
ما بين النجادة والمرابطون وتيار المستقبل… أين يقف سنّة لبنان اليوم؟
بقلم : أمين السكافي .
لم تكن قصة السنّة في الجمهورية اللبنانية قصة طائفة تبحث عن حزب، بقدر ما كانت قصة طائفة وجدت نفسها، منذ ولادة لبنان الكبير، أمام سؤال سياسي أكبر من الأحزاب نفسها: هل يكون لبنان وطناً نهائياً، أم جزءاً من فضاء عربي أوسع؟
ومن هنا ربما يمكن فهم المفارقة السنّية اللبنانية: فالمسيحيون استطاعوا أن يبنوا أحزاباً عابرة للأجيال، من الكتائب إلى القوات، والدروز حافظوا على إطار سياسي تاريخي تمثّل في الحزب التقدمي الاشتراكي، والشيعة انتقلوا من التهميش السياسي إلى بناء ثنائية أمل–حزب الله؛ أما السنّة، فعرفوا تجارب سياسية وشعبية وعسكرية كبيرة، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة حزبية تاريخية مستقرة.
من النجادة إلى المرابطون، ومن الزعامة التقليدية إلى الحريرية، تبدو المسألة وكأنها سلسلة من التجارب التي وُلدت قوية ثم انتهت، أو تغيّرت، أو ذابت في تسويات النظام اللبناني.
والسؤال اليوم ليس فقط: لماذا سقطت هذه التجارب؟ بل: لماذا لم يولد منها حزب سنّي لبناني يشبه الكتائب أو القوات أو التقدمي أو أمل أو حزب الله؟
من السلطنة إلى لبنان الكبير: بداية الأزمة
كان سقوط السلطنة العثمانية عام 1918 نقطة تحول عميقة في تاريخ السنّة في المشرق، وفي لبنان بصورة خاصة.
فالسنّي اللبناني لم ينتقل فقط من دولة عثمانية إلى دولة جديدة؛ بل انتقل من موقع كان فيه جزءاً من الأكثرية السياسية والدينية في إطار إمبراطورية إسلامية واسعة، إلى نظام لبناني حديث يقوم على توزيع السلطة بين الطوائف.
وعندما أُعلنت دولة لبنان الكبير، ثم وُضع دستور 1926، بدأ تكريس النظام الطائفي في مؤسسات الدولة. وبعد الاستقلال، جاء الميثاق الوطني عام 1943 ليكرّس المعادلة الشهيرة: رئيس الجمهورية ماروني، رئيس الحكومة سنّي، ورئيس مجلس النواب شيعي. كما جرى توزيع التمثيل النيابي وفق قاعدة 6 مسيحيين مقابل 5 مسلمين، استناداً إلى معطيات تعداد 1932.
وهنا نشأت المفارقة الأولى.
السنّة حصلوا على رئاسة الحكومة، لكنهم لم يحصلوا على حزب سياسي جامع.
كان لديهم رؤساء حكومات وزعماء مدن وعائلات سياسية، لكن لم يكن لديهم تنظيم حزبي مؤسساتي قادر على إنتاج قيادة متعاقبة.
وهذه نقطة أساسية لفهم تاريخهم اللاحق.
النجادة: أول محاولة لبناء “حزب” سنّي
في ثلاثينيات القرن الماضي، ظهرت النجادة في بيروت، في بيئة كانت تشهد صعود الأحزاب والتنظيمات الشبابية ذات الطابع التعبوي.
بدأت النجادة كتنظيم شبابي، ثم أعاد عدنان الحكيم تنظيمها في منتصف الثلاثينيات لتصبح قوة سياسية أكثر تنظيماً، تحمل فكراً عربياً قومياً وتدافع عن الاستقلال ومقاومة الانتداب، مع ارتباط قوي بالقضية الفلسطينية والوحدة العربية. وتشير مصادر تاريخ لبنان الحديث إلى أن تأسيس النجادة تزامن تقريباً مع تأسيس الكتائب في عام 1936، لكن كلا التنظيمين عبّر عن تصور مختلف للبنان وهويته.
كانت النجادة، في جوهرها، إجابة سنّية على سؤال الهوية.
فالكتائب قالت: لبنان أولاً.
والنجادة قالت بصورة مختلفة: لبنان عربي في محيط عربي.
ولذلك لم يكن الصراع بينهما مجرد منافسة حزبية؛ كان انعكاساً للصراع الذي عاشه لبنان بين مشروعين للهوية.
لكن النجادة لم تستطع أن تتحول إلى مؤسسة سياسية دائمة. تراجعت تدريجياً، ثم أصبحت قوة هامشية، وبقي اسمها أكثر حضوراً في الذاكرة السياسية من وزنها الفعلي.
وهنا بدأت المشكلة الأولى: السنّة نجحوا في إنتاج حركة سياسية، لكنهم لم ينجحوا في إنتاج مؤسسة سياسية تتجاوز مؤسسيها.
المرابطون: حين دخل الشارع السني مرحلة السلاح
بعد عقدين، جاءت تجربة مختلفة تماماً.
في أجواء المد الناصري وصعود جمال عبد الناصر، ورفض سياسات الرئيس كميل شمعون ذات التوجه الغربي، ظهر حركة الناصريين المستقلين – المرابطون بقيادة إبراهيم قليلات.
وتحولت الحركة إلى قوة أساسية في بيروت، ثم أصبحت ميليشيا سنية كبيرة خلال الحرب الأهلية. وكان خطابها قومياً عربياً وناصرياً، مؤيداً للفلسطينيين وللحركة الوطنية اللبنانية. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن تجربة 1958 كانت مدرسة سياسية وميدانية لكثير من شباب ذلك الجيل، ومن بينهم قليلات الذي أسس المرابطون بعد تلك الأزمة.
وهنا تغير السؤال.
لم يعد السنّي يبحث فقط عن حزب سياسي؛ بل أصبح جزءاً من صراع عربي وإقليمي وفلسطيني ولبناني متشابك.
وفي الحرب الأهلية، أصبحت المرابطون واحدة من أبرز القوى المسلحة في بيروت الغربية، وارتبطت بمنظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
لكن هذه القوة حملت في داخلها بذور نهايتها.
فهي لم تكن حزباً سنياً لبنانياً بالمعنى المؤسساتي؛ كانت جزءاً من مشروع قومي عربي أوسع.
وحين تغيرت موازين القوى بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم دخلت سوريا بقوة في إعادة ترتيب بيروت، فقد المرابطون الجزء الأكبر من بيئته العسكرية والسياسية. وفي 1985 تعرضت الحركة لضربة قاسية من تحالف ضم أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، واضطر إبراهيم قليلات إلى الخروج من لبنان.
وهكذا انتهت التجربة الثانية.
لماذا لم يتحول السلاح السنّي إلى حزب؟
هنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى.
الشيعة امتلكوا لاحقاً سلاحاً وتنظيماً وعقيدة ومؤسسات اجتماعية، فكانت النتيجة أمل ثم حزب الله.
الدروز امتلكوا تنظيماً سياسياً وعسكرياً، ثم أعادوا إنتاجه داخل الدولة.
المسيحيون امتلكوا أحزاباً ذات هياكل تنظيمية عابرة للزعامات.
أما السنّة، فغالباً ما كان السلاح لديهم جزءاً من مشروع أكبر منهم: العروبة، الناصرية، فلسطين، الحركة الوطنية، أو الصراع الإقليمي.
لذلك لم يتحول السلاح إلى مؤسسة سنية لبنانية مستقرة.
وهذه ربما واحدة من أهم الإجابات عن السؤال.
سوريا: هل أفشلت دمشق قيام قوة سنية مستقلة؟
لا يمكن كتابة تاريخ السياسة السنية اللبنانية من دون سوريا.
لكن القول إن سوريا “أفشلت كل حزب سني” سيكون تبسيطاً للتاريخ.
الأدق أن نقول إن النظام السوري تعامل مع الزعامات السنية وفق قاعدة الاحتواء والموازنة أكثر مما تعامل معها ككتلة سياسية مستقلة.
بعد الطائف، أصبحت دمشق صاحبة النفوذ الأبرز في لبنان. وكانت الانتخابات وإعادة تشكيل التحالفات جزءاً من هذا النفوذ؛ وتشير دراسات إلى أن سوريا تدخلت بصورة مباشرة في العملية الانتخابية بين 1992 و2005، من خلال تركيب اللوائح والدوائر والتحالفات بما يضمن نفوذ حلفائها.
وكانت طرابلس المثال الأكثر وضوحاً؛ إذ تشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن النفوذ السوري بعد الحرب لعب دوراً مباشراً في تفكيك التوازنات السياسية التقليدية في المدينة، عبر وضع طبقات اجتماعية وسياسية في مواجهة بعضها.
لكن المفارقة أن سوريا لم تكن ضد وجود زعامة سنية قوية بالمطلق.
لقد تعاملت مع رفيق الحريري، ودعمته في مراحل، ثم اصطدمت به عندما بدأ يتحول إلى مركز قوة مستقل.
وهنا تبدأ قصة الحريرية.
رفيق الحريري: من الزعامة إلى “الطائفة السياسية”
لم يكن رفيق الحريري في بدايته نسخة عن النجادة أو المرابطون.
لم يبنِ ميليشيا.
ولم يؤسس حزباً عقائدياً.
بل بنى شيئاً مختلفاً: شبكة اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة.
بدأ نفوذه من الإعمار والخدمات والتعليم والمؤسسات الاجتماعية، ثم دخل الانتخابات عام 1992 وأصبح رئيساً للحكومة، في أول انتخابات بعد الحرب. وتشير الدراسات إلى أنه استفاد من الفراغ والتشرذم داخل البيئة السنية خلال الحرب، ومن ثروته وعلاقاته العربية، ليصبح صاحب النفوذ الأبرز في التمثيل السياسي السني.
لكن الحريرية كانت مختلفة عن الأحزاب التقليدية.
كانت أقرب إلى مشروع دولة وشبكة مصالح وزعامة شخصية منها إلى حزب عقائدي كلاسيكي.
وهذا أعطاها قوة هائلة في زمن رفيق الحريري، لكنه جعلها أكثر هشاشة أمام غيابه.
وفي نهاية التسعينيات، بدأت المواجهة الحقيقية مع سوريا. فبحسب دراسات سياسية، رأت دمشق في الحريري زعيماً سنياً مستقلاً يصعب ضبطه، خصوصاً مع تنامي علاقاته العربية والدولية. وفي عام 1998 وصل إميل لحود إلى الرئاسة بدعم سوري، وتصاعد الصدام بينه وبين الحريري.
ثم جاء 14 شباط 2005.
اغتيال رفيق الحريري لم يقتل رجلاً فقط؛ بل أسقط مظلة سياسية كانت تجمع قسماً واسعاً من السنّة.
بعدها أصبحت الحريرية أكثر ارتباطاً بالهوية السياسية السنية، وتحوّل تيار المستقبل إلى القوة السنية الأكبر، وخصوصاً بعد 14 آذار.
لماذا لم ينجح المستقبل في أن يصبح “حزباً تاريخياً”؟
هنا تكمن المفارقة الأخيرة.
في ذروة قوته، كان المستقبل أكبر من حزب سني؛ كان تحالفاً وطنياً واسعاً، وفي 2009 كان العمود الفقري لقوى 14 آذار. لكن هذه القوة لم تتحول إلى مؤسسة صلبة شبيهة بالقوات أو الكتائب أو حزب الله.
والسبب أن الحريرية اعتمدت بدرجة كبيرة على الزعامة، المال، الخدمات، العلاقات العربية والدولية، والشبكة الانتخابية.
وهذه أدوات فعالة في الانتخابات، لكنها لا تكفي دائماً لصناعة حزب تاريخي.
ثم جاءت أزمة التمويل، تراجع الخدمات، الانقسامات، الصراع مع حزب الله، التسويات السياسية، وأخيراً قرار سعد الحريري تعليق العمل السياسي عام 2022. وفي 2026 أعلن سعد الحريري عودة تيار المستقبل إلى الحياة السياسية، لكن الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في أيار 2026 أُرجئت لعامين بسبب الحرب، وبالتالي لم تحصل حتى الآن عودة انتخابية كاملة يمكن قياس حجمها.
والأهم أن الفراغ لم يعد نظرياً.
في آب 2026، فازت لائحة مدعومة من النائب فؤاد مخزومي بـ11 مقعداً مقابل 7 للائحة المدعومة من المستقبل في انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية، في مؤشر على أن احتكار الحريرية للتمثيل السني في بيروت لم يعد كما كان.
أين يقف السنّة اليوم؟
ربما هنا السؤال الأصعب.
السنّة اليوم لا يعانون من غياب الزعامات، بل من غياب المركز.
هناك سعد الحريري، ونجيب ميقاتي، وفؤاد السنيورة تاريخياً، وتمام سلام، وفؤاد مخزومي، ونواب وقيادات في طرابلس وصيدا وبيروت وعكار والبقاع، إلى جانب الجماعة الإسلامية والتيارات السلفية وشخصيات مستقلة.
لكن لا يوجد حتى الآن ما يشبه “المظلة السياسية السنية”.
وهذا ما يميز الحالة السنية عن الحالات الأخرى.
فالشيعة لديهم ثنائية أمل–حزب الله، والدروز لديهم مرجعية جنبلاطية تاريخية وإن كانت المنافسة قائمة، والمسيحيون لديهم أكثر من حزب كبير، لكن لديهم مؤسسات حزبية راسخة.
أما السنّة فلديهم تعدد زعامات بلا مؤسسة جامعة.
وهنا يجب ألا نخطئ في التشخيص.
المشكلة ليست أن السنّة بحاجة إلى حزب طائفي جديد.
بل ربما العكس.
لقد كانت أفضل لحظاتهم السياسية حين تجاوزوا الطائفة إلى الدولة: من رياض الصلح إلى رفيق الحريري في بداياته، ومن ثم إلى فكرة الدولة والمؤسسات والاقتصاد والانفتاح العربي.
لكن التجربة أثبتت أيضاً أن التخلي عن التنظيم السياسي يترك الطائفة في لحظة التحولات الكبرى بلا إطار يحمي مصالحها.
لذلك فإن السؤال الذي يواجه سنّة لبنان اليوم ليس: من هو زعيم السنّة؟
بل:
هل يستطيعون إنتاج قيادة جديدة لا تقوم على الزعيم الأوحد، ولا على الميليشيا، ولا على المال السياسي، ولا على الوصاية الخارجية، وإنما على مشروع لبناني عربي واضح، وعلى حزب مؤسساتي يعيش بعد مؤسسه؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
فالنجادة سقطت عندما لم تتحول من حركة إلى مؤسسة.
والمرابطون انتهوا عندما ارتبط مشروعهم الإقليمي أكثر من ارتباطه بمشروع لبناني مؤسساتي.
والحريرية اهتزت عندما أصبح المشروع مرتبطاً بشخص أكثر من ارتباطه بحزب.
أما اليوم، فقد تكون الفرصة التاريخية أمام السنّة مختلفة: أن ينتقلوا من زمن الزعامات السنية إلى زمن السياسة السنية، ومن حماية الطائفة بالزعيم إلى حماية حضورها بالدولة.
وبين النجادة والمرابطون والمستقبل، تبدو تسعون سنة من التاريخ وكأنها تقول شيئاً واحداً:
لم تكن مشكلة سنّة لبنان أنهم لم يجدوا من يقودهم؛ بل أنهم لم يجدوا بعد المؤسسة التي تستطيع أن تعيش بعد القائد.
وهنا، بالضبط، يبدأ السؤال عن المستقبل .



