
السفير الأميركي في البيت الوطني الإسلامي الشيعي… لقاء يتجاوز البروتوكول
كتب / سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
في خطوة لافتة، يواصل السفير الأميركي ميشيل عيسى لقاءاته مع مختلف الفعاليات السياسية والروحية في لبنان، في إطار التواصل الدبلوماسي مع مختلف المكونات والقوى اللبنانية.
إلا أن لقاءه مع نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب يكتسب دلالات ومؤشرات سياسية ووطنية بالغة الأهمية، لأن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يمثل مكوناً وطنياً لبنانياً أساسياً وفاعلاً، وفي الوقت نفسه يشكل ملتقى وطنياً مفتوحاً لكل اللبنانيين، ومساحة للحوار والتواصل مع مختلف المكونات والقوى الوطنية.
ومن هنا، فإن أهمية اللقاء لا ترتبط فقط بشخصية العلامة الشيخ علي الخطيب، وإنما أيضاً بموقع المؤسسة التي جرى اللقاء في رحابها، وما تمثله في المعادلة الوطنية اللبنانية.
فالعلامة الخطيب لم يحصر مواقفه في الإطار الطائفي، بل أكد في أكثر من مناسبة ضرورة الحوار الوطني الشامل، وطرح مقاربة تقوم على حماية لبنان ووحدته وسيادته، ورفض تحويل القضايا المصيرية إلى ملفات فئوية أو أوراق سياسية.
كما كان موقفه من الجنوب اللبناني واضحاً وحاسماً، في تأكيده على ضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي ووقف العدوان، وعودة أهالي الجنوب إلى أرضهم وبيوتهم، والبدء بإعادة الإعمار، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لاستعادة الاستقرار ومعالجة تداعيات العدوان.
ومن ثم يأتي الحوار الوطني الشامل ليكون الخطوة التالية، بحيث يجلس اللبنانيون معاً لمناقشة مختلف القضايا الوطنية، بعيداً عن الإقصاء أو الاستفراد أو فرض الرؤى من خارج التوافق اللبناني.
ولذلك، فإن وجود السفير الأميركي في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لا ينبغي أن يُقرأ كزيارة بروتوكولية عابرة، بل كـلقاء يحمل مؤشرات مهمة على مستوى قراءة الولايات المتحدة للمكونات اللبنانية وللأصوات الوطنية المؤثرة في لبنان.
والأهم أن المجلس، بما يمثله من حضور وطني، يستطيع أن يكون مساحة يلتقي فيها المختلفون، وأن تتحول اللقاءات فيه إلى جسور للحوار بدلاً من أن تكون عناوين للانقسام.
الموقف الحاسم:
إذا كانت زيارة السفير الأميركي تحمل رسالة سياسية، فإن الاختبار الحقيقي لها يبدأ من المواقف التي ستليها:
___ انسحاب الاحتلال الإسرائيلي ووقف العدوان،
__عودة أهالي الجنوب، والبدء بإعادة الإعمار،
__ثم إطلاق حوار وطني لبناني شامل يشارك فيه جميع اللبنانيين لمعالجة مختلف القضايا وحماية وحدة لبنان وسيادته واستقراره.
فأهمية اللقاء ليست في انعقاده فقط، بل في ما يمكن أن ينتج عنه من مواقف ونتائج تخدم لبنان.
الخطيب للسفير الأميركي:لبنان لا يُدار بمنطق الإملاءات
ومن هنا نبين أن لقاء العلامة الشيخ علي الخطيب بالسفير الأميركي في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس لقاءً بروتوكولياً عادياً، ولا يمكن فصله عن المرحلة شديدة الحساسية التي يمر بها لبنان والمنطقة.
فالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس مؤسسة تمثل فئة لبنانية فحسب، بل هو مكوّن وطني أساسي وفاعل، وموقع يمكن أن يكون ملتقى للحوار بين اللبنانيين، كما يمكن أن يشكل جسراً للحوار مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي حملها العلامة الخطيب إلى السفير الأميركي: إذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تلعب دوراً في معالجة الأزمة اللبنانية، فعليها أن تكون عادلة ومتوازنة.
وهذه ليست مطالبة شكلية.
فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً سياسياً كبيراً في المنطقة، وتملك تحديداً قدرة واسعة على التأثير في إسرائيل. وبالتالي، فإن الحديث عن الاستقرار اللبناني لا يمكن أن يكون منفصلاً عن مسؤولية واشنطن في وقف الاعتداءات الإسرائيلية والضغط باتجاه الانسحاب وإنهاء الاحتلال.
لا يمكن أن يُطلب من لبنان أن يبحث في استراتيجية جديدة للأمن الوطني، فيما تبقى أرضه تحت الاحتلال، وتبقى احتمالات الاعتداء الإسرائيلي قائمة، ويبقى اللبنانيون أمام تهديدات مفتوحة.
الأمن لا يُبنى فوق الاحتلال، والسيادة لا تُجزّأ، والاستقرار لا يمكن أن يكون أحادي الجانب.
وهنا تحديداً تكمن قوة موقف العلامة الخطيب.
فهو لا يغلق باب الحوار مع الولايات المتحدة، بل يفتحه، لكنه يريد لهذا الحوار أن يكون حواراً متوازناً، لا منصة لإملاء الشروط.
وهذه نقطة جوهرية.
فالولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي: هل تريد أن تكون جزءاً من الحل، أم أن تتحول إلى طرف يدير الأزمة لمصلحة طرف واحد؟
إذا كانت واشنطن تريد فعلاً استقرار لبنان، فإن الطريق واضح: الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، وتوفير ضمانات حقيقية تمنع تكرار العدوان، ثم ترك اللبنانيين يتحاورون فيما بينهم حول مستقبل أمنهم الوطني وسيادتهم.
أما أن يبدأ النقاش من لبنان وحده، وأن يُطلب منه تقديم الضمانات والتنازلات، بينما لا تُقدّم إسرائيل أي ضمانات مقابلة، فهذا لا يصنع سلاماً ولا استقراراً، بل يعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
لقد أثبتت التجارب أن السلام المفروض بالقوة لا يعيش طويلاً، وأن الاستقرار الذي لا يقوم على العدالة يتحول عاجلاً أم آجلاً إلى توتر جديد.
ولذلك فإن كلام العلامة الخطيب حول ضرورة أن يكون الموقف الأميركي عادلاً ومتوازناً يحمل بعداً لبنانياً وإقليمياً في آن واحد.
إنه يقول بصورة واضحة إن معالجة الملفات الكبرى لا تكون بالضغط على مكوّن لبناني دون سواه، ولا باختزال الأزمة في قضية واحدة، ولا بتجاهل أصل المشكلة المتمثل في الاحتلال والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.
كما أن دعوته إلى حوار وطني لإعداد رؤية جديدة لمواجهة المرحلة تعكس إدراكاً بأن الملفات الوطنية الكبرى لا يمكن أن تُحل إلا من داخل لبنان، وبالتوافق بين اللبنانيين، لا عبر وصفات جاهزة تأتي من الخارج.
وهنا تتأكد مجدداً أهمية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودوره الوطني.
فهذا المجلس يستطيع أن يكون مساحة للتلاقي، لا مساحة للانقسام، وأن ينقل هواجس اللبنانيين إلى الخارج، وأن يفتح قنوات الحوار مع مختلف القوى، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت الوطنية أو الحقوق اللبنانية.
والعلامة الخطيب، من خلال هذا النهج، يقدم نموذجاً مختلفاً في التعامل مع القوى الدولية:
لا قطيعة تمنع الحوار، ولا حوار يلغي الثوابت.
وهذه معادلة سياسية مهمة في زمن تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتصبح فيه قدرة لبنان على حماية مصالحه مرتبطة بقدرته على التحدث مع الجميع من موقع واضح وثابت.
لقد كان العلامة الخطيب واضحاً أيضاً في رفض تحويل الجنوب إلى ورقة انتخابية أو سياسية، وفي التأكيد على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان وعودة الأهالي وحماية الأرض والإنسان.
وهذه الأولويات يجب أن تكون فوق الحسابات الداخلية والخارجية.
فالجنوب ليس ورقة تفاوضية، وأهله ليسوا أرقاماً في معادلات إقليمية، وأمن لبنان لا يمكن أن يتحول إلى ملف ثانوي في مواجهة أي حسابات دولية.
ومن هنا فإن لقاء الخطيب بالسفير الأميركي يحمل رسالة تتجاوز جدران المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى:
لبنان يريد الحوار، لكنه يريد حواراً متوازناً.
لبنان يريد الاستقرار، لكنه يريد استقراراً قائماً على العدالة.
لبنان يريد معالجة ملفاته الوطنية، لكنه يرفض أن تُفرض عليه الحلول تحت ضغط الاحتلال والتهديد.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على واشنطن:
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستخدم نفوذها لإلزام إسرائيل بما تطلبه من الآخرين؟
إذا فعلت ذلك، فإنها تكون قد بدأت فعلاً طريق الحل.
أما إذا استمر ميزانها السياسي مختلاً، فسيبقى الحديث عن السلام والاستقرار مجرد إدارة للأزمة، لا معالجة لها.
وهنا تكمن أهمية موقف العلامة الشيخ علي الخطيب: لقد فتح باب الحوار مع الأميركيين، لكنه في الوقت نفسه وضع أمامهم معياراً واضحاً للحوار: العدالة والتوازن والسيادة ووقف العدوان وإنهاء الاحتلال.
وفي السياسة، أحياناً تكون قوة الموقف في القدرة على فتح الأبواب من دون التخلي عن الحقوق.
وهذا ما يجعل لقاء الخطيب بالسفير الأميركي أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي؛ إنه رسالة وطنية هادئة، لكنها شديدة الوضوح: لبنان لا يريد مواجهة أحد، لكنه أيضاً لن يقبل أن يُطلب منه أن يدفع ثمن أمن إسرائيل.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل




