كتب رياض الفرطوسي

 

حين ننظر إلى المشهد العربي الراهن، لا نملك إلا أن نرى أمة تقف على حافة تحول تاريخي خطير، حيث لم يعد يجدي معها تكرار الصيغ البلاغية القديمة أو الاكتفاء بإلقاء اللوم الجاهز على الأطراف الخارجية. إن بيت العرب (جامعة الدول العربية ) يتأهب اليوم لعقد اجتماع لا يمكن تصنيفه كحدث دوري عادي، بل هو اختبار حقيقي لإرادة الاستقلال السياسي؛ خاصة مع دخول المنظمة مرحلة جديدة بقيادة الدبلوماسي المخضرم نبيل فهمي، الذي يحمل مشروعاً هيكلياً يعيد النظر في فلسفة إدارة الأزمات الإقليمية ويرفض ارتهان القرار العربي لأجندات لا تخدم استقرار المنطقة.

 

إن أولى محطات الإصلاح تبدأ من كسر حالة “التعطيل الاستراتيجي” الذاتي. وتكشف قراءة التحليلات المتواترة في مراكز التفكير الدولية، مثل معهد الشرق الأوسط في واشنطن ونشريات فاينانشال تايمز، أن الفاعلية الإقليمية لا تُبنى بالإدانات المتبادلة، بل بتوفير الإرادة السياسية والدعم المالي والالتزام الفعلي من الدول الأعضاء لصالح أمانة عامة مستقلة القوة والمبادرة. فغياب الرؤية الناجزة وانشغال العواصم بصراعات بينية هو الذي يحول دون بناء منظومة أمن جيرة مشتركة تضمن مصالح الجميع دون استثناء.

 

وعلى الصعيد الأمني، تعاني المنطقة من نهج “تصدير الأزمات” وافتعال الصدامات السياسية التي تغذيها مشاريع التوسع والاعتداءات الخارجية المتصاعدة. يرى تقرير صادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن التركيز على اختلاق أعداء إقليميين دائمين وإغفال أصل التوتر في الشرق الأوسط يمثل هروباً من مواجهة الواقع. إن إبقاء الملفات مشتعلة في جنوب لبنان والجولان والسودان وليبيا واليمن والصومال يسهم في استنزاف الطاقات العربية، ويمنع الشعوب من التفرغ للقضية المحورية: بناء التنمية، وتحسين جودة الحياة، وإقامة شبكة أمن إقليمي قائمة على التوازن والمصالح المتبادلة بدل منطق المحاور والمواجهة الدائمة.

 

لقد تغيرت معادلات القوة والنفوذ في العالم بشكل راديكالي؛ إذ تظهر التحليلات الموسعة لشبكات عالمية مثل سي إن إن وبي بي سي أن القوة الحديثة لم تعد في تجييش الخطابات، بل في توطين الذكاء الاصطناعي، ورفع الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا، وتأسيس اقتصاد معرفي قادر على التصدير. إن إيقاف حرائق المنطقة يقتضي الشجاعة في إعادة فتح قنوات التفاهم الاستراتيجي واستيعاب القوى الإقليمية الفاعلة، للانتقال المباشر من خانة ردود الأفعال المنهكة إلى بناء مشروع نهضوي إقليمي مستقل يحفظ كرامة الشعوب ويصون مستقبل أبنائها.

شارك