
ما هذا المرض؟
كائنٌ خفيٌّ،
يتسلَّلُ إلى الجسدِ كالغَسَقِ،
ويُقيمُ في الجهاتِ التي لا تُرى،
ثمَّ يُعيدُ ترتيبَ الحزنِ على هيئةِ نبضٍ مُتعبٍ.
ما هذا الذي
يقتاتُ على الفُسحةِ بينَ نَفَسٍ ونَفَسٍ،
ويُجرِّدُ المرايا من ضحكاتِها،
ويتركُ الأمهاتِ مُعلَّقاتٍ على شُرفاتِ الدعاءِ؟
كم أوغلَ في البيوتِ،
حتى صارَ لكلِّ دارٍ حكايةُ فَقْدٍ،
ولكلِّ مقبرةٍ اسمٌ،
كانتْ له بالأمسِ ضحكةٌ،
وكانَ له على مائدةِ الحياةِ مَقعَدٌ لا يزالُ ينتظرُه.
أيُّها السرطان…
أيُّ ريحٍ سوداءَ أنجبتكَ؟
ومن أيِّ عتمةٍ خرجتَ،
لتُخاصمَ الياسمينَ في صدورِ الناس؟
غيرَ أنَّكَ…
مهما استطلتَ،
فلن تبلغَ شُرفةَ الرُّوحِ؛
فثمَّةَ في القلبِ مِشكاةٌ،
لا تنطفئُ ما دامَ فيها اسمُ الله.
إلى الذينَ يحملونكَ في أجسادِهم،
ولا يحملونَ الهزيمةَ في أرواحِهم…
رويدًا…
فالفجرُ لا يعتذرُ عن تأخُّره،
لكنَّه يأتي.
والغيثُ لا ينسى أرضًا،
أخلصتِ الانتظار.
لا تُساوموا الأملَ،
فهو آخرُ ما يعجزُ الوجعُ عن اغتيالِه،
وأوَّلُ ما يزرعُه اللهُ،
في قلبٍ اختارَه للصبر.
أمَّا الذينَ رحلوا…
فما غابوا،
إنهم انتقلوا من ضيقِ الجسدِ،
إلى سَعَةِ الرَّحمةِ،
ومن وجعِ الأرضِ،
إلى سكينةِ السماءِ.
نَمْ هانئًا،
يا مَن غلبكَ الوجعُ، ولم يغلبْ كرامتَكَ؛
فلكَ في كلِّ دمعةِ مُحبٍّ حياةٌ،
وفي كلِّ دعاءِ أمٍّ،
نافذةٌ تُفضي إلى الفردوس.
ولأولئكَ الذينَ يقفونَ على تُخومِ الألم…
الأطباءُ، والممرِّضون،
وحَمَلةُ الرجاءِ في الممرّاتِ البيضاء…
سلامٌ عليكم،
يا مَن تُرمِّمونَ ما تكسَّرَ في القلوبِ،
قبلَ الأجسادِ،
ويا مَن تُشعلونَ قناديلَ الرجاءِ،
كلَّما أوشكتِ العتمةُ أن تنتصر.
ويبقى السؤالُ…
ما هذا المرض؟
لعلَّه الامتحانُ،
الذي يُوقظُ في الإنسانِ إنسانَه،
ويُعلِّمُه أنَّ العمرَ ليسَ بطولِه،
بل بما يتركُه من أثرٍ،
وأنَّ الرُّوحَ،
إذا استودعها اللهُ رحمتَه،
فلا موتَ يُخيفُها،
ولا وجعَ يُطفئُ ضياءَها.
اللهمَّ اشفِ كلَّ مريضٍ شفاءً لا يُغادرُ سقمًا،
وارحمْ مَن سبقونا إليكَ،
واجعلْ من الأملِ ربيعًا دائمًا في القلوبِ،
فأنتَ وحدكَ، إذا قلتَ للشَّيءِ: «كُنْ»… كان.
بقلم: عصام كحلة



