ابن المغرب الذي يهدد عرش نتنياهو من صياغة عقيدة الضاحية إلى سباق رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

 

أشرف التهامي.

 

“في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا تُصنع الخرائط فقط في أروقة السياسة المظلمة، بل تُصاغ رؤاها في أذهان مخططين يستوعبون دهاء اللحظة وتعقيداتها.

وبينما تتصارع التوازنات في الشرق الأوسط بين مد وجزر، يبرز اسم غادي آيزنكوت كأحد أهم العقول الأمنية والسياسية في الكيان الإسرائيلي التي أثرت في شكل المواجهة ووازنت بين العقيدة العسكرية والواقع الميداني. بين ‘عقيدة الضاحية’ التي ارتبطت باسمه كمهندس للردع المفرط، وبين تحركاته السياسية الأخيرة التي تتحدى حسابات بنيامين نتنياهو وتدفع نحو إعادة تشكيل المشهد الداخلي، نفتح كتاب التاريخ القريب لنقرأ القصة الكاملة للرجل الذي بات يهدد الاستقرار السياسي للائتلاف الحاكم في الكيان الإسرائيلي، ويطرح رؤيته الخاصة لمستقبل الصراع.”

تشهد الخارطة السياسية في إسرائيل تحولاً لافتاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابي ، ففي الوقت الذي اعْتاد فيه الشارع الإسرائيلي على منافسة بين بنيامين نتنياهو وخصوم من أطياف الوسط أو اليسار التقليدي، يبرز اليوم منافس من نوع آخر؛ منافس لم يبنِ حضوره في الاستوديوهات التلفزيونية، بل قضى أكثر من 41 عاماً في المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية ، صاعداً من صفوف لواء “جولاني” حتى أعلى هرم القيادة العسكرية كرئيس لهيئة الأركان في جيش الكيان الإسرائيلي.

إنه غادي آيزنكوت، رئيس هيئة الأركان الحادي والعشرون لجيش الكيان الإسرائيلي، ومؤسس حزب “يشار” (المستقيم)، الذي أظهرت الاستطلاعات قدرته على منافسة حزب “الليكود” والتقدم على نتنياهو في الملاءمة لرئاسة الحكومة.

من أصول مغربية إلى قمة المؤسسة العسكرية في الكيان الإسرائيلي .

ولد غادي آيزنكوت عام 1960 في طبريا لوالدين مهاجرين من المغرب، ونشأ في مدينة إيلات ، في سن الثامنة عشرة، التحق بلواء المشاة “جولاني”، وتدرج في مناصب قيادية متعددة.

· قائد كتيبة ولواء “جولاني”.

· قائد فرقة الضفة الغربية، ورئيس شعبة العمليات.

· قائد المنطقة الشمالية، ونائب رئيس هيئة الأركان.

· رئيس هيئة الأركان العامة (2015 – 2019( .

خلال توليه قيادة المنطقة الشمالية إبان حرب لبنان عام 2006، ارتبط اسم آيزنكوت بصياغة ما يُعرف عسكرياً بـ “عقيدة الضاحية”؛ وهي استراتيجية تهدف إلى استخدام قوة تدميرية هائلة وغير متناسبة ضد أي منطقة تُستغل لإطلاق النيران باتجاه إسرائيل، بهدف تحقيق الردع الشديد.

محطة السابع من أكتوبر 2023 والمعاناة الشخصية.

عقب اندلاع حرب السابع من أكتوبر 2023، انضم آيزنكوت إلى جانب بيني غانتس إلى حكومة الطوارئ ومجلس إدارة الحرب (الكابينت المعين). وخلال فترة مشاركته في اتخاذ القرارات العسكرية، دفع آيزنكوت ثمناً شخصياً مباشراً للحرب، حيث قُتل ابنه “غال مائير آيزنكوت” (25 عاماً) في ديسمبر 2023 أثناء القتال بقطاع غزة، تلاه مقتل اثنين من أبناء إخوته في المعارك أيضاً.

سهَمَت هذه الخسارة الشخصية في بناء صورة سياسية خاصة له داخل الشارع الإسرائيلي؛ صورة “الجندي والأب الذي يدفع ثمن الحرب بنفسه”، خلافا للصورة التي يراها خصوم نتنياهو فيه كسياسي متمسك بالسلطة.

الانفصال عن نتنياهو وتأسيس حزب “يشار”.

في يونيو 2024، أعلن آيزنكوت وغانتس انسحابهما من حكومة الطوارئ ، ووجه آيزنكوت انتقادات حادة لمجلس الحرب، مؤكداً أن الاعتبارات السياسية والشخصية أصبحت تطغى على القرارات الاستراتيجية، مشيراً إلى غياب رؤية واضحة لما بعد الحرب.

عقب ذلك، اتخذ آيزنكوت خطوة حاسمة بتأسيس حزب جديد باسم “يشار” (تُترجم بالعبرية إلى مستقيم أو نزيه) ، وطرح الحزب برنامجاً يستند إلى:

1. فرضه قانون التجنيد على الجميع: إلغاء الإعفاءات الممنوحة لطلاب المدارس الدينية (الحريديم)، وفرض خدمة عسكرية أو وطنية شمولية.

2. تشكيل لجنة تحقيق رسمية: للوقوف على الإخفاقات العسكرية والسياسية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر.

3. تعزيز المؤسسات والدستور: صياغة دستور يحدد التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

4. توسيع الاتفاقيات الإقليمية: مع التأكيد على تقوية الجيش والحفاظ على إسرائيل كـ “دولة يهودية وديمقراطية”.

عوامل اختراق القاعدة الانتخابية لنتنياهو.

ترجع قدرة آيزنكوت على تهديد النفوذ السياسي لنتنياهو إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

1. الخلفية الأمنية الصلبة: يصعب على حزب الليكود وصم آيزنكوت بـ “الضعف” أو “اليسارية”، فهو رئيس أركان سابق وواضع استراتيجيات ردع متشددة.

2. الأصول الشرقية (المزراحيم): تنحدر عائلة آيزنكوت من أصول مغربية، وهي الشريحة الاجتماعية والتصويتية التي تشكل عماد القاعدة الانتخابية لليكود، مما أتاح له اقتطاع جزء من هذا الجمهور.

3. ملف التجنيد والعدالة الاجتماعية: استغلال حالة الاستنزاف لدى قوات الاحتياط المطالبة بتوزيع أعباء الخدمة على الحريديم.

الرؤية تجاه القضية الفلسطينية.

على الصعيد السياسي والإقليمي، لا يمثل آيزنكوت حمامة سلام أو خياراً يسارياً؛ بل يعبر عن مركز أمني محافظ ، فقد صرح آيزنكوت بأن الحديث عن إقامة دولة فلسطينية أصبح “غير ذي صلة” في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر.

كما انتقد في مناسبات عدة قرارات وقف إطلاق النار أو القيود المفروضة على العمليات العسكرية، داعياً إلى منح الجيش حُرية كاملة لاستخدام القوة.

تحديات تشكيل الحكومة والكتل النيابية.

رغم الصعود الذي تسجله الاستطلاعات لصالح حزب آيزنكوت، تظل المعركة الحقيقية متمثلة في “لعبة الكتل” اللازمة لتجميع 61 نائباً من أصل 120 في الكنيست لتشكيل الحكومة.

· صعوبة الحسم: تظهر الاستطلاعات إمكانية تصدر حزب آيزنكوت لعدد المقاعد، لكن كتلته المعارضة لنتنياهو قد لا تصل تلقائياً إلى النصاب المطلق (61 مقعداً) دون الاعتماد على توازنات معقدة مع الأحزاب الأخرى أو القوائم العربية.

· الرهان المنفرد: رفض آيزنكوت الاندماج في تحالفات قبل الانتخابات مع شخصيات مثل نفتالي بينيت أو يائير لبيد، مفضلاً خوض السباق كمرشح أولي لقيادة المعسكر المناهض لنتنياهو.

الخلاصة:

لا يعكس صعود غادي آيزنكوت تحولاً في الشارع الإسرائيلي نحو التهدئة أو تقديم تنازلات سياسية، بقدر ما يعبر عن رغبة قطاع واسع من الناخبين في البحث عن قيادة عسكرية تُدير السياسات الأمنية والحرب بنفس القدر من الصرامة، ولكن بأسلوب مؤسسي بعيد عن نتنياهو.

 

ختاماً، إن قراءة مسار غادي آيزنكوت ليست مجرد استعراض لسيرة قائد عسكري أو سياسي يطمح لرئاسة الحكومة في الكيان الإسرائيلي، بل هي نافذة نفهم من خلالها عمق التحولات السياسية والعسكرية التي تمر بها المنطقة.

وسواء استطاع آيزنكوت ترجمة ثقله الأمني ورصيده الشعبي إلى زعامة سياسية حقيقية تطيح بحكومة نتنياهو، أم اصطدم بتعقيدات الانقسام الداخلي الإسرائيلي، فإن الأثر الذي تركه كمهندس للتوازنات والمواجهات العسكرية سيظل حجر زاوية في فهم موازين القوى الراهنة.

و تبقى الأيام القادمة وحدها الكفيلة بكشف ما إذا كان ‘صانع العقائد العسكرية في الكيان الإسرائيلية ‘ قادرًا على صناعة خارطة سياسية جديدة.”

 

شارك