
العيش على هامش الحياة
العيش على هامش الحياة …
بقلم : أمين السكافي
هناك عمرٌ لا نعرف متى يبدأ، لكنه حين يصل نشعر به دفعة واحدة.
لا يأتي على هيئة تجعيدة إضافية في الوجه، ولا على هيئة رقم جديد في بطاقة الهوية. يأتي حين نستيقظ ذات صباح فنكتشف أن لا أحد ينتظر منا شيئاً. لا موعد عاجلاً، ولا اجتماعاً لا يجوز التأخر عنه، ولا عملاً لا يحتمل التأجيل، ولا طفلاً يطرق الباب طالباً شيئاً، ولا هاتفاً نخشى ألا نسمعه.
يأتي حين يصبح اليوم طويلاً.
طويلاً إلى درجة أننا نتمنى لو كان أقصر.
في البدايات، كانت المشكلة مختلفة تماماً. كان الوقت يركض منا، وكنا نركض خلفه. كنا نريد أن ننجز كل شيء قبل أن ينتهي النهار، وأن نعيش كل شيء قبل أن يسبقنا العمر. كانت الحياة آنذاك مكتظة بالوعود: دراسة، عمل، حب، زواج، أولاد، بيت، سفر، نجاح، مغامرات، أصدقاء، وأحلام لا تنتهي.
كان جدولنا مزدحماً إلى الحد الذي يجعلنا نتذمر من الحياة، فيما كانت الحياة، في الحقيقة، تمنحنا أثمن ما لديها: الإحساس بأننا جزء من حركتها.
كنا نعتقد أن كثرة المسؤوليات عبء.
ثم نكبر، ونكتشف أنها كانت امتيازاً.
يمر العمر من دون أن يستأذننا. يكبر الأبناء، ويتغير الأصدقاء، وتنطفئ بعض الأحلام، وتصبح الأماكن التي اعتدناها غريبة قليلاً. يغادر أشخاص كانوا جزءاً من يومنا، لا لأنهم أرادوا الرحيل دائماً، بل لأن الحياة نفسها قررت أن تفرّق بين الذين جمعهم زمن واحد.
ثم نصل إلى ذلك المكان الغريب بين الأمس والغد.
لا نعود أبناء كما كنا، ولا آباء كما كنا، ولا موظفين، ولا أصحاب مشاريع، ولا رجالاً تنتظرهم الحياة عند كل منعطف.
نصبح نحن وحدنا.
وهنا تبدأ المواجهة.
فالإنسان يستطيع أن يحتمل التعب أكثر مما يستطيع أن يحتمل الفراغ. التعب يعني أن هناك شيئاً نفعله، أما الفراغ فيضعنا وجهاً لوجه أمام السؤال الذي ظللنا نهرب منه سنوات طويلة:
من أنا إذا لم يعد هناك شيء أفعله؟
قد يملأ الإنسان يومه بألف شيء، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه طويلاً. يمكنه أن يشاهد التلفاز، يتصفح الهاتف، يزور هذا ويحادث ذاك، يشرب القهوة، ينام بعد الظهر، ثم يستيقظ ليمضي إلى المساء. ويمكنه أن يكرر ذلك غداً، وبعد غد، وبعد شهر.
لكن التكرار شيء، والحياة شيء آخر.
فالحياة ليست عدد الأيام التي تمر، وإنما عدد الأيام التي تركت فينا أثراً.
هناك أيام لا نتذكر منها شيئاً، وأيام أخرى بقيت في داخلنا سنوات طويلة. يوم أحببنا فيه، يوم فقدنا فيه شخصاً، يوم سافرنا إلى مكان مجهول، يوم نجحنا بعد فشل طويل، يوم جلسنا مع إنسان وأدركنا بعد سنوات أن تلك الجلسة كانت من أجمل ما حدث لنا.
نحن لا نتذكر الزمن.
نتذكر ما فعله الزمن بنا.
ولعل أقسى أنواع الشيخوخة ليست شيخوخة الجسد، بل شيخوخة الرغبة. أن يفقد الإنسان فضوله تجاه الغد. أن يصبح صباحه نسخة عن أمسه، وأمسه نسخة عن اليوم الذي سبقه. أن لا يكون هناك شيء ينتظره سوى موعد النوم.
عندها لا يعود الموت هو الخوف الأكبر.
يصبح الخوف أن يعيش الإنسان طويلاً من دون أن يشعر أنه يعيش.
وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة: قد يكون القلب ينبض، والجسد يتحرك، والإنسان يأكل ويشرب ويتحدث ويضحك، ومع ذلك يشعر في مكان عميق منه أن شيئاً ما قد انتهى.
ليس الموت.
بل المعنى.
ومع ذلك، ربما تكون هذه المرحلة فرصة لا نهاية.
فالإنسان حين تنتهي منه مسؤوليات كثيرة، يستعيد للمرة الأولى شيئاً كان قد فقده منذ طفولته: الوقت لنفسه.
المشكلة أننا لا نعرف ماذا نفعل به.
ربما لأننا أمضينا نصف حياتنا في بناء حياة الآخرين، حتى نسينا أن نبني حياة لنا.
لهذا لا يحتاج الإنسان في نهايات العمر إلى معجزة كي يبدأ من جديد. قد يحتاج فقط إلى رغبة صغيرة. كتاب. رحلة. صديق جديد. مشروع بسيط. شجرة يزرعها ويعود إليها كل صباح. مكان يذهب إليه. فكرة يكتبها. إنسان يحتاج إليه. أو حلم ظنه ذات يوم مستحيلاً.
فالإنسان لا يكبر عندما تتقدم به السنوات.
يكبر عندما يتوقف عن انتظار شيء من الحياة.
أما حين يبقى قادراً على أن ينتظر، ولو شيئاً صغيراً، فهو ما زال في قلبها.
ربما لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا أن نسترد الوجوه التي غابت، ولا أن نعيش البدايات مرة أخرى. لكننا نستطيع أن نمنح ما تبقى من الطريق معنى جديداً.
فالعيش على هامش الحياة ليس حكماً نهائياً.
الهامش نفسه يمكن أن يصبح بداية صفحة.
وكل ما نحتاجه أحياناً هو أن نجرؤ على الكتابة من جديد، بعدما أمضينا أعواماً طويلة نعتقد أن الكتاب قد انتهى.
وربما السؤال الأخير ليس: كم بقي لنا من العمر؟
بل: كم بقي فينا من الحياة؟



