هناك ثلاث صور تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن بعضها، لكنها في جوهرها تنتمي إلى دورة واحدة من دورات الحياة:

الحرف والكلمة…
حبة الحنطة والسنبلة…
والإنسان والحياة.

فالحرف حبة صغيرة في أرض اللغة؛
وحين يلتقي بحرف آخر، تولد الكلمة.
والكلمة، حين تجد عقلاً ووجداناً يحتضنانها، يمكن أن تتحول إلى فكرة، والفكرة إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى أثر.

وحبة الحنطة تفعل شيئاً يشبه ذلك.
تُلقى في الأرض، وتختفي عن العين، فتبدو كأنها انتهت؛
لكنها لا تكون نهاية،
بل بداية.
تشق طريقها من أعماق التراب، وتخرج إلى الضوء، وتتحول إلى سنبلة تحمل حبات كثيرة.

وهكذا:
الحرف يولد كلمة،
والكلمة تولد معنى،
والحبة تولد سنبلة،
والسنبلة تولد حبات،
والمعنى والحبة معاً يصنعان امتداد الحياة.
إنها ثلاثية واحدة:
الحرف والكلمة،
حبة الحنطة والسنبلة،
والحياة.

فكما أن حبة الحنطة تحمل في داخلها إمكانية سنابل جديدة، تحمل الكلمة في داخلها إمكانية أفكار جديدة، وتحمل الفكرة إمكانية تغيير الإنسان والمجتمع.

الحرف والكلمة من جهة، وحبة الحنطة والسنبلة من جهة أخرى، يلتقيان في سر واحد:
شيء صغير يُزرع،
ويغيب،
ثم يعود أكبر مما كان.

_______ومن هنا تبدأ علاقتي بين الكلمة والحياة.

فالكلمة ليست صوتاً يمر في الهواء وينتهي، كما أن الحبة ليست جسماً صغيراً يُلقى في التراب وينتهي.

الكلمة تُزرع، والحبة تُزرع.
والكاتب يزرع بالكلمة، والفلاح يزرع بالحبة، والإنسان يزرع بأفعاله ومواقفه وتضحياته.

وإذا كانت الحنطة تعطي نفسها للأرض، فتمنحها الأرض حياة جديدة في صورة سنبلة، فإن الإنسان أيضاً قد يعطي من عمره وفكره وروحه للآخرين، ليبقى أثره بعد غيابه.

ومن هنا يمكن أن نرى الرسول والنبي والقديس والشهيد في صورة رمزية واحدة:
إنسان يعطي من ذاته شيئاً يتجاوز ذاته.
فالرسول يترك رسالة، والنبي يترك هداية، والقديس يترك قدوة، والشهيد يترك تضحية وأمانة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
ماذا نفعل نحن بما تركوه لنا؟
هل نحول الرسالة إلى حياة؟
هل نحول الكلمة إلى وعي؟
هل نحول التضحية إلى مسؤولية؟

وهل نجعل من حبة الحنطة التي دُفنت في تراب الوطن سنبلةً من كرامة وعدالة وأمان وسلام؟

هنا تبدأ الحكاية الأعمق.
حبة القمح…

______حين يتحول الموت إلى حياة
منذ أن عرف الإنسان الأرض، عرف أن في باطنها أسراراً لا تُرى بالعين، وأن بعض الأشياء لا تبدأ حياتها إلا عندما تختفي عن الأنظار.
وحبة القمح واحدة من تلك الأسرار.

حبة صغيرة،
صامتة،
لا تبدو فيها مظاهر القوة، لكنها تحمل في داخلها وعداً بالحياة.

نضعها في التراب، فتختفي عن أعيننا،
ونظن أنها انتهت.
لكنها في الحقيقة تبدأ رحلة جديدة؛
تشق طريقها من أعماق الأرض، وتخرج إلى الضوء، وتتحول من حبة إلى سنبلة، ومن سنبلة إلى حبات كثيرة.

حبة تعطي نفسها للأرض،
والأرض تمنحها الحياة من جديد.
وهنا تبدأ حكاية أعمق..

حبة القمح…
توأم الحرف والكلمة
حبة القمح تشبه الحرف.
فالحرف وحده يبدو صغيراً، لكن حين يلتقي بحرف آخر تولد كلمة، والكلمة تلتقي بكلمات فتولد فكرة، والفكرة تدخل عقل الإنسان فتولد وعياً، والوعي إذا تحول إلى عمل يمكن أن يصنع تاريخاً.

وكما أن حبة واحدة يمكن أن تصبح سنبلة تحمل حبات كثيرة، فإن كلمة واحدة قد تحمل في داخلها فكرة قادرة على الوصول إلى آلاف العقول والقلوب.

الحبة تُدفن في الأرض فتُنبت سنبلة، والحرف يُزرع في الإنسان فيُنبت فكرة.

ولهذا ليست قيمة الأشياء دائماً في حجمها أو شكلها الأول، وإنما في ما تستطيع أن تمنحه للحياة من بعدها.

___حبة الحنطة…
صورة العطاء

ولعل أجمل ما في حبة الحنطة أنها لا تحتفظ بنفسها لنفسها.
إنها تعطي ذاتها للأرض.
والأرض تحتضن الحبة، وتمنحها من عناصرها، حتى تعود إلى الحياة في صورة أخرى.

ومن هذه الصورة يمكن أن نرى الرسول والنبي والقديس والشهيد في معنى جامع هو معنى العطاء الذي يتجاوز الذات.

فالرسول يحمل رسالة،
والنبي يضيء طريقاً،
والقديس يجسد قيمة،
والشهيد يقدم حياته دفاعاً عن أرض أو إنسان أو قضية يؤمن بها.

وقد تختلف المقامات والمعاني الدينية والتاريخية لكل واحد منهم، لكن يجمع بينهم أن أثر الإنسان قد يتجاوز حياته، وأن ما يقدمه للآخرين يمكن أن يبقى بعد رحيله.

إنها فلسفة الحبة:
أن تعطي من ذاتك لكي يبقى شيء منك في حياة الآخرين.

_____الحبة في القرآن…
من الواحدة إلى الكثير.

وليس مصادفة أن تأتي صورة الحبة في القرآن الكريم مرتبطة بالعطاء ومضاعفة الأثر:
«مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»
البقرة: 261.
وفي سورة الواقعة:
«أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ۝ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ»
الواقعة: 63–64.

إنها صورة عميقة للعطاء والنمو؛ الإنسان يزرع، لكنه لا يملك وحده سر الإنبات.
الحبة الصغيرة تحمل إمكانية الكثرة، والعطاء الصغير قد يصبح أثراً كبيراً.

____الشهيد…
حبة قمح في تراب الوطن.

ومن هنا أصل إلى الشهيد.
فالشهيد حبة قمح في تراب الوطن.
يغيب جسده عن العين، وتحتضنه الأرض التي أحبها ودافع عنها، لكن غيابه الجسدي لا ينبغي أن يعني غياب المعنى الذي ضحى من أجله.
قال تعالى:
«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»
آل عمران: 169.
وقال تعالى:
«وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ»
البقرة: 154.
وكما تختفي الحبة في التراب لتخرج منها سنبلة، فإن أثر الشهيد يمكن أن يبقى في الأرض التي ضحى من أجلها، وفي ذاكرة الناس، وفي مستقبل الأبناء.

لكن هنا تقع مسؤوليتنا نحن.
فليس الوفاء للشهيد أن نجعل الموت قدراً دائماً، ولا أن نحول ذكراه إلى ثأر لا ينتهي.

【الوفاء الحقيقي أن تتحول تضحيته إلى حياة】.

_____من الشهادة إلى المسؤولية الوطنية.

الشهادة تضحية، لكنها في الوقت نفسه أمانة في أعناق الأحياء.
فالذي قدم حياته دفاعاً عن أرضه وأهله لم يقدمها لكي يرث أبناؤه المزيد من الموت والكراهية والانقسام، وإنما لكي تبقى الأرض، ويبقى الإنسان، وتبقى الكرامة، ويبقى الوطن.
ولهذا فإن مسؤوليتنا الوطنية تبدأ بعد الشهادة بقدر ما تبدأ عندها.
أن نحمي الأرض دون أن نفقد الإنسان.
أن نحفظ الذاكرة دون أن نحولها إلى كراهية.
أن نحترم الشهادة دون أن نجعل الموت طريقاً وحيداً لإثبات الانتماء.
أن نحفظ حقوق أسر الشهداء، لا بالشعارات والصور وحدها، بل بالرعاية والكرامة والعدالة.
وأن نبني دولة ومجتمعاً يستطيع فيهما أبناء الشهداء وسائر أبناء الوطن أن يعيشوا بأمان، فلا يضطر جيل جديد إلى دفع الثمن نفسه.
فالشهيد قدم حياته للوطن، ومسؤولية الوطن أن يقدم الحياة لأبناء الشهيد.

_______وهنا تكتمل صورة الحنطة.

الحبة تعطي نفسها للأرض، والأرض تمنحها الحياة من جديد.
والشهيد يعطي حياته لوطنه، والوطن مطالب بأن يمنح الأحياء حياةً تليق بتضحيته.

________الوطن…
الحقل الأكبر.

الوطن هو الحقل الأكبر.
وفي هذا الحقل حبات كثيرة، مختلفة في أشكالها وألوانها، لكنها جميعاً تحتاج إلى الأرض نفسها، والماء نفسه، والشمس نفسها، والسماء نفسها.

【 لا تسأل حبة القمح الأرض عن دين الحبة التي ستنبت إلى جوارها، ولا تسأل الشمس السنبلة عن طائفتها، ولا يسأل المطر التراب عن اسمه قبل أن يسقيه.
فلماذا يفعل الإنسان ذلك بأخيه الإنسان؟】

( إن الوطن القوي ليس وطناً تتشابه فيه حباته، بل وطناً تعرف فيه كل حبة أن لها مكاناً، وحقاً، وواجباً).

الوطن الذي تتساوى فيه الحقوق والواجبات بين أبنائه هو الوطن القادر على أن ينبت سنابل السلام والاستقرار.

أما حين تتحول الأرض إلى ساحة للتمييز والثأر والإقصاء، فإن الحقل كله يصبح مهدداً.

_____الكلمة أيضاً حبة.

وكما تُزرع الحبة في الأرض، تُزرع الكلمة في الإنسان.
والكاتب يزرع.
قد يزرع كلمة فتكون جسراً بين قلبين، وقد يزرع كلمة أخرى فتكون شرارة خصومة.

لذلك ليست حرية الكلمة أن نقول كل ما نستطيع قوله، وإنما أن ندرك مسؤولية ما نقوله، وأن نسأل قبل أن نكتب:
ماذا ستنبت هذه الكلمة؟
هل ستنبت وعياً أم جهلاً؟
وحدة أم انقساماً؟
حواراً أم كراهية؟
حياة أم موتاً؟
فالكلمات أيضاً لها سنابل.

_____حبة ااحنطة لا تنتهي ولا تموت …

وفي النهاية، ربما تكون حبة القمح أكثر من مجرد حبة.
إنها درس صغير بحجمها، كبير بمعناها.
تُوارى في التراب، فتبدو كأنها غابت، ثم تعود من المكان نفسه الذي اختفت فيه، ولكن بصورة أخرى.
وهكذا هي الرسالة.
وهكذا هي الكلمة.
وهكذا هي التضحية.
وهكذا تبقى سيرة من أعطوا من حياتهم للإنسان والوطن.

فالرسول يترك رسالة، والنبي يترك هداية، والقديس يترك قدوة، والشهيد يترك أمانة.
والأمانة لا تُحفظ بالبكاء عليها، وإنما بتحويلها إلى حياة.

لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط:
كم حبة دُفنت في تراب الوطن؟
بل ينبغي أن نسأل:
كم سنبلة أنبتنا من تضحياتها؟
كم عدالة؟
كم كرامة؟
كم أمناً؟
كم وحدة؟
كم مستقبلاً لأطفال لم يولدوا بعد؟
فإذا كانت الحبة تعطي نفسها للأرض، والأرض تمنحها الحياة من جديد، فإن مسؤوليتنا أن نجعل تراب الوطن الذي احتضن أبناءه أرضاً تنبت الحياة لا المقابر المتكررة.

الشهيد حبة قمح في تراب الوطن؛
فلا تجعلوا من ترابه نهايةً للحياة، بل اجعلوا منه بدايةً لسنبلة.
فالحبة لا تقول لنا: موتوا من بعدي.
إنها تقول:
ازرعوا من بعدي.
وابنوا من بعدي.
وعيشوا بكرامة من بعدي.
وحينها فقط نفهم سر الحنطة:
أن أجمل ما في الحبة ليس أنها دُفنت… بل أنها، بعد أن غابت، عادت سنبلة.

وهكذا يكون الوفاء الحقيقي لكل من أعطى نفسه للأرض:
أن نُخرج من تراب التضحية حياة، ومن الألم أملاً، ومن الذاكرة عدالة، ومن الوطن سنبلةً لا تنتهي.

وفي النهاية تعود بنا الحكاية إلى بدايتها:
حرفٌ يُزرع فيولد كلمة،
وكلمةٌ تُزرع فيولد معنى،
وحبةٌ تُزرع فتنبت سنبلة،
وسنبلةٌ تحمل حبات جديدة،
وإنسانٌ يعطي من ذاته، فيترك أثراً تستمر به الحياة.

الحرف والكلمة،
حبة الحنطة والسنبلة،
والإنسان والحياة…

ليست ثلاث حكايات،
بل حكاية واحدة:
حكاية العطاء الذي لا ينتهي عند الغياب، بل يبدأ منه.

فالكلمة حياة حين تُزرع في الإنسان، والحبة حياة حين تُزرع في الأرض، والتضحية حياة حين تتحول في أيدي الأحياء إلى عدالة وكرامة وسلام.
وهكذا لا تكون حبة الحنطة نهاية الحكاية…

بل تكون الحبة الأولى في سنبلة الوطن.

د. سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك