
الزعامة لها أسس وقواعد وأصول
كتب /نبيل الشريف.
الزعامة لها أسس وقواعد وأصول، والزعامة الاجتماعية، وخاصة عندما تتمثل برجل دين، فإن أولى وأهم مقومات مصداقيتها وفاعليتها أن تكون أبوابها مفتوحة أمام جميع الناس.
أن يكون لها موقع معروف وعنوان واضح، وأن يشعر كل إنسان أن أبوابها مفتوحة له، وأنها بيتٌ للجميع، لا يُغلق بابه في وجه أحد.
فالزعامة الاجتماعية أو الروحية لا تُقاس بما يظهر منها على وسائل الإعلام، ولا بعدد المحيطين بها، ولا بحجم المساعدات التي تقدمها، بل بمدى حضورها بين الناس، وقربها منهم، وقدرتها على الاستماع إلى آلامهم وهمومهم وآمالهم.
ومن الطبيعي أن تلتف حول هذه الزعامة مختلف الفعاليات الفكرية والروحية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن الأهم أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع، فلا تتحول إلى طرف في صراع داخلي، ولا إلى عنوان لفئة دون أخرى.
فالزعامة الحقيقية تتابع قضايا الناس جميعًا، وتسمع منهم مباشرة، وتفتح أبوابها أمام الجميع، ولا تكتفي بما يصل إليها عبر الحاشية والبطانة.
أما أن تظهر زعامة ما عبر وسائل الإعلام، وتنصّب نفسها ممثلة لمكوّن أو جماعة، بينما لا يلتقي بها الناس ولا تتواصل معهم بشكل مباشر، وتحيط نفسها بحاشية تحجب عنها أصوات المجتمع، فإن ذلك يطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة هذه الزعامة ومصادر شرعيتها الاجتماعية.
والأخطر من ذلك عندما تتحول المساعدات إلى وسيلة للتقريب والإبعاد، فيُهتم بمن يروق للزعامة وحاشيتها، ويُهمّش آخرون، مهما كانت مؤهلاتهم أو حضورهم أو تأثيرهم في المجتمع.
المساعدة قيمة إنسانية عظيمة عندما تُقدَّم للإنسان لأنه إنسان، ولأنه يحتاج إلى العون، لا عندما تتحول إلى وسيلة لصناعة التبعية أو شراء الولاء أو تقسيم الناس إلى مقرّبين ومبعدين.
والزعامة الاجتماعية أو الروحية التي تفرض نفسها من خلال المال أو الإعلام أو النفوذ، من دون أن تكون شخصية متواضعة، حاضرة بين الناس، تستمع إليهم وتتواصل معهم، قد تتحول مع الوقت من زعامة للمجتمع إلى شخصية تمثل نفسها والجهة التي تقف خلفها أو تدعمها.
فالزعامة ليست لقبًا، وليست منصة إعلامية، وليست مجموعة من المقرّبين.
الزعامة مسؤولية.
وهي قبل كل شيء ثقة الناس.
والثقة لا تُفرض، ولا تُشترى، ولا تُصنع بالحاشية.
الثقة تُبنى بالحضور، والتواضع، والإنصات، والعدل، والاستقلالية، وخدمة الناس جميعًا دون تمييز.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى الانفتاح ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُترجم إلى خطوات عملية: أن تُفتح الأبواب أمام الناس، وأن تُخصَّص أوقات واضحة للقاء بهم والاستماع إلى قضاياهم، وأن تكون هناك وسائل مباشرة للتواصل معهم، وأن تُتاح الفرصة لأصحاب الرأي والكفاءة والمبادرة للقاء هذه الزعامة بعيدًا عن الحواجز والحسابات الشخصية.
كما أن الانفتاح الحقيقي يعني الاستماع إلى المختلف قبل المؤيد، وإعطاء مساحة للشباب والفعاليات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وعدم حصر التواصل في دائرة ضيقة من الأشخاص.
فالزعامة التي تريد أن تكون عنوانًا للمجتمع، عليها أن تذهب إلى المجتمع أيضًا؛ تلتقي بالناس، تزورهم، تستمع إلى مشكلاتهم، وتشاركهم همومهم وآمالهم، لأن القرب من الناس لا يتحقق من خلف الأبواب المغلقة، بل بالحضور بينهم.
والانفتاح لا ينتقص من هيبة الزعامة، بل يعزز احترامها؛ والتواضع لا يقلل من مكانتها، بل يزيدها؛ والاستماع إلى الناس لا يعني الضعف، بل يعني إدراك أن المجتمع شريك في المسؤولية، وليس مجرد جمهور للتصفيق أو التأييد.
فالزعامة الحقيقية لا تُفرض… بل تُكتسب.
ولا تُصنع بالحاشية… بل تُصنع بالناس.
ولا يحميها المال والإعلام… بل تحميها الثقة.
ولا تبقى بقوة النفوذ… بل تبقى بقوة الخدمة والصدق والإنسانية.
للحديث تتمة…
ومتابعة.
نبيل الشريف


