة للدولة، ومستقبل الصراع مع إسرائيل.
لكن أكبر اختبار ربما جاء مع الحرب السورية التي اندلعت عام 2011. فدخول حزب الله في الحرب السورية نقل تجربته من مواجهة حدودية مع إسرائيل إلى ساحة إقليمية شديدة التعقيد. لم تعد الجغرافيا واحدة، ولم تعد طبيعة المواجهة مشابهة لما عرفه خلال سنوات الجنوب. أصبحت هناك تحديات سياسية وأمنية وميدانية جديدة، كما أثار هذا التدخل انقسامًا واسعًا داخل لبنان وخارجه حول نتائجه وتداعياته.
ومع اندلاع الحرب في غزة عام 2023، عاد الجنوب اللبناني إلى واجهة الأحداث. دخل الحزب في مواجهة جديدة تحت عنوان دعم غزة، لكنها حملت معها أثمانًا كبيرة وأسئلة جديدة حول مستقبل الصراع، خصوصًا بعد الضربات الأمنية غير المسبوقة التي تعرض لها، ومن بينها حادثة أجهزة الاتصال المعروفة إعلاميًا بـ”البيجر”، والتي شكلت محطة بارزة في الحرب الاستخباراتية الحديثة.
أمام هذا التاريخ الطويل، تظهر معادلة معقدة لا يمكن اختصارها بإجابة واحدة. فمن جهة، لا شك أن أربعة وأربعين عامًا من الحروب تفرض كلفة كبيرة؛ فالحركات التي تعيش في مواجهة مستمرة تدفع أثمانًا بشرية وسياسية، وتواجه تحديات متراكمة في بيئتها الداخلية وعلاقاتها الإقليمية.
ومن جهة أخرى، فإن التجارب الطويلة تصنع تراكمًا لا يمكن تجاهله. فالحروب المتعددة، سواء كانت في الجنوب اللبناني أو في ساحات إقليمية أخرى، تترك خلفها خبرات وتغيرات في طريقة التفكير والتنظيم وإدارة الأزمات.
لهذا يبقى السؤال الحقيقي مفتوحًا: هل استنزفت هذه المسيرة حزب الله أكثر مما طورته؟ أم أن كثرة المواجهات صنعت منه تنظيمًا مختلفًا عن ذلك الذي ظهر عام 1982؟ هل كانت الحروب المتتالية عبئًا أثقل من فوائد التجربة، أم أنها شكلت مسارًا من التحول والتكيف؟
ربما لا يستطيع أحد اليوم تقديم إجابة نهائية. فالتاريخ لا يحكم على الحركات الكبرى من خلال معركة واحدة، ولا من خلال لحظة انتصار أو خسارة. الحكم يأتي من قدرة هذه الحركات على فهم التحولات التي صنعتها الحروب، وعلى قراءة البيئة التي تتحرك فيها، وعلى التعامل مع أسئلة المستقبل.
وبعد أربعة وأربعين عامًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل صنعت الحروب حزب الله كما هو اليوم، أم أن هذا الكم من الحروب استهلك جزءًا من المسار الذي بدأه قبل عقود؟ الإجابة ستبقى مرتبطة بما ستكشفه المرحلة المقبلة، لأن مسيرة الحركات الكبرى لا تنتهي عند آخر معركة، بل عند قدرتها على التكيف مع عالم يتغير باستمرار.


