العفو… هو انتصار الأخلاق على الرغبة في الانتقام.

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

العفو ليس ضعفًا، وليس عجزًا عن الرد، وليس استسلامًا لمن أساء إلينا. العفو الحقيقي هو أن تكون قادرًا على الانتقام، وأن تمتلك من الكلمات والمواقف ما تستطيع به أن تردّ الأذى، ثم تختار أن تترفع؛ لأن أخلاقك أكبر من الإساءة، وكرامتك أسمى من أن تجعلها أسيرة الغضب.

وقد علّمتني الحياة أن أصعب الاختبارات ليست تلك التي نواجه فيها الغرباء، بل تلك التي نواجه فيها من نلتقي بهم كل يوم، ونشاركهم مكان العمل، ونحاول أن نمارس رسالتنا بصدق، فإذا بنا نجد من يحوّل النجاح إلى خصومة، والعمل إلى ساحة للمنافسة، والاختلاف إلى رغبة في الانتقام.

في مكان عملي، عايشت نموذجًا مؤلمًا لشخصيةٍ اتخذت مني موقفًا عدائيًا منذ دخولي إلى ميدان التعليم، وكأن وجودي ونجاحي كانا سببًا دائمًا لمحاولة وضعي أمام العقبات. وكلما حاولت أن أتقدم خطوة، شعرت أن هناك من يحاول أن يضع في طريقي حجرًا جديدًا. لكنني كنت دائمًا أتمسك بسلاحي الوحيد: الحق. فالحق قد يُحاصر، وقد يتأخر، وقد يحاول البعض إخفاءه، لكنه لا يموت؛ لأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.

وأنا لا أريد أن أفسّر ما في قلوب الآخرين، فالله وحده يعلم خفايا النفوس، لكنني أؤمن أن الإنسان حين لا يصالح نفسه، يصعب عليه أن يصالح الآخرين، وحين يمتلئ قلبه بالحقد، يصبح نجاح الآخرين بالنسبة إليه تهديدًا بدل أن يكون مصدر فرح. ولهذا تعلمت ألّا أبادل الكراهية بالكراهية، ولا التكبر بالتكبر، ولا الإساءة بإساءة أخرى.

لقد مرّت عليّ مواقف كثيرة حاول فيها البعض أن ينتصر عليّ، لكنني كنت في كل مرة أخرج أكثر إصرارًا. وكلما ظنوا أنهم وضعوا نهاية لطريقي، كنت أكتشف أن الله يفتح لي طريقًا آخر. فالإنسان قد يغلق بابًا، لكنه لا يستطيع أن يغلق أبواب الله.

وكانت آخر المحاولات أن وُضعت عقبة في طريقي، فتوقّف الكتاب الذي عملت عليه، وشعرت للحظة أن جهدًا كبيرًا اصطدم بحاجز لم أضعه أنا. كان بإمكاني أن أغضب، وأن أبحث عن وسيلة للرد، وأن أجعل الانتقام عنوان المرحلة المقبلة، لكنني اخترت أن أقول: سأكمل طريقي.

نعم، سأكمل طريقي بإصرار أكبر، وعزيمة أشد، وإيمان أعمق. فإذا أُغلق باب، فالله كريم، وقد يفتح لي مئة باب. وإذا توقّف مشروع اليوم، فربما يكون ذلك مقدمة لبداية أجمل غدًا. أنا لا أؤمن بأن العقبات تعني النهاية، بل أؤمن أنها أحيانًا الطريقة التي تختبر بها الحياة مقدار إصرارنا على أحلامنا.

أما من حاول أن يضع العراقيل في طريقي، فسأتركه للزمن، وأترك أمري لله. فالله أبصر بالعباد، وأعلم بمن ظُلم ومن ظلم، وأعرف بما تخفيه القلوب. وليس مطلوبًا مني أن أحمل في قلبي مهمة الانتقام، لأنني أؤمن أن لكل فعل حسابًا، ولكل ظلم نهاية.

ولكل متجبر وعنيد، أقول: لا تغترّ بالقوة، ولا تظن أن إيذاء الآخرين انتصار. فالأيام تتبدل، والمواقف تتغير، وما يزرعه الإنسان في حياة الآخرين قد يعود إليه يومًا. وسيأتي يوم لا ينفع فيه الندم، حين يكتشف الإنسان أن بعض الأذى الذي صنعه بيديه كان أول الطريق إلى خسارته.

ومع ذلك، أخلاقي تمنعني من الانتقام. أستطيع أن أرد، وأستطيع أن أقول الكثير، وربما أملك من الكلمات ما يكفي لأوجع من أوجعني، لكنني لا أريد أن أخسر نفسي وأنا أحاول أن أربح معركة. لا أريد أن أصبح نسخةً من الشخص الذي آذاني، ولا أريد أن يحمل قلبي من القسوة ما يكفي لأردّ كل جرح بجرح.

لقد تعلّمت أن هناك انتصارًا أرقى من الانتقام: أن تستمر. أن تنجح رغم من حاول إيقافك. أن تبقى نقيّ القلب رغم الذين حاولوا تلويثه. وأن تنظر إلى الوراء بعد سنوات وتقول: لقد حاولوا أن يكسروني، لكنهم لم يستطيعوا أن يكسروا إرادتي.

قد يُوقَف كتاب، لكن لا يمكن إيقاف الفكرة. وقد يُغلق طريق، لكن لا يمكن إغلاق أبواب الله. وقد يحاول إنسان أن يطفئ نورك، لكنه لا يستطيع أن يطفئ نورًا أودعه الله في قلبك.

لذلك سأمضي، ولن أستهلك عمري في ملاحقة من أراد تعطيل مسيرتي. سأتركه للزمن، وأترك حقي لله، وأحمل قلمي وأكمل الطريق. فربما يكون ما ظننته اليوم خسارة، هو في الحقيقة بداية لشيء أعظم لم أره بعد.

العفو ليس أن أنسى ما حدث، بل أن أرفض أن يتحول ما حدث إلى سمّ يسكن قلبي. وليس أن أتنازل عن حقي، بل أن أترك حقي لمن لا يضيع عنده حق.

وفي النهاية، لن أنتقم… ليس لأنني لا أستطيع، بل لأنني لا أريد أن أخسر أجمل ما فيّ من أجل شخصٍ حاول أن يؤذيني. سأترك للزمن أن يكشف ما أخفاه الناس، ولله أن يُظهر الحق ويأخذ لكل مظلوم حقه. سأمضي في طريقي، أحمل قلمي وحلمي، وأطرق أبواب الحياة من جديد، مؤمنةً أن الباب الذي أُغلق في وجهي لن يكون آخر الأبواب، وأن الله قادر على أن يفتح لي أبوابًا لم تخطر لي على بال.

أما من وقف في طريقي، فسأتركه خلفي دون حقد، فبعض الناس لا يستحقون أن نحملهم معنا إلى المستقبل. سأعفو، لكنني لن أنسى الدرس؛ وسأسامح، لكنني لن أعود إلى المكان الذي كسرني.

وسيأتي يوم يفهم فيه كل متجبر أن القوة ليست في كسر الآخرين، وأن الظلم لا يضيع، وأن دعوة المظلوم لا تحتاج إلى صوت عالٍ كي تصل.

أنا لا أطلب الانتقام… أطلب الإنصاف.

ولا أريد سقوط أحد… أريد أن أقف أنا من جديد.

وسأقف.

لأنني أؤمن أن الله لا يخذل قلبًا اختار الحق، ولا يضيّع تعب إنسانٍ سار بنية صادقة.

سأمضي… وسيبقى قلبي أبيض، وقلمي شاهدًا، والحق سلاحي، والله حكمي. أما حقي، فسأتركه عند من لا تضيع عنده الحقوق.

فالعفو ليس نهاية الحكاية، بل هو اللحظة التي نتحرر فيها من الذين أرادوا أن يجعلوا حياتنا ساحةً للانتقام. وحين أختار العفو، لا أكون قد خسرت المعركة، بل أكون قد ربحت نفسي.

فالعفو هو أن أمتلك القدرة على الرد، ثم أختار السلام.

هو أن أستطيع الانتقام، ثم أقول: أخلاقي تمنعني.

هو أن أترك حقي لله، وأنا على يقين أن الله لا ينسى مظلومًا.

وما دام الله معي، فلن يخيفني بابٌ أُغلق؛ فربُّ الأبواب قادرٌ أن يفتح لي السماء كلها.

شارك