
قراءة نقدية (التوازن المعماري بالقصيدة شكلا ومعنى)قصيدة(هاجرة بحرية) للشاعرة الهام عيسى |الناقدة جليلة المازني
قراءة نقدية: “التوازن المعماري بالقصيدة شكلا ومعنى”:
الناقدة جليلة المازني (تونس)
القصيدة:” هاجرة بحرية”
الشاعرة: الهام عيسى (سوريا)
أ- قراءة في العنوان “هاجرة بحرية”:
لقد ورد العنوان مركبا نعتيا مشحونا بمفارقة معنوية بين النعت والمنعوت.
وكلمة هاجرة تدل لغة على شدة الحر في نصف النهار ووصفها ب “البحرية” يربط هذا الوقت الحار بالتوجه نحو البحر للاستجمام او التخفيف من حرارة الجو.
انها مقابلة بين الحر وما يوحي به من حرقة وضمإ قد يؤدي حتى للموت وبين الماء الذي يخفف من الحر ويطفئ نار الحرقة.
كأني بالشاعرة تستدعي الماء لما يغلي بداخلها.. إنها ترى في الماء حلا ومنقذا لما تعيشه من قيض ومن حرقة.
والنعت (بحرية) والمنعوت (هاجرة) لهما علاقة بالروح والجسد.
وفي هذا الإطار قد يتساءل القارئ:
– أية هاجرة روحية وجسدية تعيشها الشاعرة؟
– هل أن صفة “البحرية ” لهذه الهاجرة ستخفف عنها وطأة الهاجرة؟
– هل أن العنوان قد جمع بين المشكل (هاجرة) والحل (بحرية)؟
– هل ان العنوان يشي للقارئ بمدى تفاؤل الشاعرة؟.
– هل هو التوازن النفسي بين المشكل والحل؟
ب – التحليل: التوازن المعماري بالقصيدة شكلا ومعنى:
+ مفهوم التوازن المعماري بالقصيدة:
يقصد بالتوازن المعماري في القصيدة ذلك التنظيم الهندسي والفني المتناسق الذي يربط بين هيكلها الخارجي (الشكل) ومضمونها الداخلي (المعنى). وكل من الهيكل الخارجي والمضمون الداخلي في خدمة البعض في بناء نص متكامل ومستقرّ (1).
1- التوازن المعماري بالقصيدة على مستوى الشكل:
* تقسيم القصيدة الى مقاطع:
إضافة الي المفارقة بالعنوان التي اتسمت بالتوازن اللفظي والمعنوي فان الشاعرة قد عمدت الى جعل القصيدة في شكل مقاطع (6 مقاطع):
وتمثل المقاطع في القصيدة وحدات دلالية وفنية متكاملة. يحمل كل مقطع رمزية خاصة تتفاعل مع البناء الكلي للنص لتجسيد الفكرة وتعميق الإيقاع النفسي وتكثيف الصور بعيدا عن التقريرية المباشرة (2).
والشاعرة قد قسمت القصيدة الى ستة مقاطع.
ويُعد العدد 6 في الثقافة والفلسفة وعلم البنيات رمزا للتوازن والكمال النسبي والتمام لأنه أول “عدد متتالي” في الرياضيات (يساوي مجموع قواسمه الصحيحة دونه: 1+2+3=6). (3).
*من الدلالات الرمزية للعدد6 :
– التوازن والانسجام: يمثل التقسيم السداسي نقطة التقاء وتوازن بين الثنائيات (كالروح والجسد او الأعلى والاسفل..).
– تمام الخلق والعمل يرتبط بالتمام والانتهاء من مرحلة إجهاد أو تكوين استنادا الى دلالته الكونية في بناء السماوات والأرض(بناؤها في ستتة أيام).
– الدقة الايقاعية: يستعمل في الفنون والآداب لتقسيم المقاطع لمنح المتلقي إحساسا بالاستقرار والاطمئنان البصري أوالسمعي:
وفي هذا الاطار فالشاعرة قد وزعت مقاطع القصيدة بالمراوحة بين السمعي والبصري:
+ السمعي: المقاطع (1)/ (2)/ (6).
+ البصري: المقاطع (3)/ (4)/ (5)
وثنائية السمعي والبصري بالمقاطع تحفظ توازن حاستي السمع والبصر لدى المتلقي فلا يشعر بالملل عند قراءة القصيدة.
كما تحفظ توازن حاستي السمع والبصر في الاستمتاع عبر المراوحة بين الحاستين وتمنح كل حاسة متنفّسا لتجديد واستعادة متعته الحسية لدى الشاعرة.
كما أن الشاعرة قد أحدثت ايقاعا صوتيا باستخدام أفعال دالة على الحركة (يتراقص/ يتناغم/ جلسنا/ تسامرنا/ تبادلنا/ أبحرت/ أشرعت/ ترفرف/ يشعّ/ ينهض/ ألقاك/ سأخبرك/ أستنشق).
وأفعال الحركة تشي بمدى حيوية الشاعرة (الحبيبة) وحماسها وتحمسها للعلاقة الوجدانية بينهما.
* من تجليات العدد 6:
– الهيكلة الأدبية: تقسيم القصائد الى ستة مقاطع يعكس غالبا تطورا دراميا متوازنا يبدأ بالمقدمة ويمرّ بمراحل الصراع وينتهي بالخاتمة المستقرة.
وفي هذا الإطار كيف تجلى هذا التوازن في معمار القصيدة على مستوى المعنى؟
2- التوازن المعماري بالقصيدة على مستوى المعنى (المضمون الداخلي)
والتوازن على مستوي المعنى يتجلى من خلال:
– تدرج الافكار: الانتقال الهادئ والمنطقي من فكرة الى أخرى دون تفكك أو تنافر دلالي.
– التقابل والتضاد: استخدام المحسنات المعنوية كالطباق والمقابلة لخلق توازن بين المعاني مثل الثنائيات.
– وحدة التجربة: اتحاد العاطفة والفكرة بحيث يغذي كل جزء من المعنى البناء الكلي للقصيدة
أ- الاستهلال:
لقد استهلت الشاعرة الهام عيسى القصيدة باستخدام تشبيه بليغ حيث شبهت إبحارها الى الحبيب باليراع بما في ذلك من دلالة جمالية حيث تدمج الشاعرة(الحبيبة) بين حركة ” الإبحار” الواسعة وعمق وخفة “اليراع” لتدل على الفكر المتحرك السائل الذي لا يتوقف عن السفر في عوالم المعاني.
وتستمر الشاعرة في استخدام الثنائيات لإحداث التوازن والانسجام بالمقطع الأول وتجعل ثنائية الحرف والقلم في خدمة ثنائية الحنين والشوق.
وعلاقة الحرف بالقلم هي علاقة الوسيلة بغايتها فالقلم هو الأداة المادية التي يخطّ بها الوجود والحرف هو الروح النابضة بالمعنى فالقلم هو الفاعل المؤثر والحرف هو الأثر الباقي والدليل عليه.
ان الشاعرة أعدت القلم كوسيلة لتكتب حنينها وشوقها بكل اللغات وهو دليل على انتشار كتابتها وخلودها.
وبالتالي فان الشاعرة الحبيبة تجعل من علاقتها بحبيبها خالدة حنينا وشوقا. ماضيا وحاضرا (يكتبك بكل اللغات أبجدية عشقي الأزلي).
ان هذا المقطع الأول كان بمثابة المقدمة لما سترويه من تجربتها العاطفية والوجدانية مع حبيبها.
ب- التجربة الوجدانية الوجودية:
استهلت المقطع الثاني بتحديد المكان(هناك) ولكنه ليس مكانا ماديا. إنه مكان بين الوجود واللاوجود ( في زوايا الروح والعدم).
ان الشاعرة استخدمت ثنائية وجودية عميقة بين الروح وما تحمله من الحياة والمعنى والمطلق وبين العدم وما يوحي به من فناء وتلاش وصمت.
انها تجعل الوعي البشري من وجهة نظر فلسفية وصوفية يتقاطع مع حدود الكينونة والأللاكينونة .
وبالتالي هل أن التقاطع بين زوايا الروح والعدم يجسّد:
– لحظة تهدئة وتأمل يقف عندها الانسان متأملا مصيره بين البقاء(الروح) والفناء (العدم)؟
– التوازن الوجودي باعتبار ان الوعي الحقيقي للوجود يولد من إدراك الزوال والفناء والعدم؟
وتستمر الشاعرة مع لعبة الثنائيات مستخدمة عبارة “ناصية القلب” (2).
والعبارة محمولة على مجاز بليغ يجمع بين مفهومين:
* الناصية وهي مقدمة الرأس أو منبت الشَعر فيها وتعد الناصية مركز القرار والسيطرة والتوجّه.
* القلب الذي يعدّ مركز العاطفة والنية والإرادة.
ولهذه العبارة (ناصية القلب) في الادب والشعر دلالتها باعتبارها نقطة البداية التي يتركز فيها الحب والوجع وكأنّ للقلب ناصية يقاد بها كما يقاد الانسان من ناصيته.
والشاعرة بين “زوايا الروح والعدم” و”على ناصية القلب” تستمتع مع الحبيب بكلمات الحب التي لا بداية لها ولا نهاية (سرمدية) مستخدمة أفعالا في صيغة المتكلم الجمع (جلسنا/ تسامرنا/ تبادلنا) وتدعم صيغة المتكلم الجمع باستخدام أفعال مزيدة تدل على المشاركة على وزن تفاعل (تسامرنا/ تبادلنا).
والشاعرة تضفي على مجلسها مع الحبيب المتعة لا بفنون الحب بكلمات سرمدية فحسب بل بتبادل القبل والاستمتاع دون مبالاة بالوقت (حتى أدركنا المساء بالقبل).
وهو نوع من التوازن في ثنائية القول والفعل والكلمة والممارسة الفعلية مما جعل المجلس مجلس حب صادق وممتع بينهما.
وفي هذا الإطار قد يتساءل القارئ بفضوله المعهود قائلا:
– ما سرّ هذه السعادة المتوازنة التي تعيشها الحبيبة؟
وهنا وكأني بالحبيبة(الشاعرة) قد توقعت فضول القارئ ونجحت في تقديم تبريرات كآلية دفاعية لهذه السعادة التي خرجت “من أساطير الأولين”. انها تدافع عن هذا الحبيب باعتباره:
* منقذها من الضلال المادي: (كلما أبحرت صوب مرساك مجدفة بقاربي// كنت أنت طوق نجاتي).
* نافذة الأمل: إنه ينتشلها من اليأس (كلما داهمتني أعتى الخيبات // أشرعت لي نافذة الأمل).
*مُحْييها:(أجيء اليك كي تروي لي ضمأ قلبي).
* مُسعدها :(رياح الفرح آتية الي // كالطيور من مروج عينيك// ترفرف كلماتك أمام ناظري// نوارس محبة).
* دليلها لتخطي المسافات وسط مخاطر الأمواج الهادرة : (عابرة المسافات..و الموج هادر// عبير عشقك المكنون // يشع كالنور من مقلتي/ ينهض من ركام المستحيل).
* العشق العبادة:(كم أعشق الصلاة في فنائك // يا قبلتي الدافئة).
ان الشاعرة استخدمت في المقاطع السابقة بالتوازي بين الصور الشعرية التي هي المعادل الموضوعي لعشقها للحبيب والصور البيانية لاقناع القارئ بأن هذا العشق قد أحدث فيها التوازن النفسي بين:
– ضلالها وانقاذه لها.
– يأسها وبعثه الأمل فيها.
– ضمئها لمشاعر الحب وارتوائها بفضله.
– حزنها واسعاده لها.
– ضياعها وسط المخاطر وهو دليلها لانارة الطريق.
– العشق والعبادة.
وتختم لتدعم التوازن بالعنوان بالتوازن بالقفلة:
لئن جعلت الشاعرة بالعنوان التوازن بين اشتداد الحر(الهاجرة) والتغلب على الحر بماء البحر(بحرية).فانها حافظت على هذا التوازن بالقفلة لتحول الفراق الى لقاء لأنه أروع أحلامها وهو أفقها الذي ينتفي معه الوداع في انتظار اللقاء (وسيبقى عالمي معلقا كالشراع// على خيط أفقك …دون وداع).
ان الشاعرة الحبيبة بهكذا توازن معماري بالقصيدة (شكلا ومعنى) امتد من العنوان الى المتن فالقفلة تشي للقارئ بعمق تجربتها الوجدانية ويترجم حالات الاستقرار والتوازن النفسي الداخلي لديها.
انها وحدة التجربة التي تتجلى في اتحاد العاطفة والفكرة بحيث يغذي كل جزء من المعنى البناء الكلي للقصيدة.
وفي هذا الإطار من التوازن المعماري شكلا ومعنى فان الشاعرة تلتقي مع:
– محمود درويش الذي اعتمد على تقنيات التوازي والتناوب البنيوي لخدمة الفكرة الوطنية والنفسية (4).
– الشاعر الفرنسي “شارل بودلير” الذي يسعى الى الهندسة البصرية للقصيدة على الصفحة بحيث يشكل الفراغ والنص بناء معماريا متوازنا يخاطب العين والذهن معا وقد تمثل في ديوانه “ازهار الشر” في “تطابق البناء الفني والشكل الخارجي للقصيدة او الديوان مع دلالتها الفكرية والنفسية بحيث يندمج المبنى والمعنى في هندسة صارمة ومحكمة”(5).
وقد شبه الجاحظ وابن قتيبة القصيدة ب “البناء المحكم فبداية القصيدة كفناء الدار وتدرج الأغراض كغرف البناء المتناسقة التي لا تقبل الخلل أوالتفكك”.
وفي هذا الإطار من التكامل والتوازن المعماري بالقصيدة شكلا ومعنى فانه عكس توافقا تعبيريا بين انبثاق الدلالة من طبيعة التشكيل اللغوي وانبثاق التشكيل من عمق المعنى المراد ايصاله.
كما ان هذا التوازن المعماري بالقصيدة بين الشكل والمعنى بدءا بالعنوان ومرورا بالمتن وانتهاء بالقفلة قد عكس الحالة النفسية المطمئنة والمستقرة للشاعرة الحبيبة.
سلم قلم الشاعرة الهام عيسى هذا القلم الذي جسد التوازن المعماري شكلا ومعنى بالقصيدة وعكس التوازن النفسي للشاعرة وجعلها ترتقي بقصيدتها الى العالمية عربيا وغربيا.
بتاريخ 24/ 08/ 2026
المراجع:
(1) البنيات المتوازنة في شعر مصطفى محمد الغماري (التوازي التكرار)- وهاب داودي- مجلة المخبر.ابحاث في اللغة والادب الجزائري جامعة بسكرة الجزائر- العدد العاشر-2014
(2) التشكيل الجمالي في أسلوب التقطيع في مجموعة (في مرآة الحرف) للشاعر أديب كمال الدين-
سمير عبد الىحيم آغا.
(3) العدد 6 أول الميثالية ونهاية العالم- موقع الكتابة الثقافي -17 فيفري 2018- صفاء النجار.
(4) التوازي في قصيدة محمود درويش- جامعة الموصل.
(5) شارل بودلير..كيف غير الشعر ونقد الفن في القرن التاسع عشر؟-صافيناز طارق علاء الدين- 30/06/ 2026 آخر تحديث01/ 07/ 2026.الجزيرة .نت
=======
القصيدة: “هاجرة بحرية”(الشاعرة الهام عيسى)
مبحرة.. كاليراع..
حنيني اليك يتراقص شوقا
يتناغم بين الحرف والقلم
يكتبك بكل اللغات ويدونك
ابجدية عشقي الأزلي..
هناك في زاويا الروح والعدمِ
وعلى ناصية القلب
جلسنا تسامرنا تبادلنا
فنون الحب بكلمات سرمدية
حتى أدركنا المساء بالقبلِ
خارجة من أساطير الأولين
كلماا أبحرتُ صوب مرساك مجذفة بقاربي
كنت انت طوق نجاتي
كلما داهمتني أعتى الخيبات
أشرعتَ لي نافذة الاملِ
أجيء إليك كي تروي لي ظمأ قلبي
رياح الفرح أتية الي
كالطيور من مروج عينيك
ترفرف كلماتك امام ناظري
نوارس محبة
عابرة للمسافات.. والموج هادر
عبير عشقك المكنون
يشع كالنور من مقلتي
ينهض من ركام المستحيل
كم أعشق الصلاة في فنائك
ياقبلتي الدافئة..
حين ألقاك
سأخبرك يوما
بأنك أروع أحلامي
وأنني استنشق عطر
الحياة من عبقك
وسيبقى عالمي معلقا كالشراع
على خيط أفقك.. دون وداع..



