عندما تتحدث لغة المياه بلسان النار-تصعيد القاهرة وانفجار الداخل الإثيوبي.

 

أشرف التهامي

في أروقة السياسة الدولية، تُبنى السدود بالأسمنت وحسابات التدفّق، لكنها في شرق إفريقيا أضحت تُبنى فوق رمال متحركة من الصراعات العرقية والتحالفات الهشة، حين يتخلى التكنوقراط عن لغتهم الدبلوماسية الهادئة ليصفوا إدارة الأنهار الدولية بأنها ليست “كفرش سجادة في المنزل”، وحين تُعلن سبع فصائل مسلحة تحالفاً لإسقاط النظام في اليوم نفسه، ينكشف الغطاء عن مرحلة جديدة يُستبدل فيها منطق “فرض الأمر الواقع” بقواعد لعبة خطرة قد تُعيد رسم خريطة القرن الإفريقي برمته.

شطرنج القرن الإفريقي: تصعيد القاهرة وانفجار الداخل الإثيوبي.

1-اللهجة المصرية.. من التحذير الفني إلى أقصى الردع .

شهدت التصريحات الرسمية المصرية تحولاً نوعياً لافتاً في التعاطي مع ملف سد النهضة ، حيث خرج الخطاب من أطر اللجان الفنية المغلقة إلى نزع المظلة الشرعية عن السد بشكل كامل ووصفه بـ “غير الشرعي” والمستند إلى “أوهام السيطرة والهيمنة المائية” ( .

تكمن أهمية هذا التصعيد في أنه يصدر عن جهات تكنوقراطية ورسمية رفيعة المستوى و ذلك ما جاء في تصريح وزير الموارد المائية والري المصري (الدكتور هاني سويلم ) ، حذّرت بوضوح من سيناريوهات “الفيضانات والجفاف المصنوعين”، مؤكدة أن “جميع الخيارات المشروعة مطروحة على الطاولة” لحماية الأمن المائي.

هذا التحول اللفظي المباشر لم يعد مجرد احتجاج، بل إعادة تذكير بحق الدفاع الشرعي عن النفس في حال التهديد الوجودي.

2-تحالف الفصائل السبعة: ضرورة سياسية أم جبهة متماسكة؟

في تزامن لافت، أُعلن عن تأسيس “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء” (APFES) بمشاركة سبعة فصائل مسلحة، أبرزها حركة “فانو” الأمهارية والجبهة الشعبية لتحرير تجراي وجيش تحرير أورومو.

ورغم أن الادعاءات الرسمية في أديس أبابا حاولت ربط هذا التحالف بجهات خارجية، إلا أن الواقع التحليلي يشير إلى أن التزامن هو نتيجة سياق سياسي متأزم وليس بالضرورة إدارة المباشرة التشغيلية .

تناقضات العمق: يجمع التحالف بين أطراف تحاربت بالأمس القريب (كالأمهرا والتجراي( ، الخلافات الجوهرية حول أراضٍ متنازعة مثل “غرب تجراي” (ولقايت) وحول شكل الدولة (المركزية مقابل الفيدرالية) تشكّل ألغاماً داخلية قد تفجر التحالف في أي لحظة.

· التكتيك العسكري: لا يملك التحالف قيادة عسكرية موحدة أو غطاءً جوياً، لكن قوته تكمن في قدرته على تشتيت جهود الجيش الفيدرالي عبر فتح جبهات متعددة وفي مناطق ريفية واسعة.

3-ميزان القوى وحرب الاستنزاف.

تسيطر الحكومة الفيدرالية على العاصمة والمدن الكبرى والمجال الجوي بفضل امتلاكها للطائرات المسلحة المسيرة (الدرونز) والسلاح الثقيل ، إلا أن تجربة النزاعات في المنطقة أثبتت أن التفوق الجوي قد يمنع تجمعات المعارضة، ولكنه لا يحسم السيطرة الميدانية الاستراتيجية على الأرياف والممرات الحيوية.

تجد أديس أبابا نفسها أمام معادلة استنزاف مالي ولوجستي طويل الأمد، حيث يؤدي اتساع رقعة المواجهات إلى إنهاك القوات الحكومية وإبقاء البلاد في حالة جمود عسكري مكلف.

بين حافة الهاوية وهشاشة الاستقرار.

إن المشهد الراهن يقف عند مفترق طرق شديد التعقيد ، فالضغط المتزايد على السلطة المركزية في إثيوبيا قد يدفعها نحو تقديم تنازلات سياسية أو إعادة تقييم مواقفها الإقليمية.

غير أن المعادلة الأكثر خطورة تتلخص في أن سيناريو الفوضى الشاملة أو فقدان السيطرة المؤسسية على المنشآت المائية الكبرى يحمل في طياته مخاطر استراتيجية لا تقل خطورة عن التعنت السياسي.

و بين تحذيرات القاهرة الصريحة ، وتناقضات التحالفات المسلحة في الداخل الإثيوبي ، تبقى الأيام القادمة رهينة قدرة الأطراف على تحويل أوراق الضغط إلى تسويات متوازنة، أو الانزلاق نحو انضباط عسكري مفتوح يعيد تشكيل توازنات المنطقة برمتها.

 

thumb_upأعجبنيthumb_downلم يعجبني

removeمواضيع مماثلة

مصر تتحدث عن نفسها

إنتاج المئات شهرياً في مدن تحت الأرض نظرة من الداخل على مشروع الصواريخ الباليستية الإيراني.

مصر تتحدث عن نفسها وتوجه رسالة للعالم عبر موكب المومياوات الملكية

إنذار باكستاني لإيران.. لماذا وصل مدير المخابرات الأمريكية إلى القاهرة؟

عندما تطغى السياسة الداخلية على الدبلوماسية؛ إسرائيل بعد 7 أكتوبر.

power_settings_new قم بتسجيل الدخول للرد

الرئيسية

جديد المنتدى

دخول

شارك